انطلقت صباح اليوم السبت، ندوة دولية بعنوان “جرائم التغييب القسري في العراق، وسبل تفعيل الاتفاقيات الدولية لمنع مرتكبيها من الإفلات من العقاب”، وذلك في مدينة إسطنبول التركية.

أقام الندوة مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام)، والاتحاد الدولي للحقوقيين، وبمشاركة قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق، وعدد من الباحثين والناشطين في مجال حقوق الانسان من العراق ودول أخرى.

افتتح أعمال الندوة الدولية السكرتير العام للاتحاد الدولي للحقوقيين المحامي التركي نجاتي جيلان، قائلا إن “الاحتلال الأمريكي أدخل البلد في دوامة من الصراعات واختفاء الناس وفقدان الحياة”.

وأضاف نجاتي، أنه لا يمكن توصيف انتهاكات حقوق الانسان الجارية على مقربة من تركيا على أنها شأن داخلي للعراق. في إشارة منه الى ضرورة تدخل المنظمات الإنسانية والمجتمع الدولي لإيقاف مثل هذه الإنتهاكات.

من جانبه ألقى رئيس مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام) الدكتور يحيى الطائي، كلمة في الجلسة الافتتاحية، شدد فيها على كون “موضوع حقوق الانسان يتجاوز الجغرافيا والدين والعرق، فالإنسان هو القيمة العليا في جميع الشرائع السماوية والقوانين الوضعية”.

واستعرض الطائي في كلمته ما يحصل في العراق من جرائم قتل واعتقال وتغييب قسري وتعذيب، وانتهاك الحكومة لحقوق الانسان العراقي وهدر حقوقه وكرامته، مما جعل حكومة بغداد تفقد مقعدها في مجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة، نتيجة ممارستها كل أنواع الجرائم المتعلقة بحقوق الانسان ضد أبناء الشعب العراقي.

 

التغييب القسري أم الجرائم

تمحورت الجلسة الأولى التي ترأسها الدكتور عباس عروة من مؤسسة قرطبة – جنيف، حول موضوع “التغييب القسري في العراق، واقعه وشواهده ومسؤولية النظام السياسي عنه”، حيث قدم المشاركون أربع ورقات بحثية.

ونبّه عروة إلى أن التغييب القسري يعتبر أم الجرائم، كونه يولد جرائم أخرى من بينها التوقيف والاعتقال التعسفي والتعذيب والقتل خارج القانون”.

وقد بدأت الجلسة الأولى بورقة بحثية قدمتها المحامية إيناس زايد، بعنوان “الاختفاء القسري في العراق.. مفهومه، مظاهره، موقف القانون الدولي”، ذكرت فيه أن جرائم الاختفاء في العراق فاقت كل الجرائم.

وتطرقت إيناس زايد، إلى احصائيات اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، وذكرت أن هناك نحو 250 ألف مفقود عراقي منذ عام 2014، منوهة إلى أن هذا الرقم الكبير لا يمكن السكوت عليه.

وتحدثت إيناس عن تورط الحكومة في العراق وميليشياتها في أعمال الاختطاف والتغييب القسري.

التغييب القسري جريمة ممنهجة

وخلال تقديم ورقته البحثية التي كانت بعنوان “التغييب القسري في العراق، دراسة حالة (مغيبو الشرقاط)”، قال الدكتور ايمن العاني نائب رئيس قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق، “يعد العراق من أكثر الدول احتواءً على التغييب القسري، إذ باتت هذه الجريمة ظاهرة متفاقمة تطال آلاف المدنيين سنويًا، بما يجعلها جريمة ممنهجة وعلى نطاق واسع، بالتزامن مع التراجع السياسي والتدهور الأمني وتفشي الفساد في البلاد”.

وأضاف، ” ما يزال عنوان (مكافحة الإرهاب) ذريعة حكومة بغداد لتغييب المواطنين قسرًا، وهذا يعكس مدى الاستخدام الواسع لأماكن الاحتجاز السرية في العراق، وقد تم الكشف عن مئات السجون غير المعلنة التي تديرها الأجهزة الحكومية والميليشيات”.

