ستبقى إشكالية ضمان ولاء قوات الحشد الشعبي أمرا مشكوكا فيه من قبل الكثير من الخبراء والمحللين، وكثير من المكونات الرئيسية للمجتمع العراقي، لأن قياداتها ترتبط سياسيا وعقديا بمرجعيات دينية إيرانية وهي القيادات الأصلية لهذه الميليشيات، والتي ستنفذ أوامرها في نهاية الأمر، وسيبقى (القائد العام للقوات المسلحة) قيادة شكلية ليس لها إلا تزيين المشهد من الخارج، أما فعليا فليس له القدرة والسيطرة على هذه الميليشيات إلا في الأمور التي تتفق مع مصالح هذه المليشيات ومصالح قياداتها في الخارج، وبهذا يكون الحشد الشعبي حسب القانون الذي تم تشريعه “قوة حكومية عراقية مستقلة” ولكن ولاء كثير من فصائله لغير العراق، وتحت سيطرة الأحزاب السياسية ومراجعها الدينية التي لها سطوة كبيرة عليه تحول دون السماح للدولة بالسيطرة عليه أو التدخل في شؤونه.
لقد نجحت إيران في زعزعة استقرار دول المنطقة في لبنان واليمن والبحرين وسوريا، أما في العراق فقد تحول البلد إلى دولة ميليشيات بامتياز بعد عام 2014م، وبإشراف الحكومة وموافقتها فقد تم استخدام الصراع الديني المذهبي الذي يشتعل في العراق كسبب لانتشار هذه الظاهرة، وأصبحت كل طائفة تضم داخلها عشرات الميليشيات المنفلتة خارج إطار الدولة بحجة محاربة الإرهاب، بينما هي من تمارس الإرهاب تحت غطاء الحكومة والقانون في خضم ضعف الدولة وعدم قدرتها على السيطرة على الأمن الداخلي، مما فتح باب التدخل الخارجي على مصراعيه وخاصة إيران بعد أن فقدت الدولة هيبتها وسلطتها في فرض القانون وسيادة الدولة، مما أدى إلى ظاهرة انتشار السلاح المنفلت، وخروج كثير من المناطق والعشائر عن سلطة الدولة وخاصة في الجنوب، بحيث اقتصر عمل الأجهزة الأمنية والقوات الحكومية هناك على لعب دور الوسيط في حل النزاعات العشائرية فقط .
إن تشريع القوانين لهذه الميليشيات وجعلها قوة مستقلة عن باقي تشكيلات القوات المسلحة في وزارة الدفاع والداخلية قد منحها استقلالية كاملة حتى أصبحت معها الحكومة عاجزة عن السيطرة عليها وكبح جماحها؛ بل وتتحاشى الدخول في صدامات وإشكالات معها، كون القوات العسكرية غير قادرة على ضبط الأمن والاستقرار، وتخشى من الانفلات الأمني الذي قد يطيح بالحكومة نفسها، كما أنها لا تريد أن تثير حفيظة إيران بهذا الصدد، لذا فهي تحاول كسب ودّها مما جعلها تشكل عبئا كبيرا جداً عليها في كيفية التعامل معها، وما كانت الأوامر التي أصدرها (أبو مهدي المهندس) والتي تقضي بانسحاب قوات الحشد خارج بعض المدن السنية قبل الاعلان عن تشكيل الكتلة الأكبر التي ستشكل الحكومة القادمة وبدون علم القائد العام للقوات المسلحة؛ ما هي إلا جزءا بسيطا من الأمور التي حاولت الحكومة التكتم عليها طوال الفترة السابقة، لأنها غير قادرة على مواجهة هذه الميليشيات التي تدين أغلب فصائلها بالولاء لإيران، ورأينا كيف رفضت فصائل العصائب وحزب الله وفصائل أخرى الالتزام بالعقوبات الأمريكية التي فرضت على إيران، مخالفة بذلك ما صرحت به الحكومة العراقية بأنها ستلتزم بتلك العقوبات، وكذلك رأينا مشاركة الكثير من الميليشيات في الحرب التي تجري في سوريا والتي عجزت الحكومة عن محاسبتها، فضلا عن إصدار قانون يمنع المشاركة في الصراعات التي تجري في المنطقة تحت صبغة طائفية بقيادة إيران.
