لا تكاد تخبو المظاهرات في مدينة حتى تستعر بأخرى في جنوب #العراق، ولكن يبدو المشهد القادم من مدينة البصرة بأنه صادم ومروع في كثير من تفاصيله، فهذه المدينة التي تعاني من نقص الخدمات بصورة عامة كمدن العراق الأخرى نجدها أمام أزمة المياه الصالحة للشرب، والتي تكاد تنفرد بها عن بقية المدن الاخرى، بسبب#إرتفاع الملوحة في شط العرب، حيث يمر العراق بمرحلة يمكن وصفها بالأخطر، خاصة بعد الإخفاق في تشكيل الكتلة الأكبر من قبل الكتل والأحزاب السياسية مع تواصل الإحتجاجات في مدن الجنوب العراقي، والتي كانت تشكل العمق السياسي والطائفي للأحزاب السياسية والميليشيات الطائفية الحاكمة التي تصدرت المشهد العراقي بعد عام 2003م.

تعتبر مدينة البصرة من أغنى مدن العراق لوجود بحر من الثروات فيها. ولكنها تعد الأكثر إضطراباً وتخلفا، فقد تحولت هذه المدينة الى مكب للنفايات، بسبب فساد الحكومات المحلية التي تعاقبت على إدارة المدينة مع عدم قدرة الحكومة المركزية على محاسبة المقصرين، وعدم قدرة البرلمان على مراقبة أداء الحكومات التنفيذية سواء المركزية أو المحلية، لذلك غابت الخدمات وفقد الانسان أبسط حقوقه في الحصول على مقومات الحياة الكريمة، مثل: الماء والكهرباء وتقييد الحريات وعدم القدرة على التعبير عن أبسط مطالبه مما أدى حالة من الكبت والحرمان، حيث تفشت البطالة وغابت فرص العمل وانتشر السلاح بين العشائر وسيطرت الميليشيات والأحزاب السياسية على المنابع الاقتصادية، مما أفقد المواطن البسيط سبل العيش الكريم وسبب إنفجار الأوضاع وخروجها عن السيطرة.

شهدت مدينة البصرة موجة إحتجاجات ومظاهرات غير مسبوقة حتى بدأت ترعب النخبة السياسية الحاكمة من خلال رفع شعارات تُنادي بتغير النظام السياسي الحاكم والأحزاب والكتل السياسية الفاسدة التي فشلت في إدارة البلاد، فالأحداث المتسارعة في مدينة البصرة وتعقد المشهد #السياسي بسبب عدم قدرة الاحزاب السياسية على تشكيل الكتلة الأكبر التي تفضي الى تشكيل الحكومة جعلت المشهد العراقي مرتبك بشكل كبير جداً حتى وقفت الحكومة عاجزة بشكل كامل عن إحتواء المظاهرات أو تلبية مطالبهم التي تنادي بتحسين الواقع المعيشي وحل أزمة المياه الصالحة للشرب والبطالة وتوفير الخدمات ومحاسبة المفسدين بما يؤمن تهدئة الشارع الغاضب، لذا فالدلالات والاحداث تشير إلى أن الاوضاع تتجه نحو القمع الحكومي بكافة أشكاله خصوصاً بعد استخدام الرصاص الحي والغازات المسيلة للدموع وقنابل الدخان الذي أدى إلى قتل عدد من المتظاهرين وجرح أعداد كبيرة منهم، خصوصاً وانهم خرجوا بصورة سلمية وصدور عارية ينادون بحقوقهم المسلوبة والسؤال الذي يطرح لماذا تم استخدام القوة ضدهم ؟
ومن المستفيد من قتل الابرياء؟
وهل يصب ذلك في مصلحة البلد ؟
علماً إن الدستور الحكومي لا يبرر إستخدام القوة القاتلة بأي حال من الأحوال مادامت المظاهرات سلمية ولم تتعدى على المال العام أو الخاص، ولكن وجود جهات سياسية وخارجية تدفع بإتجاه قمع المظاهرات على النحو الذي أستخدم مع المحافظات المنتفضة في غرب العراق وشماله خصوصاً وإن هناك طبقة سياسية وعسكرية وإدارية مستفيدة من عدم تغير الأوضاع ولا يهمها مصالح الشعب مهما كان مذهبه بقدر إهتمامها بمصالحها ومصالح جهات خارجية تعمل لخدمتها على حساب مصلحة الوطن والمواطن، حيث حاولت الكثير من الجهات الصاق تهمة الإرهاب بهذه المظاهرات لتبرير إستخدام القوة معها، فتارة هناك عناصر مدسوسة وتارة هناك من أتى من غرب العراق إلى البصرة لإثارة الأحداث أو عناصر بعثية تريد تخريب المظاهرات أو إن هناك جهات خارجية مثل القنصلية الامريكية في البصرة هي وراء هذه الاحتجاجات وغيرها، علماً أن محافظ البصرة قال: إن “ما يجري في البصرة تقف وراءه أحزاب وجهات سياسية”.

لقد تحطمت أسطورة #الأحزاب السياسية الفاسدة و#الميليشيات الطائفية التي تنفذ مخططات طائفية خارجية على حساب مصلحة البلد والمرجعيات الدينية التي صمت عن الفساد ومحاسبة المفسدين وسكتت طوال الفترة الماضية على فساد الطبقة السياسية والحزبية والدينية وهذا الذي أطلق الشرارة بولادة جيل جديد من الشباب يؤمن بالتغيير خارج الحسابات المعهودة فأطلقها مدوية ثورة شعبية خالصة تخرج من رحم المعاناة لهذا الشعب الذي صب جام غضبه على حرق ديوان محافظة البصرة ومقارٍ للأحزاب السياسية وللميليشيات الطائفية والقنصلية الايرانية التي كانت جزء من المنظومة السياسية الفاسدة التي أدارة البلد في الفترة السابقة وكانت هي السبب الحقيقي في تفاقم الاوضاع وتدني الخدمات في البصرة وغيرها وحولت العراق الى دولة فاشلة في شتى المجالات.

أن الدعوة التي أطلقها الصدر لعقد جلسة للبرلمان الحكومي لمناقشة أحداث البصرة هي دعوة غير قانونية ولا يترتب عليها أي شيء وهذا ما حصل فعلا وهنا نقول ما هي الصفة أو المنصب الذي يخول الصدر لدعوة البرلمان للانعقاد وهو الذي أخفق في أولى جلساته في اختيار رئيس للبرلمان فضلا عن نائبيه ؟
لماذا تمت الاستجابة لهذه الدعوة ؟
وما الذي ترتب على هذه الجلسة ؟
الجواب لا شيء !!
عدا التراشق الكلامي بين الحكومة المركزية والحكومة المحلية؛ لتبرير الخلل الحاصل في الخدمات المقدمة للمواطنين وسوء الاداء السياسي حتى وصلت إرتدادات مظاهرات البصرة إلى التأثير المباشر على تشكيل الكتلة الأكبر، لذا سيشهد العراق صراعاً معقداً ومستمراً خاصة وإن تشكيل الحكومة تتصارع عليها أطراف لديها ارتباطات خارجية ولديها نفوذ كبير داخل العراق كإيران والولايات المتحدة الامريكية وهذا نتاج طبيعي للازمة العامة التي يعيشها البلد منذ #الاحتلال، وهكذا سنكون أمام سياسة الهروب للأمام وتبادل الإتهامات من دون إيجاد حلول حقيقية للمشاكل التي يعاني منها البلد والتي أثرت بشكل مباشر على المستوى المعاشي للمواطن.

بقلم
حاتم كريم الفلاحي
باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية