استعراض #الأوضاع في #العراق (السياسي – العسكري – الاقتصادي- الاجتماعي):
إن تأزم الأوضاع (السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية) في العراق هي السمة التي تميزت بها الفترة الماضية منذ عام 2003م، ورافقت جميع #الحكوماتالتي تولت على حكم العراق إلى يومنا هذا، وقد تجسد هذا الفشل بصورة واضحة وجلية عندما فشلت#الكتل_السياسية والحكومة في إجراء انتخابات نزهيه تُمكن الناخب من الادلاء بصوته بكل حرية وبعيداً عن التكتلات الطائفية والعرقية والمنطقية والتزوير، وكان اللافت في هذه الانتخابات العزوف الكبير عن المشاركة فيها بحيث لم يسبق له مثيل منذ الاحتلال وإلى يومنا هذا، مما تسبب بعمليات تزوير كبيرة رافقت #الانتخاباتفي جميع مدن العراق حتى اضطرت المحكمة الاتحادية العليا إلى إعادة الفرز اليدوي للأصوات في كثير من المحافظات التي وجهت لها تهم صريحة بوجود عمليات تزوير كبيرة فيها، ثم تمت المصادقة على نتائجها بعد ثلاثة أشهر تقريبا ثم تحول الفشل في عدم وجود كتلة كبيرة تستطيع تشكيل الحكومة، حيث أخفقت الكتل السياسية في إقامة تحالفات تمكنها من تشكيل “الكتلة الأكبر” التي تستطيع تشكيل الحكومة القادمة بسبب الانقسام الذي أصاب التكتلات الرئيسية الثلاث، فالشيعة والسنة والاكراد انفرط عقدهم وانقسموا إلى كتل وتكتلات وتحالفات وأحزاب فشلت أن تكون كتلاً كبيرة، كما حدث في الانتخابات السابقة والتي تكتلت فيها حسب انتمائها الطائفي والعرقي ولكن هذه المرة حتى هذه الصفة لم تجمعهم للخلاف الكبير بين التوجهات السياسية داخل الطائفة الواحدة مما أضعفها بشكل كبير ومؤثر.

إن ما أفرزته انتخابات عام 2018م يختلف بشكل كبير عما سبقها، فقد تبلورت المنافسة بين تحالفين هما: “الاصلاح والاعمار” والذي يدعمه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر ويضم كتلة سائرون وتحالف النصر وتيار الحكمة وائتلاف الوطنية والجبهة التركمانية وبيارق الخير والمكون المسيحي والصابئي والايزيدي وعابرون وتحالف القرار العراقي وتحالف تمدن وصلاح الدين هويتنا ونينوى هويتنا والانبار هويتنا وتحالف بغداد والجيل الجديد والتحالف العربي في كركوك، بينما ضمن “تحالف البناء” الذي يقوده المالكي والعامري وجزء من تحالف النصر والذي يقوده المنشق فالح الفياض والقرار بزعامة الخنجر وقيس الخزعلي الامين العام لميليشيا عصائب أهل الحق وعدد من النواب الاخرين، أما الكتلة الكردية فقد أصابها ما أصاب سلفها من السنة والشيعة فقد انقسمت بشكل كبير وتفتت إلى أحزاب أيضاً، ولكنها مع هذا بقيت الكتل الكردية وخاصةً الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني تقودان الكرد وتدرس الخيارات المطروحة التي تلبي مصالحها وتعيد لها امتيازاتها التي فقدتها بعد الاستفتاء على الانفصال الذي أجرى في إقليم كردستان يوم 25 سبتمبر/ أيلول 2017م، لذا انقسمت الكتل بشكل عام إلى محورين أحدهما مدعوم أمريكياً والآخر مدعوم إيرانياً وهو الاقوى على الارض، وأنا أرى أن المحورين إيرانية، ولكن تتفاوت درجة التأثير الامريكي فيها، أو لعبة سياسية تديرها إيران بشكل أو آخر، لذلك نحن أمام مشهد سياسي مرتبك داخليا لأسباب كثيرة، منها عدم الاستقرار السياسي والامني وانفلات السلاح من يد الدولة وسيطرة الميليشيات وهيمنتها على القرار الامني والعسكري والسياسي مع عجز مالي كبير في خزينة الدولة، بل أن الدولة مدانة بأكثر من 120 مليار دولار مع تدمير مدن كاملة نتيجة العمليات العسكرية لاستعادتها من “تنظيم الدولة”، يرافقها تردي للخدمات بشكل شبه كامل وخاصة الكهرباء مع شحة في المياه الصالحة للشرب، والتي أدت إلى خروج مظاهرات عارمة انطلقت شرارتها في مدن جنوب العراق ثم امتدت لتشمل الكثير من المدن الاخرى ثم استقرت في مدينة البصرة.

لقد تعرضت المظاهرات في جنوب العراق للقمع الحكومي باستخدام الغاز المسيل للدموع والعتاد الحي الذي أدى إلى مقتل الكثير من المتظاهرين، بينما تعرضت أعداد كبيرة جداً إلى الاعتقال والتعذيب بينما تعرضت بعض دوائر الدولة للتخريب والتدمير وفي الوقت نفسه هناك معلومات دقيقة تفيد بقيام إيران بقصف مناطق في كردستان العراق وبناء قاعدة عسكرية بالقرب من جبال سورين المطلة على “سيد صادق”، وصمت حكومة بغداد على هذا الخرق الكبير للسيادة العراقية يضاف إليه وجود قوات تركية في شمال العراق، مع قصف جوي تركي متواصل لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق، إضافة إلى احتمالية عودة تنظيم الدولة مرة أخرى بعد إعادة تنظيمه على غرار ما جرى للقاعدة سابقاً عام 2007م، وهو يتواجد في ثلاثة مناطق محصورة بين محافظة كركوك ونينوى وديالى ومحافظة صلاح الدين والانبار والصحراء الغربية، مع تواجد كبير لقوات التحالف الدولي، إضافةً إلى التواجد العسكري الأمريكي الواسع في مناطق شمال العراق وغربه وصولاً إلى مناطق سورية حدودية.

إن إلغاء اتفاق 5+1 من قبل الولايات المتحدة الامريكية مع إيران، بل وفرضت عليها عقوبات على مرحلتين دخلت أولاهما حيز التنفيذ على أن تطبق الحزمة الثانية في بداية نوفمبر من هذه، وقد تتسبب الحزمة الاولى باضطرابات داخلية كبيرة بعد أن تدنى سعر التومان الايراني بشكل غير مسبوق، وهذا يدفع إيران أن تنزل بقوة إلى المشهد العراقي لأنها ترى فيه الرئة التي يمكن أن تتنفس منها لتقليل العقوبات الامريكية عند دخول المرحلة الثانية حيز التنفيذ في بداية نوفمبر 2018م، حيث سبق وإن قامت حكومة المالكي لفترتين وزارية بمساعدة إيران على التخلص أو تجاوز العقوبات التي فرضت على إيران آنذاك، لذا يجب أن تكون الحكومة القادمة موالية لإيران أو تحصل على الموافقة الايرانية وألا سيكون الوضع في العراق له تداعيات أخرى قد تتسبب في اضطرابات أمنية كبيرة.

تختلف أمريكا مع إيران في ملفات كثيرة منها التمدد الايراني في المنطقة ودعم الارهاب وبرنامج الصواريخ الباليستية ووقف الهجمات الالكترونية وضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الدولية، ومنها مضيق هرمز بينما تهدد إيران بشكل مباشر وغير مباشر عن طريق ميليشياتها في العراق باستهداف المصالح الامريكية في العراق والمنطقة إذا تعرضت لأي تهديد أو ضربة جوية وغلق مضيق هرمز، وهناك حشد كبير للأساطيل البحرية في البحر الابيض المتوسط للدول الغربية، حيث يتواجد في هذه المنطقة أكبر حقول الغاز في العالم، وهناك مناورات صينية روسية كبيرة جداً وغير مسبوقة وتعقيد للمشهد السوري بسبب معركة إدلب المؤجلة مع عدم قدرة التحالف العربي في اليمن على حسم المعركة مع الحوثي مع خلاف كبير يعصف بالعلاقات الاسرائيلية الروسية عقب اسقاط الطائرة الروسية ايل20، وإن روسيا ستزود الجيش السوري بمنظومة صواريخ اس 300 خلال اسبوعين وستزود منظومات الدفاع الجوي السوري بأجهزة وأنظمة تعقيب وتوجيه ، فما هو وضع العراق الداخلي والخارجي على ضوء هذه التطورات الخطيرة التي تمر بالعراق والمنطقة؟

التحليل واستنتاجاته:
أولا: تشكيل الحكومة: تتنافس -بقوة- كتلتين على تشكيل الكتلة الاكبر التي تخولها تشكيل الحكومة، وهي كل من كتلة البناء بزعامة المالكي والعامري والفياض والخزعلي وكتلة الاصلاح والبناء المدعومة من الصدر والحكيم وعلاوي والعبادي وكثير من التكتلات الاخرى، لذا فإن المشهد كان معقداً بشكل كبير من خلال:
زيارة الصدر إلى لبنان: لقد كان لزيارة الصدر إلى لبنان ولقائه أمين حزب الله حسن نصر الله التأثير الكبير في تغيير الموازين، وجعل حظوظ تشكيل حكومة مقربة من إيران في العراق أكثر من أي وقت آخر، حيث تم تهدئة الاجواء المشحونة في العراق وذهبت اللهجة التصعيدية التي كنا نسمعها بين الاطراف الشيعية، علما أن حظوظ منصب رئيس الوزراء كان يميل إلى تحالف الاصلاح والبناء بشكل كبير وتصريحات وتهديدات العامري بإسقاط الحكومة خلال شهرين تكشف الخلافات الكبيرة بين قيادة التحالفين، حيث قال: العامري محذراً ماكغورك: سنسقط خلال شهرين أي حكومة عميلة تُشكل بتدخل أمريكي، وأعتقد أنه تم التفاهم على كثير من الملفات في هذه الزيارة وتم شرح أبعاد الصراع الاقليمي وتأثيرها على المشروع الايراني الشيعي في المنطقة، وإن تطور الاوضاع في العراق سينعكس بصورة مباشرة على الكثير من الملفات في المنطقة، لذلك نرى أن جميع الاطراف في العراق الآن تتكلم عن مرشح تسوية وما انسحاب العامري من الترشح لمنصب رئيس الوزراء إلا جزءاً من هذا الاتفاق يضاف إلى ذلك أن المرجعية استبعدت المرشحين السابقين الذين شغلوا مناصب قيادية مهمة وخاصة رئاسة الوزراء وفشلوا في إدارة الدولة في الفترة السابقة.

الحكومة توافقية: مما تقدم أعلاه يجعل الباب مفتوحاً لتشكيل حكومة توافقية حيث لم نعد نسمع عن الكتلة الوطنية أو كتلة معارضة وسنعود لتشكيل حكومة تشترك فيها جميع الاطراف، وهذا يعني أنه لا تغيير في الوضع العراقي السياسي وعدنا إلى المحاصصة مرة أخرى، فرئيس البرلمان يجب أن يكون سني وهذا ما حصل في انتخاب رئيس البرلمان الحلبوسي، حيث تم اتهامه بشراء المنصب بمبلغ 30 مليون دولار، وصرحت ماجدة التميمي أنها كانت ترى كيف يتم تصوير بطاقات الناخبين من قبل أحد النواب ثم يقول له اذهب إلى الصندوق، ورئيس الجمهورية كردي ورئيس الوزراء شيعي، أين الشعارات التي رفعت في انهاء المحاصصة وحكومة تكنقراط بعيدة عن الطائفية؟ وإذا تم هذا الاتفاق فقد لا تكون هناك حاجة إلى أصوات الاكراد كما تم ترويجه في السابق لاختيار رئيس وزراء ولكن قد تكون أهميتها للتوافق وتقسيم المناصب فقط وهنا يبدو التأثير الامريكي ضعيفاً جداً؟

ضعف التأثير الأمريكي: ضعف التأثير الأمريكي السياسي رغم التواجد العسكري الكبير لها في العراق قياساً بإيران حيث بدا واضحاً من خلال هيمنة الميليشيات والاحزاب السياسية الشيعية على المشهد السياسي والامني بشكل كبير جداً والتهديد بضرب المصالح الامريكية في المنطقة في حالة استهداف إيران وعدم الالتزام بالعقوبات الامريكية وتهديد العامري محذراً ماكغورك: سنسقط خلال شهرين أي حكومة عميلة تُشكل بتدخل أمريكي، يرافق كل ذلك صمت مطبق أجبر الامريكان على التفاهم مع الايرانيين حول تشكيل الحكومة رغم التصريحات الامريكية بالردّ إذا استهدفت المصالح الامريكية، وقد انتقدت وزارة الخارجية العراقية وكتلة سائرون ودولة القانون تدخل السفير البريطاني في العراق “جوناثان بوول ويلكس” في تشكيل الحكومة عندما غرّد على صفحته في تويتر قائلا: دعوت سعادة السفير الإيراني إلى نقاش صريح حول آخر المستجدات في العراق واتفقنا على أن الحكومة القادمة يجب أن تحسن خدماتها المقدمة وتوفر الوظائف إلى الشعب، وهذا يعطي دلالة واضحة أن إيران لاعب رئيسي لا يمكن تجاوزه في تشكيل الحكومة؛ لأنها لن تستمر، علماً أني أرى أن التأثير البريطاني سياسياً أقوى بكثير من التأثير الامريكي.

انتخاب رئيس الجمهورية: يبدو أن الخلاف انسحب على عدم قدرة الكرد على الاتفاق على مرشح واحد لمنصب رئيس الجمهورية فهناك (8) مرشحين أكراد لهذا المنصب، بما فيهم الحزبين الرئيسين وهناك إشكالٌ كبير بين الكرد على اختيار منصب رئيس الجمهورية الذي كان من نصيب حزب الاتحاد الوطني الكردستاني طوال الفترة الماضية، والذي يصرّ اليوم أن هذا المنصب من حصته وهذا سبب إشكالٌ كبير بين الحزبين، لذا فكلا الحزبين لديهم مرشح إضافة إلى الجماعة الاسلامية، وهناك تسريبات عن 22 مرشحاً من بقية الاقليات والمكونات الاخرى بحيث يصل العدد إلى (30) مرشحاً والذي قد يكون أوفرهم حظاً برهم صالح مرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ولكنه يعطي دلالة واضحة على هشاشة التحالفات التي تقدمت بها الكتل الكردية مما يجعلها موقفها التفاوضي ضعيف جداً وهذا بدوره سيضعف ويصعب تشكيل الحكومة القادمة التي يجب أن ترضي جميع الاطراف وهذا سينعكس على الوضع المحلي الداخلي بشكل يصعب فيه تأمين الامن و الاستقرار مستقبلاً.

الإرادة الدولية: إن تشكيل الحكومات السابقة والحالية كانت تتم بإرادة دولية وكانت تظن الدول الراعية لهؤلاء السياسيين الذين نصبوهم منذ بداية الاحتلال إلى اليوم يمثلون صوت الشعب، ويمكن العمل من خلالهم وهم يعرفون قبل غيرهم أن هؤلاء هم حثالات المجتمع في العراق، حيث كان الاحتلاليين الامريكي والايراني بتوصية من بريطانيا العظمى بتدوير هذه النفايات على المناصب، فيمكن أن تكون وزير للاتصالات ثم تكون رئيساً للوزراء مثل العبادي مع إدخال بعض الوجوه الجديدة وتبديل الذين استهلكوا من الشخصيات القديمة، وكانت الاحزاب السياسية تراهن على الحشد الطائفي إلى انتخابات عام 2018م، حيث عزف الشارع العراقي عن المشاركة في الانتخابات بشكل غير مسبوق من قبل جميع طوائف الشعب العراقي بعد أن فشلت الحكومات المتعاقبة في توفير الكهرباء مثلاً ولكن الارادة الدولية أنجحت الانتخابات التي زورت بنسبة كبيرة جداً على مرأى ومسمع من الولايات المتحدة وإيران التي باركتها واسبغت عليها الشرعية، لأنها تصب في مصلحتهم، لذا تم خروج الناس في مظاهرات عارمة ضد الاحزاب السياسية الحاكمة وضد التواجد الايراني والميليشيات التي شكلت خارج إطار الدستور والقوات المسلحة وأصبحت تهيمن على القرارين السياسي والعسكري، بل وصلت الامور إلى انتقادات لاذعة للمرجعية لصمتها وعدم قدرتها على تغير هؤلاء الفاسدين.
إذا استمرت الاوضاع الحالية على ما هي عليها من فساد وفقدان للخدمات وهيمنة الاحزاب على السلطة والتدخل الايراني، فيمكن أن تكون هناك ثورة شعبية عارمة تشمل الجميع في شمال العراق ووسطه وجنوبه خصوصاً وأن الكثير من المطالبات تقول: إن ما جرى سابقاً في العراق هو مؤامرة على الشعب العراق وما جرى من إرسال قوافل إغاثية إلى مدن الجنوب، ما هي إلا إشارة واضحة بأن الفترة المقبلة ستكون مختلفة تماماً عما سبقها.
الجديد في المظاهرات هو الجرأة في انتقاد الاحزاب السياسية الحاكمة وانتقاد المرجعيات والمليشيات والتدخل الايراني وكثير من الشخصيات الفاسدة، وهذا كان مفقوداً في السابق تماماً، كما أن المتظاهرين أغلبهم من الشباب الغاضب وهذا يعني هناك بذرة لنواة جديدة تنذر بالتغيير ويجب أن يكون هناك تغير في العراق، وقد تكون هذه النواة الصلبة لما هو قادم.
هناك حقد عارم يسود الشارع العراقي من هذه الطبقة السياسية الحاكمة بسبب تردي الاوضاع بشكل عام والخدمية بشكل خاص، تنذر بانفجار الاوضاع في القريب العاجل، إنْ لم يكن هناك استبدال لهذه الطبقة من تغيير حقيقي على الارض فكثير من الناس تترحم اليوم على أيام النظام السابق، وإن السبب في بقاء هؤلاء هو إصرار الولايات المتحدة وإيران على بقاء هؤلاء في سدة الحكم؛ لأنهم أفضل من ينفذون لهم مصالحهم، لذا فكلا الدوليتين تنفذ مخططاتها وما تريد من خلالهم، لذا من يريد أن يسرق لا يمكن أن يأتي بشخص نزيه؛ لأنه لا يخدم نواياه لذلك يصرون على بقائهم في السلطة بل يقدمون الدعم اللازم لبقائهم، وهذا ما وعى إليه الكثير من شعبنا ويجب أن يتغير.
سقوط الشعار الذي رفعته الميليشيات حماية المذهب، فالكثير من الذين سقطوا قتلى نتيجة خروجهم في هذه المظاهرات هو بسلاح المليشيات، كما أن إحراق مقرات العصائب وبدر وحزب الله ومقرات الاحزاب السياسية الشيعية الدينية يعطي دلالة واضحة أن الاوضاع يمكن أن تتطور في الفترة المقبلة إلى المواجهة المباشرة في حال أستمر الحال على ما هو عليه من قتل وتنكيل واعتقال، والميليشيات تعرف قبل غيرها إن انفلات الوضع في الجنوب لا يصب في مصلحتها ولا مصلحة إيران، لذا لم يكن هناك تصعيد كبير منها ولكن إذا ما تطلب الامر فسنرى موجة عنف غير مسبوقة فلن يسمحوا بتغير قواعد اللعبة في العراق في هذا الوقت الحرج الذي يتطلعون فيه لمساعدة إيران اقتصادياً وميدانياً لمواجهة الاخطار المحدقة بمشروعهم في المنطقة.
استنتاج: الجميع ينتظر تشكيل الحكومة القادمة وما سيصدر عنها وما سينتج عنها من إصلاحات شاملة من إعادة الاعمار وبناء البنى التحتية للدولة وتوفير الخدمات ومحاسبة المفسدين وتوفير فرص العمل وحصر السلاح بيد الدولة، وهذه الامور تحتاج إلى إمكانيات كبيرة من الجهد والمال الذي يفتقده العراق تماماً، لذا نحن أمام تحديات مالية وسياسية وعسكرية، فهل تسطيع الحكومة القادمة أن تنجح في حل هذه الملفات الشائكة في وسط منطقة ملتهبة؟ هذا ما لا أراه ممكناً أبداً.

ثانياً: التفاهمات الأمريكية الإيرانية: في الفترة الماضية كانت ولا زالت هي التي تحدد مسار العملية السياسية والامنية في العراق وهذا ما تريده إيران رغم قدرتها على تشكيل حكومة خارج الارادة الامريكية ولكنها تحرص على التفاهم مع أمريكا؛ لأن مصالحهم كثيرة ولكن النفوذ الايراني في المنطقة بدء يقلق ويشكل تهديد للمصالح الامريكية التي صرحت على لسان وزير خارجيتها أنها لا تنوي تغير النظام السياسي ولكن تريد تغيير سلوك النظام الايراني في المنطقة، فالطرفين لا يريدون المواجهة العسكرية المباشرة أو غير المباشرة ولذلك إيران تحرك بعض أدواتها في المنطقة في ايصال رسائل تهديد غير مباشرة إلى الولايات المتحدة الامريكية باستهداف مصالحها في المنطقة كأوراق ضغط، ولكن يبقى قرار المواجهة إيرانياً لأن الميليشيات العراقية مثلاً بيد إيران، لذا نستنتج أن ما سيصدر أو ينتج من تطور الصراع الاعلامي المحتدم بين الطرفين واحتمالات تحوله إلى المواجهة العسكرية المباشرة قد يغير الاوضاع في العراق ويعدها إلى المربع الاول.

ثالثاً: سيكون العراق أحد ساحات الصراع القادمة في حالة تطور المواجهة بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران، وهنا نقول عندما تتصارع الفيلة تدفع الثمن الحشائش الصغيرة وسيكون العراق الحديقة الخلفية لإيران وستخوض إيران المواجهة في العراق وسوريا ولبنان والكويت والبحرين والسعودية واليمن من خلال أدواتها التي مولتها وسلحتها ودربتها من مليشيات وأحزاب، وستحاول إيران قطع طرق الملاحة الدولية وضرب أهداف ومصالح أمريكية في العراق وخارجه، كما حصل من قصف المنطقة الخضراء الاسبوع الماضية بعدد من قذائف الهاون وهي رسالة مفادها أننا نستطيع أن نضرب ونوجع فكثير من مصالحكم تحت مرمى الصواريخ الايرانية، لذا إيران تسعى لاتفاق شامل على المنطقة يشمل ملفها النووي والصواريخ الباليستية ونفوذها في لبنان وسوريا والعراق واليمن، أي نفوذها ودورها الاقليمي بالمنطقة فلا تغير للنظام ولكن لسلوك النظام فقط؛ لأنها مطلوبة لابتزاز دول الخليج وتحويل الصراع العربي الاسرائيلي إلى صراع عربي إيراني لخطورته وتدميره للمنطقة وتقسيمها على أساس اثني وعرقي.

رابعاً: تشكيل قوات التعبئة الاحتياطية للحشد الشعبي: إن تشكيل قوات التعبئة الطوعية أو الاحتياطية للحشد الشعبي على ضوء أحداث ومظاهرات البصرة تعطي صورة واضحة عن الهيمنة الكاملة على القرار الامني والعسكري، فقد تم تشكليهم على غرار قوات التعبئة الايرانية الباسيج، وهي بمثابة قوات للأمن الداخلي ومكافحة الشغب والدفاع عن النظام الحاكم بينما تكون المليشيات أو الحشد الشعبي بمثابة الحرس الثوري الايراني وهذه خطوة لتشكيل وزارة داخلية تضم قوات التعبئة الاحتياطية للحشد ووزارة دفاع بقيادة الحشد الشعبي، وهنا السؤال الذي يطرح: لماذا لم يتم أخذ موافقة القائد العام للقوات المسلحة لتشكيل هذه القوات؟ وما هو رد الحكومة؟ ومن خصص لهم التخصيصات المالية؟ وكيف سيتم تسليحهم؟ أو كيف سيتم حصر السلاح بيد الدولة ؟ علماً أن أبو مهدي المهندس بعد تصريحات المرجعية بإقصاء المرشحين السابقين عن رئاسة الوزراء وانسحاب فالح الفياض من كتلة النصر التي يتزعمها العبادي والتصريحات التي قالت سنلتزم بالعقوبات الصادرة ضد إيران والتي رفضها أبو مهدي المهندس وقيادة الميليشيات؛ تراجعت فرصته في تولي رئاسة الوزراء مرة ثانية مما دفع العبادي إلى التصالح مع المهندس لترك المنصب بدون أن تكون هناك مشاكل للعبادي في الفترة القادمة.

