المقدمة:
1- إن هذه الاحتجاجات والمظاهرات أصبحت مكررة في العراق منذ زمن بعيد، ففي صيف عام 2010م خرجت احتجاجات في بعض مدن الجنوب تنادي بعجز السلطات الحكومية عن توفير الخدمات، فأصدر رئيس الوزراء المالكي أمراً سرياً لوزير الداخلية برفض التصريح لهذه المظاهرات دون إبداء الأسباب لذلك؛ بل وأقدمت السلطات الحكومية على اعتقال وإرهاب منظمي المظاهرات والمتظاهرين، وأدت حملة الاعتقالات إلى بث أجواء من الرعب والخوف في محاولة للسيطرة عليها، وقد اضطر المالكي على استبدال وزير الكهرباء بوزير جديد لتهدئة غضب الشارع العراقي، ثم خرجت مظاهرات شباط عام 2011م والتي بلغت ذروتها في مدينة البصرة والتي سميت بانتفاضة الكهرباء وامتدت إلى مدن عراقية أخرى حيث قمعت بشدة وسقط فيها الكثير من القتلى، واعتبرت المطالب التي نادت بها هذه المظاهرات هي التفاف على الدستور والشرعية الانتخابية، واتهموهم بالسعي لإعادة البعث إلى السلطة وضرب العملية السياسية في الصميم.
2- لقد جاءت مظاهرات المحافظات السنية في عام 2013م متممة لسابقتها وتطالب بحقوقها المسلوبة من إطلاق لسراح المعتقلين وخاصة المعتقلات والقيام بإصلاحات سياسية وإحداث نوع من التوازن في مؤسسات الدولة وإنهاء حالة الإقصاء والتهميش وإلغاء المادة (4) إرهاب وتغير قانون المساءلة والعدالة وتوفير الخدمات، ولكن تم تغير مسار تلك المظاهرات السلمية بسبب السياسات الحكومية الطائفية واستخدام القوة في فض هذه المظاهرات، بدءاً من الحويجة وانتهاءً بمدينة الرمادي والفلوجة ثم سيطرة تنظيم الدولة على المحافظات السنية والتي انتهت بتدمير البنى التحتية لهذه المدن وتخريب معظم معالمها الحضارية .
3- إن المظاهرات التي انطلقت بقوة في مدن الجنوب أعطت مؤشرا خطيرا على كذب النظام السياسي الحاكم في العراق والذي كان يقول ويسوق أنه يستمد شرعيته من هذه المدن بعد عام 2003م بحيث وصل الفشل الحكومي إلى درجة لا يمكن تحملها من قبل الشارع العراقي الذي خرج مندداً بعدم قدرة الحكومات المتعاقبة على توفير أبسط الخدمات للمواطنين خاصة وإن مدن الجنوب تعاني من مشكلة كبيرة في قلة المياه الصالحة للشرب وارتفاع درجة الحرارة والرطوبة في الصيف بشكل كبير جدا مع انقطاع شبه كامل للكهرباء في جميع مدن العراق علما أن هذه المدن كانت طوال الفترة الماضية مستقرة أمنيا إلى درجة كبيرة بحيث يمكن أن يكون فيها إعمار وبناء، ومع هذا فشلت الحكومة في تلبية احتياجات هذه المدن ناهيك عن عمل كثير من الشركات الاجنبية في هذه المدن والذي كان يجب أن ينعكس بصورة ايجابية على تطور الخدمات في هذه المحافظات التي سيطرت عليها الاحزاب السياسية وحولت كثيرا من مفاصل الدولة فيها إلى تركة حزبية لهذا الحزب أو ذاك.

مؤشرات خطيرة تنذر ببدء المظاهرات:
4- لقد كانت هناك مؤشرات كثيرة تنذر على بدء هذه الاحتجاجات التي خرجت في مدن الجنوب بصورة عامة ومنها:
الاول: قلة المشاركة في الانتخابات البرلمانية: إن عزوف الجمهور السني والشيعي والكردي عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 12مايو/أيارعام2018م الماضي حيث إن قلة المشاركة فيها أعطت إشارة مهمة وواضحة حول الانفصال الحاصل بين الجمهور والنظام السياسي الحاكم .