لقد أصبح منصب رئيس الحكومة العراقية الجديدة مطمعا للجميع بما فيهم الميليشيات، حيث يتنافس على هذا المنصب الكثير من القيادات بما فيهم قادة الحشد الذين لديهم طموح سياسي كبير للوصول إلى سدة الحكم وخاصة الفصائل التي تتبع الولي الفقيه كالعصائب ومنظمة بدر وحزب الله العراقي والنجباء والخرساني وأبو الفضل العباس التي تعتبر هي الأقوى تسليحا وتجهيزا وتدريباً وقد تمكنت من فرض سيطرتها على الكثير من المفاصل الحساسة في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية فهي ترفض عودة المهجرين إلى منازلهم إلى اليوم في جرف الصخر وعزيز بلد وغيرها من المدن الأخرى، ولم تستطيع الدولة إلى اليوم من فرض القانون وهيبة الدولة عليهم باعتبارهم جزءا من المؤسسة العسكرية التي تنفذ أوامر القائد العام للقوات المسلحة؛ بل فشل رئيس الوزراء ورئيس البرلمان في عام 2016م من الدخول إلى مدينة المقدادية في محافظة ديالى والتي سيطرت عليها الميليشيات بشكل كامل كما أن هناك ميلشيات تقاتل في سوريا أيضا لم تردعها الحكومة بسبب ضعفها علما إن هذه الفصائل تختلف مع فصائل تتبع مرجعيات أخرى كسرايا السلام أو علي الأكبر وفرقة العباس القتالية التي تتبع السيد السيستاني وهذا التعدد في الولاء يجعل قرار هذه المؤسسة بيد رجال الدين أكثر من القادة العسكريين حيث تطمح إيران بوصول زعمائها إلى سدة الحكم في العراق لأنها ترى في العراق الرئة التي تتنفس منها في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة عليها .
سيبقى الجدل كبيراً حول مستقبل الحشد الشعبي كونه تشكيل عقدي طائفي ولاؤه لإيران، حيث تم تشكيله في وقت حرج جدا مع خلاف مع بقية المكونات الأخرى، ورغم إقرار قانون الحشد الشعبي الذي انتابه الكثير من الهفوات والاشكالات الدستورية التي جعلت من الحشد جيشا موازيا للقوات الحكومية في وزارة الدفاع والداخلية، ولكنه لا يرتبط بهذه الوزارات، وهذه إشكالية كبيرة إضافة إلى تقاطعه مع المادة (تاسعاً) من الدستور العراقي الذي يقول بمنع تشكيل ميليشيات خارج إطار القوات المسلحة. والسؤال هنا: كيف تم تشكيل هذه المليشيات؟ أين اللجنة القانونية في البرلمان من مخالفتها للدستور؟ وكيف تم جعل مرجعية تأسيسها هي الفتوى التي أصدرها السيستاني وليس المجلس التشريعي كما يفترض؟ وكيف استغلت إيران والمالكي تلك الفتوى لتشكيل جيش طائفي بغطاء حكومي؟
وعليه فإن مستقبل هذه المؤسسة (الحشد)؛ إما إن تخرج على الدولة وهذا ما يجري حالياً! أو تسيطر هي على سدة الحكم، وهذا ما تصبوا إليه الآن بترشيح العامري رئيساً للوزراء! أو تدمج كأفراد مع المؤسسة العسكرية النظامية وهذا ما ترفضه قيادات الحشد وإيران!
أو يتم الرجوع إلى قانون تشكيل الحرس الوطني الذي تم سحبه من قبل الحكومة التي تعاني اليوم من عدم انضباط كثير من فصائل الحشد، لذا نحن أمام مشروعين في العراق، الأول: يدعم الحكومة ويدعو إلى إعادة تأهيل المؤسسة العسكرية ودمج الحشد معها والسيطرة عليها وهو مدعوم من قبل عدد من الأحزاب والكتل خارج تلك الميليشيات!
والمشروع الثاني: هو دعم الحشد على حساب المؤسسة العسكرية والأمنية وإبقائه مستقلاً عنها وهو مدعوم إيرانيا وسيؤدي حتماً إلى المواجهة مستقبلاً.

بقلم
حاتم كريم الفلاحي
وحدة الدراسات السياسية والاستراتيجية
راسام