عقد مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام)؛ ندوة بمناسبة ذكرى وفاة الشيخ حارث الضاري رحمه الله، بعنوان (في ذكرى الضاري: ثبات حتى الممات)، وذلك بالتعاون مع وقف دار السلام في مدينة إسطنبول بتركيا، حضرها جمع من الباحثين والأكاديميين وطلبة العلم من العراقيين والعرب.

واستهلت الندوة بعد تلاوة آيات من القرآن الكريم، بكلمة ترحيبية ألقاها السيد (غزوان المصري) رئيس وقف دار السلام؛ والذي أكد فيها على أهمية هذا اللقاء نظرًا لأهمية العالِم الذي عقدت الندوة بشأنه، مبينًا أن الشيخ حارث الضاري ـ رحمه الله ـ الذي قاوم الاحتلال بصبر وثبات؛ حل ضيفًا على الوقف مرات عديدة واستعرض فيها أوضاع العراق وأحواله، مشيرًا إلى أن الوقف يشعر بشرف كبير أنه يستذكر هذا العالم الجليل مثلما كان يشرفه حضوره سابقًا.

من جهته؛ قال الشيخ (قاسم المطيري) عضو مجلس شورى هيئة علماء المسلمين في كلمته بالندوة؛ إن الشيخ حارث الضاري ـ رحمه الله ـ كان محبًا للعلم ومحبًا للجهاد، وإنه كان يعلم تلامذته وطلابه هذه المعاني بصدق وإخلاص.

واستطرد الشيخ المطيري في الحديث عن مناقب الضاري عليه رحمة الله، وروى للحاضرين جوانب مشرقة من حياته وسيرته ولاسيما في تعامله مع العلماء وحرصه الشديد على المشورة واستطلاع الرأي في كل مسألة تعرض له.

أمّا الدكتور (نوّاف هايل) عضو هيئة علماء فلسطين، فقد ابتدأ كلمته بمقدمة تناولت أوصاف العلماء المجاهدين، مؤكدًا أنهم قادة في الأمة ومؤثرون في أبنائها  وباعثون للحياة فيها، في إشارة إلى أن الشيخ حارث الضاري ـ رحمه الله ـ مثال على هذا النوع من أهل العلم.

ومضى الدكتور هايل إلى القول؛ إن الشيخ حارث الضاري يذكرنا بالصحابي الجليل سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ ففضلاً عن كونه عالمًا وقائدًا فإنه شيخ قبيلة وأردف هذه الخصال بالجهاد، فكانت فصائل المقاومة العراقية تسمع منه وتجل رأيه وقوله، لافتًا إلى أن الضاري لم يكن يريد الخروج من العراق مطلقًا، لكنّه أُخرِجَ منه، بيد أن قلبه بقي فيه حتى توفاه الله، وعزاؤه في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُخرِجَ أيضًا من بلده.

وعن موقف الشيخ حارث الضاري  ـ رحمه الله ـ من القضية الفلسطينية؛ أكّد الدكتور نوّاف الهايل؛ أنه كان يعتبر فلسطين هي القضية الأولى في الأمّة، والقدس هي القضية المركزية فيها، مستشهدًا بقوله ـ رحمه الله ـ : نؤمن أن بغداد والقدس وجهان لعملة واحدة وأن عدوّها واحد،وأضاف بأن الشيخ الضاري كان حينما يلتقي بنا يرفض الحديث عن أية قضية إلا بعد أن يسأل عن فلسطين  وأخبارها، موضحًا أن فلسطين كانت تعيش في قلبه.

وفي القسم الثاني من الندوة؛ تحدث الأستاذ (مصطفى كامل) رئيس تحرير موقع وجهات نظر؛ عن حضور الشيخ حارث الضاري وأفعاله ومواقفه التي لا تخطئها العين رغم غياب جسده، مستعرضًا صفحات من تاريخ حياته، واستشهد بثلاثة مواقف حضرها بنفسه مع الشيخ الفقيد، أثبت فيها حرص الشيخ الضاري على مبدأ الشورى، ودفاعه بقوة وحزم عن مشروع المقاومة، فضلاً عن أنه أول من صرّح علانية بتورط إيران في الفتنة الطائفية في العراق وتجلى ذلك بموقفه المشهور الذي واجه فيه بشكل مباشر ممثل إيران في ملتقى القدس الدولي سنة 2007، محمد علي تسخيري.

واختتم الأستاذ كامل كلمته بالقول؛ إن الشيخ حارث الضاري سلك النهج المقاوم المؤمن بوحدة العراق والرافض لكل أشكال التبعية والاحتلال ومحو هوية العراق العربية والإسلامية، مشيرًا إلى أنه تحول إلى فكرة نبيلة، والأفكار النبيلة الجليلة خالدة لا تموت.

بدوره أكّد الشيخ الدكتور (يحيى الطائي) عضو الأمانة العامة في هيئة علماء المسلمين؛ أن الشيخ حارث الضاري عاش لقضية، وجاهد لأجلها، وتحمّل أعباء مواقفه فيها، فلم يتزحزح عنها، ولم يُهادن أو يساوم للتخلي عنها، حتى آخر لحظة من حياته.

وأضاف الشيخ الطائي؛ إن الضاري رجل عصره بامتياز، فقد كان نابغًا بين أقرانه، وقوي الحفظ لما يسمع، ومتوقد الذهن، طوال مسرته في طالب العلم، مستعرضًا جانبًا من مسيرته وتحصيلاته العلمية، ورحلاته في طلب العلم وتدريسه، معتبرًا أن الانتصار الحقيقي الذي ظفر به الشيخ حارث هو في الثبات على المبادئ مصداقًا لقوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}، مشيرًا إلى تواضعه وطريقته الأخوية في التعامل مع الجميع في داخل هيئة علماء المسلمين وخارجها.

وفيما يتعلق بالدور الهام الذي أدّاه الشيخ حارث الضاري ـ رحمه الله ـ بعد احتلال العراق ولاسيما في طريقة قيادته للهيئة، بيّن الدكتور يحيى الطائي أنه كان لا يقطع أمرًا دون مشورة ورويّة، وكان إذا ما استفحل شيء أو طرأ إبهام على أمر؛ يبعث إلى المختصين ويسمع منهم، واستشهد على ذلك بحادثين على سبيل المثال؛ أولهما قضية الدستور والموقف منه، والأخرى أحداث معركة الفلوجة الثانية سنة 2004.

وفيما يتعلق باستشرف الشيخ الضاري ـ رحمه الله ـ للأحداث ورؤيته الثاقبة لمآلاته؛ ضرب الشيخ يحيى الطائي أمثلة من بينها صدق قوله وتوقعه في تمرير الدستور حينما كتب مقالة في صحيفة البصائر سنة 2005، أكد فيها أن الولايات المتحدة عازمة على تمرير الدستور حتى لو رُفض، وهو ما حصل بعد ذلك،  لاسيما وأن مصادر حكومية اعترفت مؤخرًا بأن الدستور تم رفضه من قبل خمس محافظات في ذلك الوقت إلا أنه مرر بطلب أمريكي.

وفي ختام كلمته؛ رد الشيخ يحيى الطائي على بعض الشبهات التي أثارها خصوم هيئة علماء المسلمين على الشيخ الضاري، وكشف عن حقائق جليّة تضمنتها بيانات الهيئة التي وثقت بالتواريخ مواقف تؤكد على بطلان ما اتهموها بها، وقد وزعت على الحاضرين نسخ من تلك البيانات.

وقبل أن تسدل الندوة الأستار على فقراتها، استمع الحاضرون إلى أبيات شعرية في مدح الشيخ الضاري وبيان مناقبه، ألقها المنشد السوري (زكي العسلي) والشاعر العراقي (وليد الخشماني)، قبل أن يبتهل الحاضرون بالدعاء إلى الله عز وجل أن يرحم الشيخ حارث الضاري، وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، ويخلف في الأمة من بعده من يقودها إلى بر الأمان والنجاة من أهل الظلم والبغي.