خلال كل دورة انتخابية يشهد العراق معتركا كبيرا وخاصة بعد انتهاء الانتخابات والبدء بتشكيل الحكومة التي يبدو أن ولادتها عسيرة ومعقدة بسبب الانقسام والتشظي والتناحر كسمة غالبة للمشهد العراقي، ويزداد الأمر في انتخابات عام 2018م حيث انقسمت الكتل السياسية الرئيسية في العراق وتشظت بشكل كبير وغير معهود عما سبقها من انتخابات، فالكتلة الشيعية أصبحت أكثر من كتلتين رئيسية، وكذلك السنة فقد انفرط عقدهم وأصبحوا عبارة عن قوائم انضمت ضمن التحالفات الأخرى، بعضها مع تحالف العبادي وأخرى ضمن تحالف المالكي وهادي العامري والقسم الآخر يحاول أن يميل نحن الكتلة الأكبر التي ستشكل الحكومة القادمة والتي تلبي مطالبهم، أما الأكراد فلم يكونوا بأفضل حال ممن سبقهم من الكتل، فقد انقسموا إلى ثلاث كتل أيضاً، وبدأ تحالف الحزبين الكرديين الرئيسين الآن لغرض التفاوض مع الكتل الشيعية التي تحاول تشكيل الكتلة الأكبر التي تمكنها من تشكيل الحكومة القادمة، وهكذا نحن أمام فوضى سياسية عارمة في العراق الذي يعاني من جوع – فقر – بطالة – فساد مؤسسات الدولة – سلاح منفلت – نقص خدمات- عشائر مسلحة- انهيار للنسيج الاجتماعي؛ والذي أنتج تفكك الدولة والمجتمع وبالتالي سبّب عجزا وفشلا حكوميا في إدارة الدولة.
مسألة تشكيل الحكومة في العراق تعتبر مسألة معقدة بشكل كبير جداً بسبب بنية النظام السياسي وهيكلية الدولة منذ عام 2003م وإلى اليوم، والتي قادت العراق من فشل إلى آخر بحكومات متعاقبة فشلت في الاستجابة لأبسط المقومات التي تقوم عليها الدول، حيث يعتبر النظام السياسي هو المشكلة الجوهرية التي أوصلت البلد إلى الفشل الكامل في إدارة الدولة، لذا فمهما نادت الكتل والتحالفات السياسية الآن بتشكيل حكومة وطنية بعيدة عن الطائفية وعن المحاصصة؛ فلن تستطيع ذلك، لأن بنية الدولة ونظامها السياسي قائم على المحاصصة الطائفية بين المكونات الرئيسية الثلاثة، لذا سنعود لاختيار رئيس جمهورية كردي ورئيس وزراء شيعي ورئيس برلمان سني، وهذا يدفع الجميع إلى المطالبة بامتيازات فئوية لهذه الطائفة أو تلك، وخاصة الكتل الصغيرة التي تطمح للحصول على مطالب فئوية وتقاسم للمناصب، وهذا أنتج عجزا واضحا في أداء الحكومات السابقة التي تقاسمت المناصب وأصبحت الاحزاب في البرلمان تدافع عن وزيرها الذي يحاول أن يثبت ولائه للحزب لا للحكومة والدولة.
يعتبر العراق هو جزء من المجتمع الدولي والإقليمي، وبالتالي فهو يؤثر ويتأثر به، ولكن الحقيقة التي يجب أن نعترف بها هي أن التأثير الأمريكي الإيراني على العراق كبير جدا، وكانت العلاقة بين الدولتين طوال الفترة الماضية تقوم على التخادم بينهما، أو يمكن أن نسميها اللعبة المزدوجة التي تقوم على التفاهمات في الكثير من الملفات، ولكن الحقيقة التي يجب أن نقر بها هو أن التأثير الايراني أصبح يفوق التأثير الامريكي بالعراق من خلال الأدوات التي استطاعت إيران خلال 15عاما الماضية أن تشكلها من ميليشيات وأحزاب سياسية موالية لها، وأصبحت اليوم تسيطر على الملف الأمني والسياسي والاقتصادي بشكل كبير جدا؛ بل وتتنافس على سدة الحكم بالعراق، فنجد هذه الأدوات الحكومية تقدم مصلحة إيران على مصلحة العراق، لذا فكل حكومة بعيدة عن إيران لن تستطيع الاستمرار في الحكم، مما سيعرّض العراق إلى موجة عنيفة من الفوضى، كما أن وجود سليماني في العراق الذي يحاول أن يشكل الكتلة الأكبر من خلال المشاورات التي يجريها مع القوى والتيارات المختلفة والتي ستكون صعبة بسبب تعدد الكتل الشيعية والخلافات الكبيرة فيما بينها باختلاف مصالحها وأطماعها السياسية، لذا فهو يرمي إلى تشكيل حكومة موالية لإيران، لتكون الرئة التي تتنفس منها في ظل الظروف الصعبة التي تواجهها بسبب العقوبات الأمريكية، ولكنه سيبقى دليلا واضحا على التدخل الإيراني في الشأن العراقي، حيث منحتهم أمريكا لعب هذا الدور في زمن إدارة أوباما ولكنه تغير نوعاً ما في ظل الإدارة الامريكية الحالية التي تنادي بتحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة، وقد أجرت السفارة الأمريكية والبريطانية والمبعوث الأمريكي (مكفورك) عددا من اللقاءات مع رؤساء الكتل الفائزة لتشكيل الحكومة بما يلائم الرؤية الأمريكية للمنطقة بعيداً عن النفوذ الإيراني.