مبينا أن “الحكومة في بغـداد ترفض الاعتراف بمصير الأشخاص المغيبين قسرًا ومكان وجودهم، وتمتنع عن ذكر أي تفاصيل بشأن الموضوع”.

ومن جانبه قدم السيد ديرك ادريانسينس عضو محكمة بروكسل- بلجيكا، ورقة بحثية عنوانها “العراق: الاختفاء القسري كأداة للحرب”، أكد فيها على وجود نحو (400) تقرير توثق جرائم الاحتلال الأمريكي وحكوماته والميليشيات في العراق.

وأوضح ادريانسينس ان جرائم التغييب القسري مورست كأداة حرب ضد المواطنين العراقيين بعد عام ٢٠٠٣ من قبل القوات الامريكية والحكومة والمليشيات.

وفي ختام الجلسة الأولى قدم مدير المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب، عمر الفرحان بحثه المعنون “المسؤولية الجنائية عن التغييب القسري والجهات المشتركة فيه في العراق”.

وبيّن الفرحان، أن “الدستور الحالي في العراق قاصر من الناحية التشريعية، ويفتقر لنصوص قانونية تمنع حدوث انتهاكات حقوق الإنسان؛ بل يتعدى ذلك إلى أن السلطات الحكومية تهمل جميع القواعد القانونية وتنتهك الحقوق تحت مظلة القانون”.

سيطرات وهمية وسجون سرية

وأضاف الفرحان بأن “قوات الاحتلال الأمريكي أخفت الكثير من المعلومات فيما يخص التغييب القسري في العراق وعملت على طمس معالم هذه الجريمة بأشكال شتى”.

وذكر الفرحان بأن الحكومة والميليشيات والأحزاب في أغلب المدن العراقية وضعت نقاط تفتيش ومراكز احتجاز تعتقل المدنيين على الهوية، وغالبا ما يتم تغييبهم قسرا بعد اعتقالهم تعسفا، وبعد فترة وجيزة يجري قتلهم ورمي جثثهم في الشوارع”.

هذا وتضمنت الجلسة الأولى مداخلات قدمها بعض الحضور وأجاب الباحثون على أسئلتهم.

ففي مداخلة للباحث السياسي الدكتور رافع الفلاحي، استبعد فيها ان يكون الفقر هو السبب الذي يدفع الميليشيات لأعمال الخطف والابتزاز، مؤكدا وجود فكر طائفي وفكر عصابات يحكم هذه الميليشيات وهذا يدفعها لخطف الناس وابتزازهم وتغييبهم”.

وأضاف الفلاحي، “أن الفوضى وغياب القانون والدولة منذ عام 2003، أفرز مشكلة التغييب القسري في العراق”.

وردا على سؤال حول الانتهاكات التي تستهدف مناطق معينة وتأثير ذلك على النسيج الاجتماعي، أجاب الفرحان قائلا، “الممارسات الحكومية لم تعد تنطلي على المجتمع العراقي وبقي متماسكا وهذا ما أثبتته المظاهرات الأخيرة، لكن التأثير سيكون على العائلات المتضررة من هذه الممارسات”.

الجلسة الثانية.. استمرار الاعتقالات

أما الجلسة الثانية للندوة فكانت برئاسة الدكتور أيمن العاني، وتمحورت حول “جهود المنظمات الدولية والعربية في موضوع التغييب القسري وتفعيل الولاية الدولة”، حيث شهدت قراءة أربعة أوراق بحثية.

وافتتحت الجلسة الثانية بكلمة لرئيس الجلسة الدكتور أيمن العاني، كشف فيها عن حملات دهم واعتقال عشوائي تعسفي تجري منذ أسبوع في جميع انحاء بغداد، حيث تم تغييب المئات، بحسب المعلومات الأولية.

قدم السيد مأمون الخصاونة رئيس اللجنة الوطنية للقانون الدولي الانساني في الأردن، ورقة بحثية بعنوان، “واجبات الدول الأطراف في الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري، الحكومة في العراق انموذجا”.