ثانيا: فشل حكومي: إن فشل حكومة بغداد في تقديم أبسط الخدمات للمواطن وهذا انعكس سلبا على العلاقة بين المواطن والنخبة السياسية الحاكمة مما أدى إلى تغيير كثير من القناعات التي كانت سائدة في الفترة الماضية والتي كانت الحكومات السابقة تعمل على ترسيخها من خلال العزف على الوتر الطائفي الذي دمر النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي بسبب السياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة على حكم العراق منذ عام 2003م والتي عمل الاحتلال الامريكي الايراني على ترسيخها في المجتمع من خلال هذه الحكومات.
ثالثا: مشاكل مدورة ودائمة: هناك مشكلة رافقت بناء الدولة العراقية بعد الاحتلال وهي مشكلة الدستور وشكل الحكم في العراق وهذا بدوره جر البلد إلى مآسي كثيرة حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الان من هشاشة النظام السياسي وعدم قدرة الحكومة على معالجة الخلل البنيوي في النظام الاقتصادي والسياسي وسيطرة الميليشيات وتغولها في مؤسسات الدولة والتي يمكن أن نقول في غالبها ليس للدولة سيطرة عليها يضاف إلى ذلك تدمير البنى التحتية في العراق نتيجة العمليات العسكرية وعدم قدرة الحكومة على إعادة الاعمار والبناء في ظل التدخلات الخارجية الايرانية والامريكية التي تراعي مصالحها على حساب مصالح العراق وقبول الحكومات المتعاقبة بهذا الوضع مما سبب عدم وجود استقرار مما يعني صعوبة إيجاد سوق للاستثمار الاجنبي الذي يتطلب الامن والاستقرار للعمل.

بماذا تميزت هذه الاحتجاجات ؟
5- الأمر الذي يميز هذه التظاهرات عن سابقتها هو أن الوعود الحكومية لتهدئة الشارع والحلول الترقيعية لم تعد مجدية لإيقاف غضب الشارع وذلك لأن العراقيين ملوا من الوعود المتكررة والغير قابلة للتنفيذ مع عدم جدوى الحلول الترقيعية قياساً بحجم المعاناة التي يعيشها الشارع العراقي فقد فشلت الحكومات المحلية والمركزية في توفير أبسط مقومات الحياة الخدمية ولكن هذه المظاهرات تميزت عن غيرها بكثير من المؤشرات ومنها:
أولا: تنديدها بالأحزاب السياسية الفاسدة ورفضها لهذه الاحزاب التي طالما حاولت أن تعطي صورة غير حقيقة على أنها مدعومة بالشارع الشيعي وهذا يعتبر التطور الاخطر والمشكلة الخطيرة التي واجهت الاحزاب مما أضعفت نفوذها وكذلك نظام الحكم القائم أيضا.
ثانيا: أصبح الكلام جريئا إلى درجة كبيرة وصلت إلى اتهام المرجعية في النجف بسكوتها عن الفساد الحاصل والمفسدين في مؤسسات الدولة وعن فساد طال الكثير من الشخصيات المعممة مع عدم قدرة الحكومة أو المرجعية على محاسبتها بل تعدى الأمر إلى اتهام المرجعية بالشراكة في كثير من ملفات الفساد.
ثالثا: التظاهرات أسقطت كذبة أن سلاح مليشيات الحشد الشعبي هو للدفاع عن العراقيين لأنه عندما أصبح العراقيون ينادون بسقوط الحكومة وفساد الاحزاب وبعض الشخصيات السياسية توجه هذا السلاح لصدور العراقيين قمعا و قتلا وخطفاً حتى اعتبرها الكثير من المتظاهرين أنها دولة داخل الدولة وهذا أيضا تطور كبير لدى الشارع العراقي.
رابعا: الشعارات التي رفعت في هذه المظاهرات ضد إيران كانت واضحة وجلية ورددت كثير من الاهازيج التي تنادي بخروج ايران ودورها التخريبي في العراق وهذا سابقة في العراق منذ عام 2003م لأن الكثير من المتابعين والخبراء ينظرون إلى إيران أنها الداعم الحقيقي والسياسي للأحزاب السياسية العاملة في العراق وكذلك الميليشيات التي دعمتها وسلحتها إيران حتى أصبحت دولة داخل الدولة مما جعلها تخرج تجمعا بائسا مع بعض القيادات في البصرة لتثني على دور إيران في العراق.
خامسا: الشارع العراقي اكتشف أن عزف الاحزاب على أوتار الطائفية لم يكن لحماية المذهب أو المقدسات كما يدعون؛ بل لحماية المكتسبات التي حصلوا عليها من المحتل، ولولا التخندق الطائفي لم يكن لهذه الطغمة الفاسدة أن تستمر لهذا الوقت.