لقد بدأت الكتل السياسية تسابق الزمن لتشكيل الكتلة الأكبر بعد المصادقة على نتائج الانتخابات البرلمانية من قبل المحكمة الاتحادية التي ستبقى نتائجها مشكوكا فيها، حيث اعتبر الكثير من الخبراء والمتابعين للشأن العراقي بأن الفائز الوحيد في هذه الانتخابات هي كتلة المقاطعة، بسبب قلة المشاركة فيها، والتي لم تفرز نتائجها عن أغلبية نيابية واضحة مثل الانتخابات السابقة، حيث تبدو الخلافات عميقة والتنافس كبيرا جدا بين كتلة (سائرون) التي تتبع للصدر والحزب الشيوعي العراقي، وحزب الاستقامة الوطني، وحزب التجمع الجمهوري العراقي، وحزب الترقي والإصلاح، وحزب الدولة العادلة، وحزب الشباب والتغيير، حيث تبين أن لديها تفاهمات مع الحكيم وعلاوي والعبادي الذين يحظون بدعم عربي وأمريكي لتشكيل الكتلة الأكبر، يقابلها كتلة القانون بزعامة المالكي وكتلة الفتح بزعامة هادي العامري المدعومة من قبل المحور الإيراني كونها تدور في محورها الإقليمي الذي بنته طيلة السنوات الماضية والذي يمتد من العراق إلى دمشق وإلى بيروت، بحيث يشكل العراق اقتصادياً الرئة التي تتنفس منها إيران في ظل العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، وهذا يفسر الغضب الإيراني من تصريحات العبادي بالتزام العراق بالعقوبات المفروضة .
يحاول الأكراد الذين كانوا بيضة القبان في ترجيح حظوظ الكتلة الأكبر في الانتخابات السابقة؛ أن يعيدوا تشكيل كتلتهم التي عانت من الانقسام كبقية الكتل الأخرى إلى كتل متعددة وغير متفقة، وخاصة بعد أن فقدوا الكثير من الامتيازات التي حصلوا عليها منذ عام 2003م بسبب الإصرار على الاستفتاء والانفصال في أيلول سبتمبرعام 2017م، لذلك يرفض حزب الجيل الجديد الانضمام إلى الحزبين الكرديين بسبب فشلهما في إدارة الإقليم، علماً أن الأكراد يبحثون عن الطرف الذي سيلبي مطالبهم الأساسية مثل المناطق المتنازع عليها والثروة النفطية ووضع البيشمركة والمطارات والمعابر الحدودية والرواتب، فالأكراد يرون أن المالكي لم يتجرأ طوال ثماني سنوات من حكمه على استخدام القوة ضد الإقليم، بينما تغوّلت الميليشيات في زمن العبادي وقامت باستخدام القوة العسكرية ضدهم، واستمرار التهديدات التي تطلقها الميليشيات التي صمتت عنها الحكومة، لهذا فهم مع من ينفّذ لهم مطالبهم كإقليم أولا، ثانيا هم أقرب إلى الرؤيا الأمريكية بشكل عام.
أما المكون السني فقد انقسم إلى محاور وكتل متعددة، فلا وجود لكتلة سنية موحدة، فهناك من دخل ضمن قائمة النصر مع العبادي، وهناك من دخل في كتلة الفتح مع هادي العامري، وهناك من دخل مع دولة القانون بزعامة المالكي، وهناك من بقي مع الكتلة الوطنية بزعامة علاوي، وهناك كتلة بزعامة الكربولي والحلبوسي، أما على صعيد سياسية المحاور الإقليمية فهم بين تأثير المحور القطري – التركي من جهة، أو المحور السعودي الأمريكي من جهة أخرى، وكثير من قياداتهم تسعى وراء مصالح فردية سلطوية، والدليل هو عدم اتفاقهم على مرشح وحيد لرئاسة البرلمان، علما أن كتلة المحور الوطني فيها انشقاقات داخلية حسب التسريبات الأخيرة والتي حاولت توحيد مطالبها مع الحزبين الكرديين للدخول في مفاوضات لتشكيل الكتلة الأكبر .
