يبدو أن التوافقات #الأمريكية #الإيرانية في #العراق لم تسعف القائمين على #المشروع_السياسي الذي جاء به#الاحتلال في تشكيل الحكومة السادسة، إذ تمخضت المشاورات والحوارات والاتفاقات عن ولادة عسيرة لحكومة غير مكتملة، استمرت لمدة سبعة أشهر من شهر أيار 2018 الذي أجريت فيه الانتخابات وإلى شهر تشرين الثاني من العام نفسه، حيث أخفقت حكومة عادل عبد المهدي في تمرير الكابينة الوزارية في البرلمان؛ بسبب الاختلاف على أسماء المرشحين في ثماني وزارات مهمة لم يتم الاتفاق عليها إلى اليوم؛ بسبب الانقسام السياسي والخلافات الحزبية حول التمثيل النسبي للمكونات، أو أنها لا تتفق مع نظام المحاصصة التي قامت عليه العملية السياسية منذ البداية رغم الشعارات التي رفعتها الكتل البرلمانية والكثير من الشخصيات السياسية حول استقلالية هذه الحكومة.

إن رئيس الوزراء يتعرض لضغوطات كبيرة من قبل الكتل السياسية التي تخلت عن وعودها بمنحه الحرية الكاملة في اختيار كابينته الوزارية وذهبت تلك الوعود أدراج الرياح، وذهب معها وزراء حكومة التكنوقراط التي نادى بها الصدر وعادل عبد المهدي الذي فتح باب الترشيح للوزارات عبر موقع إلكتروني خاص، ولكنه سرعان ما اصطدم بالواقع الطائفي المرير لهذه العملية البائسة التي جاء بها المحتل.

إن نظام المحاصصة المقيت الذي وضعه الاحتلال أساساً للعملية السياسية القائمة منذ عام 2003م، أدى إلى تدمير ما تبقى من الدولة العراقية وقسّم البلد على أساس عرقي ومذهبي طائفي، ودمر النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي، وأنهى معها المعايير التي تقوم وتبنى عليها الدول وهي الكفاءة والمهنية والحرفية والاخلاص والولاء المطلق، وأصبحت المعايير لدى حكومات بغداد بعد الاحتلال هي الولاء للحزب والطائفة والتبعية السياسية للخارج، وأصبحت الاستفادة المادية للحزب والاستفادة الشخصية هي الأساس الذي تعطى على أساسها الوزارات، لذا فهي مقسمة مسبقاً؛ فالوزارات الأمنية قُسمت على أساس الهوية، فوزارة الداخلية للشيعة والتي لم يحسم مرشحها في هذه الحكومة بسبب الخلاف الداخلي الشيعي، ووزارة الدفاع للسنة والتي يتنافس عليها اليوم أكثر من ثمانية مرشحين، وكل كتلة ترى أحقيتها في شغل هذا المنصب من الكتلة الاخرى، وهذا التقسيم متفق عليه منذ بدء العملية السياسية وكذلك ينطبق على باقي الوزارات السيادية الأخرى كالخارجية والمالية والنفط وغيرها، والتي ستخضع للمحاصصة أيضاُ بين المكونات الرئيسية الثلاث: السنة والاكراد والشيعة.

أما الشخصيات التي ستشغل هذه الوزارات فسيجري تدويرها على الوزارات بغض النظر عن الاختصاص الذي يؤهل هذا الوزير لشغل هذا المنصب أو ذاك؛ لأن القضية ليست مهنية وحرفية في تولي مقاليد هذه الوزرات وإنما الولاء وحصة الحزب هذا أو ذاك، وقد تُترك بعض الوزارات تدار بالوكالة من قبل رئيس الوزراء وهي إحدى الخيارات المطروحة في هذه الوزارة والتي لا زالت تتفاوض على تغيير بعض أسماء المرشحين لهذه الوزارات والتي لم تحظ بموافقة بعض الكتل البرلمانية لوجود اعتراضات على المرشحين وخاصة الوزارات الأمنية، وهنا نسأل: متى ينتهي تشكيل الكابينة الوزارية؟ ومتى يبدأ رئيس الوزراء بتنفيذ برنامجه الحكومي؟ وهو غير قادر على إكمال تشكيلته الوزارية إلى اليوم!

هذه هي الديمقراطية الأمريكية الجديدة التي وعد العراق بها عند احتلاله! والتي ساندتها ديمقراطية الملالي في طهران منذ عام 2003م ليكون تشكيل أي حكومة بالاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين جارة الشر إيران رغم اختلاف البلدين في بعض الملفات الأخرى، ولكنهم في العراق يتفقون لأن مصالحهم واحدة وهي أن يكون البلد تابعاً ضعيفاً وغير قادر على حماية حدوده إلا من خلال وجود قوات أجنبية على أرضه، وغير قادر على حماية مصالحه القومية بسبب التدخلات الخارجية وتبعية القرار السياسي، وهنا نسأل إذا كان نظام المحاصصة مفيد وجيد وهو الحل، فلماذا لا يطبق في إيران وأمريكا؟

إن الذي يراقب البلد منذ الاحتلال إلى يومنا هذا يرى أنه ينتقل من سيء إلى أسوء وفي جميع المجالات، فمتى يصحى أهل العراق؟ فهذه الحكومة لن تختلف عما سبقها خصوصاً أنها عاجزة عن حسم المرشحين لشغل المناصب الوزارية إلى اليوم، فمتى يتم الاصلاح؟ وإعادة الإعمار؟ وتوفير الخدمات؟ وتنفيذ مطالب المتظاهرين؟ ومعالجة الفساد المالي والإداري؟ وحصر السلاح بيد الدولة؟ فضلاً عن التحديات الأمنية والفضائح التي تتولى عن سرقة منهجية للمال العام وتنافس على المناصب والهيئات، ومشكلة النازحين ومنع الأهالي من العودة إلى مناطق سكناهم، ومشكلة المفقودين وسيطرة ميليشيات الحشد الشعبي على مناطق أهل السنة والتي تم تشكيلها خارج إطار الدستور الذي ينص على عدم تشكيل ميليشيات خارج إطار القوات المسلحة، ومشاكل الإقليم في كردستان مع الحكومة المركزية، وكأننا في سفينة تؤول إلى الغرق وتضرب بها الأمواج من كل مكان ولا يعرف واجهتها.

بقلم
حاتم كريم الفلاحي
باحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية -راسام-
16 نوفمبر/ تشرين الثاني/ 2018م