سادسا: طبيعة الفئات العمرية للمحتجين يكاد يغلب عليها الفئة الشبابية؛ الغاضبة على الوضع المزرى، التي وصلت إليه الاوضاع المعيشية في مدن الجنوب التي انتشرت فيها المظاهرات بشكل سريع لتغطي الجغرافيا الشيعية بصورة كاملة والتي عانت وتعاني من البطالة، وفقدان فرص العمل، وفساد مؤسسات الدولة، وعدم توفر الخدمات وغيرها من الظروف الصعبة.

كيف فشلت حكومة بغداد في التعامل مع الاحتجاجات:
6- إن خروج هذه المظاهرات في هذا الوقت الحرج جدا للحكومة العراقية جعل الحكومة تتصرف بطريقة تحاول فيها احتواء هذا الحراك وتهدئته وعدم تطوره علما أنها خرجت سلمية تنادي وتطالب بتوفير الخدمات ومحاسبة الفسادين ومع ذلك اتخذت الحكومة العراقية الكثير من الاجراءات لإجهاض هذه المظاهرات من خلال :
أولا: استخدام القوة العسكرية لترهيب المواطنين وحثهم على عدم المشاركة فيها من خلال حملات الاعتقالات التي طالت الكثير من النشطاء في مختلف المحافظات ثم أطلقت سراح الكثير منهم بأخذ تعهدات خطية بعدم مشاركتهم مرة أخرى وإلا سيتم اعتقالهم حسب المادة (4) إرهاب فضلا عن سقوط عدد كبير من الجرحى والقتلى في هذه المظاهرات التي زجت فيها الحكومة بقوات كبيرة لترهيب الناس ومنعهم من المشاركة.
ثانيا: حاولت الحكومة تفتيت هذه المظاهرات من خلال تعاملها مع مطالب كل محافظة على حدة وقامت بعقد كثير من اللقاءات مع الوجهاء وشيوخ العشائر لاحتوائها بشراء ذمم قسم منهم وأيضا قامت بصرف بعض التخصيصات المالية للمحافظات الجنوبية وإعطاء بعض الدرجات الوظيفية وصدور قوائم بإحالة كثير من المفسدين إلى هيئة النزاهة هي حلول ترقيعية لامتصاص زخم الشارع المنتفض والسؤال إذا كانت هذه التخصيصات معدة لهذه المحافظات لماذا لم تصرف قبل بدء المظاهرات؟ وكذلك الدرجات الوظيفية؟ ولماذا لم تقم حكومة العبادي في أربع سنوات من إحالة المفسدين إلى هيئة النزاهة ؟ لماذا الآن؟ وهذه جزء من سياسية الحكومة لإجهاض الاحتجاجات فضلا عن محاولتها شيطنة هذه الاحتجاجات وإلصاق الإرهاب بها، وكذلك اتهامهم بأنهم يريدون إعادة البعثيين وغيره .
ثالثا: سياسة الاعتذار الذي قدمته بعض الشخصيات مثل هادي العامري للشعب واعترافهم بأنهم أخفقوا في تقديم حياة حرة كريمة للشعب؛ هي جزء من محاولة الاحتواء وركوب الموجة، لأن الذي فشل يجب عليه الانسحاب لا أن يعمل على ترشيح نفسه لمنصب رئيس الوزراء وهو يعتبر نفسه فاشلاً في الفترة الماضية، فهذه مفارقة كبيرة.
رابعا: حاولت الدولة أن تقول إن مطالبكم وصلت إلينا وسنعمل على تنفيذها، ولكن الحقيقة أنها لن تفي بوعودها لعدم قدرتها على إيجاد حلول حقيقية، وإنما ما تطرحه هي حلول مؤقتة بل وعود زائفة، لأن هناك اشكالات بنيوية حقيقة في هيكلية الدولة العراقية ونظامها السياسي بعد عام 2003م لذلك المشكلة كبيرة ولن تستطيع الحكومة معالجتها في هذا الوقت الضيق وخاصة أن الانتخابات البرلمانية التي جرت في أيار عام2018م لم يتم المصادقة عليها إلى الآن، والدولة مدانة بأكثر من (120) مليار دولار وخزينة الدولة خاوية، وبالتالي لا يمكن لهذه الحكومة أن تقوم بإجراءات حقيقة لحل هذه المشاكل التي لن تسمح الاحزاب السياسية بتغير قواعد اللعبة في العراق ولن تسمح بتغير هيكلية النظام السياسي، يضاف إلى ذلك أن القوة الحقيقية التي لها تأثير كبير على المشهد العراقي هي الولايات المتحدة الامريكية وايران وهذه لن تسمح أيضا بأن تخرج الأمور في العراق عن سيطرتها، وحتى ما يشاع عن تأثير الدول العربية وخاصة الخليجية منها في العراق هو غير صحيح، وإنما قد يرسم لها دور ثانوي تؤديه فقط.
خامسا: إن إطالة مدة الاحتجاج وكسب الوقت وتشكيل اللجان الغير مخولة باتخاذ قرارات ضمن صلاحيات محدودة، هو السمة الواضحة في كيفية تعامل الحكومات المتعاقبة مع المظاهرات وهو تصرف خبيث تتبعه حكومة بغداد للتسويف، مما يدفع الناس إلى الملل والانكفاء، مما ينذر بتحول مسارها السلمي إلى المواجهة بالعنف الحكومي.

حراجة وموقف التيار الصدري من المظاهرات:
7- إن موقف التيار الصدري في الفترة السابقة كان داعماً للمظاهرات وخاصة في عام 2016م عندما تم دخول المتظاهرين إلى مجلس النواب ومقر الحكومة العراقية، ولكن موقفه اختلف في هذه المظاهرات، وقد حاول التيار التزام الصمت، لأن انضمامه للمظاهرات يعني أنه سيعقّد موقفه وسيكون ضد الكتل السياسية التي دخل في حوار معها لتشكيل الحكومة القادمة والتي يطمح الصدر أن يكون نواتها الصلبة لتشكيل الحكومة القادمة كون تحالفه حصل على (54) مقعداً في الانتخابات البرلمانية، لذلك إذا دعم هذه الاحتجاجات فكيف سيشكل الحكومة؟ لذا هو في مشكلة حقيقة في التعامل مع هذه المظاهرات.

موقف مرجعية النجف من احتجاجات مدن الجنوب:
8- لقد استجابت المرجعية لمطالب المحتجين في الأسبوع الأول من المظاهرات عندما أعلنت إنها تتضامن مع المواطنين في مطالبهم الحقة، واتهمت الحكومة بالتقصير الواضح في تحسين الاوضاع وتقديم الخدمات على الرغم من وفرة الامكانيات المادية في الفترة السابقة لكنها فشلت في إدارة مؤسسات الدولة ولم تتخذ الاجراءات اللازمة للوقوف بوجه الفساد المستشري والتي يجب على الحكومة أن تتعامل معه بجدية وواقعية. ثم تراجعت المرجعية عن موقفها في الجمعة اللاحقة بعد أن تصاعدت المطالب في جميع المحافظات وهنا حاولت المرجعية أن لا تدعم طرفا على حساب الطرف الآخر مما يجر البلد إلى استقطاب وهناك من فسرها أن دعم لحكومة العبادي وخاصة أنها فترة حرجة جدا يمر بها العراق بعد فشل المفوضية في إعلان الانتخابات التي شابها الكثير من التزوير وقلة المشاركة فيها، ولكن في الجمعة الأخرى كنا أمام موقف واضح وصريح من مرجعية النجف وهو الوقوف إلى جانب الحكومة، ودعم تشكليها بأسرع وقت حسب الأطر القانونية والدستورية وعلى أسس صحيحة وأن تتحمل المسؤولية في مكافحة الفساد الذي سيطر على مؤسسات الدولة، وفي نفس الوقت أعطت الحق للشعب في المظاهرات والاحتجاجات السلمية لفرض إرادته على المسؤولين، وهنا حاولت المرجعية أن تظهر في حالة من التوازن بين الحكومة وتشكليها من أهل الاختصاص وأن تتحمل المسؤولية الكاملة عن معالجة الاوضاع، وبين حق الشعب في المطالبة بحقوقه سلميا ووضع حد للمطالب التي كانت تدعو إلى اتخاذ اجراءات بعيدة عن الأطر الدستورية والقانونية في تشكيل الحكومة المقبلة، وهنا نقول أن المرجعية أرادت أن تحتوي هذه الاحتجاجات.