إن السيناريو الأسوأ هو عدم توصل الكتل السياسية إلى توافق لتشكيل الكتلة الأكبر كي تتمكن من تشكيل الحكومة القادمة، مما يعني استمرار الفوضى ودخول البلد في نفق مظلم قد يؤدي إلى تدخلات خارجية مباشرة.
أما السيناريو الآخر فهو العودة إلى الصيغة التوافقية لتشكيل التحالفات التي ستؤدي إلى تشكيل حكومة متذبذبة وسيئة الأداء، وغالبا ما تكون خاضعة للتأثيرات السياسية والأزمات الداخلية، وهنا سنعود إلى المربع الأول من المحاصصة الطائفية وتقاسم الوزارات والمناصب التي أنتجت الفشل الحكومي في جميع المجالات، لذا سيبقى سيناريو تشكيل الحكومة من قبل كتلة سائرون هو الأقرب رغم تصدع كتلة النصر واحتمال انشقاق فالح الفياض منها، حيث ترفع هذه الكتلة شعار مناهضة التدخلات الإيرانية في الشأن العراقي، ولكنه سيكون السيناريو الأخطر على العراق، لأنه قد ينتج عنه صراع داخلي يعطل عمل الحكومة المقبلة، وقد يتحول إلى صراع مسلح حيث تمتلك كتلة الفتح فصائل مسلحة من ميليشيات الحشد الشعبي التي تريد أمريكا أن تدمجها في القوات المسلحة ضمن رؤيتها الجديدة للشأن العراقي، وهذا يتقاطع مع الرؤيا الإيرانية لفصائل الحشد.
أما السيناريو الآخر فهو أن تتمكن كتلة القانون والفتح مع الحزبين الكرديين وكتلة المحور الوطني من تشكيل الكتلة الأكبر، وهذا يثير حساسية أمريكا بشكل كبير، ولكنه ضمن الرؤية الإيرانية خصوصاً إذا تم ترشيح فالح الفياض كمرشح تسوية بدلاً عن المالكي والعامري لرئاسة الوزراء لكسب الكتل السنية والكردية لهذا الخيار، مما يعني أن تتحول كتلة سائرون إلى كتلة معارضة ومعطلة، مما سيعيق عمل الحكومة في وسط تحديات كبيرة تواجهها الحكومة المقبلة، منها تعطيل إعادة الإعمار للمدن المدمرة، وعدم الاستقرار الأمني، والفساد الحكومي، وتدني وفقدان الخدمات بصورة عامة، إضافة إلى الموقف من العقوبات الأمريكية على إيران.
أما السيناريو الأخير والذي أستبعده تماماً؛ هو أن تتفق كتلة سائرون والفتح والنصر والوطنية والأحزاب الكردية على تشكيل الحكومة، وهذا صعب جدا ولكنه لا يثير حساسية أي من الطرفين الأمريكي والإيراني.
خلاصة القول: أمريكا لا تريد عراقا قويا وقادر على مواجهة التحديات العسكرية والاقتصادية والأزمات الداخلية، خصوصا وأن إدارة ترامب تنادي بدفع تعويضات من النفط العراقي لأمريكا بسبب تدخلها في العراق عام 2003م، لذلك نرى بأن القيادات السياسية التي جاءت إلى العراق مع المحتل هي من تنفذ مشروع الإحتلال منذ عام 2003م إلى عام 2018م بمجرد تقاسم المناصب فيما بينهم، وكذلك إيران لا تريد عراقا قادرا على الدفاع عن نفسه؛ بل تريد قوات غير نظامية تابعة لها على غرار حزب الله اللبناني والحوثي في اليمن، لذلك تدعم الميليشيات العراقية على حساب الجيش العراقي، واليوم العراق وسط تجاذبات كبيرة بين النفوذ الإيراني والأمريكي، فهل ستغلّب الكتل السياسية مصلحة العراق على مصالح الدول الأخرى؟ هذا ما سنراه في الفترة المقبلة.

الباحث
حاتم كريم الفلاحي
وحدة الدراسات السياسية والاستراتيجية – راسام