خامساً: إن القصف الايراني والتركي لمناطق في كردستان العراق وإقامة قواعد عسكرية وخاصة بالقرب من جبال سورين المطلة على “سيد صادق” تعطي دلالة واضحة على خرق السيادة العراقية وعدم امتلاك العراق القدرة العسكرية على الرد والردع؛ بسبب هشاشة التسليح وضياع العقيدة العسكرية العراقية، والغريب أن الولايات المتحدة الامريكية تغض الطرف عن تلك القواعد العسكرية الايرانية علماً أنها وقعت اتفاقية أمنية مع العراق وموجودة ضمن قوات التحالف ولكنها صمتت عن هذا الأمر، بل وصل الأمر أنها تجاهلت الكثير من المؤسسات العراقية المعنية بالردّ على هذه الخروقات، وقسم صدر على استحياء وهذا يعطي صورة واضحة عن تبعية الكثير من الأحزاب لإيران، فمنهم من صمت ولاءً والقسم الاخر خوفاً من أدوات إيران في العراق بينما صمت الحشد الشعبي عن هذا الفعل بينما كان صوته عالياً حول التدخل التركي.

سادساً: إن تزويد سوريا بأنظمة تعقيب وتوجيه لمنظومات الدفاع الجوي السوري أو بمنظومة صواريخ اس 300 خلال اسبوعين، يعني اخلال بموازين القوى في المنطقة وخاصة الصراع العربي الاسرائيلي ويعقد الوضع بشكل غير مسبوق، مما يعني رسالة واضحة إلى واشنطن وتواجدها في شمال شرق سوريا الغير مرغوب به روسياً وصينياً وإيرانياً، لذا موقع العراق في هذه الساحة المعقدة فاقد لقدرة التأثير؛ بسبب التواجد الايراني والامريكي والوضع الداخلي المتردي واحتمال عودة الإرهاب مرة أخرى.

سابعاً: من أهم التحديات التي ستوجهها الحكومة القادمة هو عدم وجود قدرات مالية تستطيع الحكومة من خلالها معالجة الاوضاع المتردية من فقدان تام للخدمات وخلافات تعصف بالعلاقة بين إقليم كردستان وحكومة المركز وعدم البدء بإعادة إعمار المناطق التي تم استعادتها من تنظيم الدولة، مع شحة كمية المياه القادمة من تركيا وإيران بسبب السدود المقامة على منابع المياه مما تسبب بأزمة جفاف لمساحات واسعة من الاراضي الزراعية، لذا فالحكومة القادمة خياراتها قليلة وفرصة نجاحها ضعيفة جداً بسبب الفساد المستشري في مؤسسات الدولة وارتفاع نسبة البطالة وعدم توفير فرص العمل وغياب التخطيط الاستراتيجي المبني على بيانات حقيقية وصورة واقعية للتحديات، ودراسات تحليلية في ظل إفلاس كامل لخزينة الدولة ومديونية كبيرة تصل إلى 120 مليار دولار، لذا فالوضع الاقتصادي سيء جداً ولا يمكن البناء عليه لإعادة الامن والاستقرار خصوصاً مع خروج مدن الجنوب العراقي في مظاهرات عارمة قد تتطور إلى اعتصام مفتوح أو قد تأخذ منحاً آخراً من العنف والعنف المضاد، وقد يكون هناك تنسيق مع محافظات أخرى من مدن الوسط والشمال وقد تتطور الامور إلى تشكيلات مسلحة وقد يتحول العراق إلى ساحة صراع كبيرة بين الميليشيات في الفترة المقبلة، خصوصاً وأن الجميع يحتفظ بالأسلحة بما فيها العشائر وخاصة في الجنوب، حيث تتدخل الاجهزة والقوات الحكومية ليس لسحب ونزع الاسلحة ولكن لترتيبات الصلح فقط، فلا سلطة ولا هيبة للدولة والقانون في محافظات كثيرة وقد تكون هناك مواجهة بين القوات الحكومية وبعض الميليشيات المدعومة من إيران، وهذا يعتمد على التفاهمات الإيرانية الأمريكية بالوقت الحاضر، علماً أن الصراع في العراق يمتدّ إلى فترة الاحتلال البريطاني للعراق وهذا الصراع قد يكون لإعادة السيطرة البريطانية على العراق مرة أخرى، لذا من الصعوبة أن نقول سيكون هناك استقرار في الفترة القادمة.