الموقف الأمريكي من الاحتجاجات العراقية:
9- إن الموقف الأمريكي من الاحتجاجات العراقية تأخر كثيرا في بيان رأيها فيها، والذي صدر على استحياء ليقول نحن مع حكومة العبادي في تلبية مطالب المتظاهرين وسندعمها في توفير الخدمات وهنا حاولت أمريكا التزام الصمت لأنها لا تريد أن تخسر بعض الشركاء في تشكيل الحكومة بسبب موقفها من هذه المظاهرات فأمريكا تعلم أن الاحزاب السياسية الشيعية وخاصة الحاكمة لديها علاقات متينة مع إيران وتحاول أن تمارس معها لعبة مزدوجة فهي تحاول أن تلتقي بشخصيات مرشحة لمنصب رئيس الوزراء من جهة وتضع قسما من ميليشيات الحشد الشعبي على قائمة الإرهاب من جهة أخرى للضغط على ايران لتقديم تنازلات في هذا الملف لأنها حريصة على تشكيل حكومة ضمن رؤيتها في العراق وبعيدة نوعاً ما عن التفرد الإيراني، والسؤال المهم هل تستطيع أمريكا أن تشكل حكومة بعيدا عن التفاهمات مع الايرانيين؟ والعكس صحيح فهي تحاول عدم استثارة الاحزاب والميلشيات التابعة لإيران لحين تشكيل الحكومة خصوصا وأنها تدعم العبادي لذلك وهي لا تريد التدخل بشكل مباشر.

محددات تحول دون تحقيق المظاهرات لأهدافها:
10- هناك الكثير من المحددات الداخلية والخارجية التي تحول دون تحقيق هذه المظاهرات لأهدافها ومنها:
أولا: إن هذه المظاهرات لم تستطيع أن تنتج خطابا سياسيا موحدا؛ وإنما كانت عبارة عن مطالب مناطقية وإن تشابهت في الكثير منها؛ بل إن قسما منها مطالب عشائرية لذلك لا يمكن البناء على مثل هذه المطالب ولا يمكن أن تتطور لتغيير النظام السياسي الحاكم.
ثانيا: هذه الاحتجاجات ليس لها قيادة سياسية أو فكرية موحدة وهذه نقطة ضعف كبيرة وواضحة من خلال عدم توحيد مطالبها وعدم القدرة على تحريكها بخطاب موحد مما أضعفها وسهل على الحكومة التعامل معها لإجهاضها.
ثالثا: هناك محددات كثيرة تحول دون وصول هذه المظاهرات إلى أهدافها منها أن الميليشيات لن تسمح لهذه المظاهرات بتغيير الوضع القائم وقد استخدمت القوة في تفريق كثير من الاحتجاجات التي وصلت إلى مقراتها وسقط عدد من الشهداء بسبب ذلك وهذا يتطابق مع الموقف الايراني الرافض لهذه المظاهرات والتي نددت بتدخلها في الشأن العراقي وكذلك أمريكا لا تريد تغير الوضع إلا ليكون ضمن رؤيتها القادمة في العراق والمنطقة.
السيناريوهات المحتملة للاحتجاجات:
11- إن الاحتجاجات التي خرجت في رقعة جغرافية شيعية محددة لا زالت محدودة إلى حد كبير وهي مظاهرات مناطقية غير موحدة سواء كانت كقيادات أو كمطالب وكانت هناك محاولات متعددة لاحتوائها من قبل حكومة بغداد سواءً باستخدام القوة أو استمالة الكثير من شيوخ العشائر أو القيادات لذا يمكن أن تكون المظاهرات بين خيارات متعددة منها:
أولا: السيناريو الأول: سياسة الاحتواء وهذه ما تحاول القيام به حكومة العبادي التي تحاول تهدئة الوضع والقيام ببعض الاجراءات وتشكيل لجان للمتابعة وتخصيص بعض الاموال وايجاد فرص العمل ومعالجة تدهور الخدمات في مدن الجنوب العراقي لاحتواء هذه الاحتجاجات إلى حين تشكيل الحكومة المقبلة .
ثانيا: السيناريو الثاني: أن يتم قمع هذه المظاهرات باستخدام القوة وهذا ما حصل في بعض المناطق حيث تم سقوط عدد من الشهداء وأعداد كثيرة من الجرحى واعتقال لكثير من القيادات في محاولة لوأدها، وهذا السيناريو محتمل جدا في حال تطورت وتوحدت مطالب المتظاهرين وازدادت الاعداد بشكل يصعب على القوات الامنية السيطرة عليها وقد يكون ذلك بطلب من جهة خارجية وخاصة إيران التي لن تسمح بفقدان نفوذها السياسي والاقتصادي والامني في العراق من خلال مهاجمة بعض الاهداف الحيوية كحقول النفط أو بعض مؤسسات الدولة أو قوات الأمن لتبرير استخدام القوة عندئذ.