وذكر الخصاونة في ورقته البحثية أنه وثّق عدم التزام حكومات العراق المتعاقبة بالاتفاقية الدولية حول تجريم التغييب القسري والتي أقرت في 2006″. وأضاف قائلا “لا يخفى على المتتبع لحالات الاختفاء القسري في العراق مدى خرق العراق للاتفاقية الدولية، ووجود انتهاكات صارخة بالاختفاء القسري للأشخاص وكما هو واضح من تقارير المنظمات الدولية”.

 

جرائم أمريكية

وقدم السيد رشيد مصلي، عضو منظمة الكرامة لحقوق الانسان-جنيف، ورقته البحثية الموسومة بـ “نشاط مؤسسة الكرامة لحقوق الانسان في ملف المفقودين في العراق”.

وذكر مصلي أن “حجم انتهاكات حقوق الانسان في العراق كبير، وإن جرائم القوات الامريكية المحتلة في التغييب القسري كانت أولى الملفات التي وصلت الى الأمم المتحدة”.

وأشار مصلى إلى أن الحكومة في العراق تماطل في الإجابة عن التساؤلات بخصوص المغيبين وبالتالي ليس هناك إرادة سياسية لدى الحكومة للتعاون مع المنظمات الانسانية.

أما الورقة البحثية الثالثة فقد قدمها الدكتور عباس عروة من معهد قرطبة للسلام بجنيف، عنوانها “برنامج مؤسسة قرطبة بجنيف لترشيد الخلافات، بخصوص المختفين قسريا في العراق”.

وتحدث عروة عن مبادرة معهد قرطبة للسلام، للكشف عن المغيبين بعد احداث سامراء عام 2006.

مغيبو جنوب العراق

أما آخر ورقة بحثية في الجلسة الثانية، فقدمها عضو اللجنة التنسيقية للميثاق الوطني العراقي، السيد مكي نزال، بعنوان “جهود المنظمات الشعبية العراقية والعربية في كشف ملفات التغييب القسري وإيصالها إلى المجتمع الدولي”.

وقال نزال: “إن التغييب القسري في العراق بلغ حجم الكارثة” لافتا إلى أنه “ظهرت في الآونة الأخيرة مغيبين حتى من الشيعة جنوب العراق والفرات الأوسط على يد من يدعون حماية المذهب”.

وأضاف مكي : “إن الأمريكان هم أساس البلاء في العراق، وهم من بدأوا هذه الجرائم، وهم من سمحوا بتأسيس هذه الميليشيات في البلاد”. مشيرا الى ما حصل من جريمة في ناحية الصقلاوية التابعة لقضاء الفلوجة أثناء عمليات اقتحام المدن، مؤكدا على أن “أهالي الناحية خرجوا فرحين بعد حصار وقصف استمر لفترة طويلة، لكنهم تفاجأوا بوجود الحشد الشعبي يستقبلونهم بالقتل بأدوات البناء كالمعاول واختطفوا عددا آخر منهم.

كشف الجرائم وتوثيقها

اختتمت الندوة الدولية جلساتها بمداخلات الحاضرين والإجابة على أسئلتهم. حيث أكد الدكتور عبد الحميد العاني  الناطق الرسمي باسم هيئة علماء المسلمين في العراق على أن “جرائم التغييب القسري ثابتة في العراق، وجهود المنظمات العراقية والدولية قد وثقت هذه الجرائم، رغم غياب الكثير منها عنهم.

وقد أكد الباحثون جميعا على أهمية ايصال الأصوات التي تطالب بتوثيق ملف المغيبين بشكل مهني، والكشف عن هذه الجرائم وتوثيقها وفق القانون المحلي والدولي.

واقترح الدكتور مثنى حارث الضاري مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين في العراق خلال مداخلته إلى عمل ورشة خاصة تبحث سبل تفعيل الاتفاقيات الدولية لمنع مرتكبي جرائم التغييب من الافلات من العقاب.

وأضاف الدكتور الضاري أن “إحدى المعوقات الرئيسة فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان في العراق، هو عدم إمكانية القوى الفاعلة على متابعة وتنفيذ وتوصيل ما يصل إليها من وثائق إلى المجتمع الدولي، بسبب كون الموضوع يشتمل على جانب سياسي فضلا عن كونه موضوعا قانونيا وحقوقيا”.