ثالثا: السيناريو الثالث: أن تتحول الاحتجاجات إلى اعتصامات مفتوحة ستخف حدتها بالتدريج مع مرور الأيام ثم تنتهي مع تشكيل الحكومة القادمة وقيامها ببعض الاجراءات لتخفيف بعض المعاناة مع اختلافات الطقس وبهذا سنكون أمام تدوير للازمة لفترة مقبلة إذا استمرت الأمور على ما هي عليه .

الخاتمة:
12- إن فشل الحكومات التي توالت على حكم العراق بعد عام 2003م في الاستجابة لطموحات الشعب وتحسين الحياة المعيشية لهم بالوعود تارة والتسويف والقمع والاعتقال تارة أخرى، كانت هي السمة الواضحة لهذه الحكومات الفاسدة لذلك عندما تقترب الانتخابات تصبح سلعة الانتخابات الرائجة هي ملفات الفساد وعدم توفير الخدمات وعدم توفير الأمن والاستقرار ككرة النار التي تتقاذفها الاحزاب والحكومات والوزارات فيما بينها، فرئيس الوزراء يلقي اللوم على الوزير الذي يلقي اللوم بدوره على المدير وهكذا نحن أمام تهرب من تحمل المسؤولية في جميع هذه الملفات، حيث تم تخريب وتدمير البلد بسبب السياسات الحكومية الفاشلة.
13- إن الاسباب الحقيقية والجوهرية التي أدت إلى فشل الدولة هو الخلل الكبير في بنية الدولة العراقية ونظامها السياسي الذي وضعه المحتل والاليات التي بنيت عليها الدولة بما يخدم مصالحه على المدى البعيد، فالدستور الذي شرعه المحتل هو السبب الرئيسي في كثير من المشاكل التي يعاني منها البلد في ظل نظام برلماني فاسد يعتمد على المحاصصة الطائفية التي قضت على المهنية والكفاءة في تولي المناصب المهمة في مؤسسات الدولة لذا فمهما حصل من تغير في الشخصيات التي ستتولى مناصب قيادية في الوزرات ومؤسسات الدولة القادمة ستبوء نهايتها إلى الفشل؛ لأن الخلل في هيكلية النظام السياسي والدستور الذي وضعه المحتل لحكم الدولة.
14- فشل البرلمان من القيام بدوره الرقابي لعمل مؤسسات الدولة التنفيذية بحيث أصبح الفساد ينخر جميع مؤسسات الدولة وتحول العراق إلى دولة فاسدة فاشلة في تقديم أبسط الخدمات التي تقوم عليها الدول فضلا عن تحويلها إلى دولة تسيطر عليها الميلشيات التي ترمي الوصول إلى سدة الحكم عن طريق صناديق الاقتراع بعد أن تغولت في مؤسسات الدولة وسيطرت عليها بظل صمت حكومي طبق عن الكثير من التجاوزات مما أدى إلى تدمير الدولة وتحويلها إلى دولة مهترئة لذا يجب إعادة النظر في كثير من الأسباب الحقيقة التي أوصلت البلد إلى فشل كامل وإلا سنكون أمام سياسة جديدة لهروب الدولة من المشاكل وتدوير لكثير من الأزمات التي تعصف بالبلد.
15- إن سمة هذه المظاهرات والشعارات التي رفعت فيها وتطورت مطالبها؛ يمكن أن تؤسس لمرحلة قادمة تكون نواة لاتفاق وطني شامل وعابر للطائفية لجميع المحافظات العراقية وستشكل التحدي الأخطر على الحكومة العراقية القادمة، إن لم تكن هنالك خطوات حقيقة لتدارك الوضع المأساوي، لأن العراقيين أصبحوا مدركين للنفق المظلم الذي يمشي فيه البلد فأصبح كثيرون منهم ينادون بأنهم يريدون وطنا وإنهم ناقمون على الطبقة السياسية الحاكمة الفاسدة التي أوصلت العراق إلى هذه الدرجة من السوء لاسيما وهو يتصدر قوائم الأسوء بين دول العالم في كل الاحصائيات التي تجري، منها أسوء مدن للعيش إلى أسوء جواز سفر إلى أسوء تعليم ونظام صحي إلخ ….

الباحث
حاتم كريم الفلاحي
وحدة الدراسات السياسية والاستراتيجية – راسام