لقد مر العراق منذ عام 2003م حتى عام 2019م بتغيرات وتطورات وتحديات كثيرة ومنها وأخطرها مشروع الاحتلال الأمريكي الإيراني وما خلفه في العراق من غياب للاستقرار السياسي الذي تسبب في غياب الاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تهديد الأمن القومي قد لا يأتي عن طريق قوة السلاح دائماً، ولكنه قد يأتي عن طريق الضعف السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو قد تكون مجتمعة؛ الأمر الذي قد يكون أكبر من التهديد الأمني والعسكري في كثير من الأحيان، فالاتحاد السوفيتي انهار ولديه أكثر من (13000)ألف رأس نووي ولديه وجود في أكثر من (20) دولة ولديه محطة متقدمة للفضاء الخارجي.

إن الاستقرار السياسي له تأثير كبير جدًا بحيث يؤثر على جميع قوى الدولة الشاملة الأخرى وكلها قضايا لا تحتاج إلى القوة العسكرية بشكل مباشر، ولكنها قبل ذلك تحتاج إلى تخطيط إستراتيجي مبني على تحليل دقيق للأوضاع واختيار التوجه الإستراتيجي الصحيح للغايات والأهداف التي يحتاج تحقيقها إلى إسناد متكامل بين قوى الدولة الشاملة وهي القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتقنية والعسكرية والإعلامية، وهذه يعني أن تكون هناك خطة للدولة وليس للحكومة بعيداً عن المصالح الشخصية أو التنظيمية التي تحكمها أهواء ومصالح قلة من السياسيين وأصحاب المصالح والتي تضعف الإرادة الوطنية في تنفيذ الإستراتيجية القومية.

يعتبر الاستقرار السياسي (الإستراتيجية السياسية) هو العمود الفقري لبناء الإدارة الوطنية القادرة على بناء الدولة من خلال تماسك الجبهة الوطنية ونجاح التخطيط الإستراتيجي الشامل، فمعظم المخططات الإستراتيجية التي قدر لها النجاح لم تكن لتنجح لولا وجود إستراتيجيات سياسية تضبط الأداء والإيقاع السياسي وتحمي الدولة من خطر التدخل الأجنبي في السيادة الوطنية.

تعتبر مسألة تشكيل الحكومة في العراق معقدة وصعبة بشكل كبير جداً بسبب بنية النظام السياسي وهيكلية الدولة علماً بأن الكتل والتحالفات وكثيرًا من القيادات السياسية نادت بتشكيل حكومة وطنية عابرة للطائفية وبعيداً عن المحاصصة ولكنها أخفقت في ذلك لأن بنية الدولة ونظامها السياسي قائم على المحاصصة الطائفية فترشيح عادل عبد المهدي لرئاسة الحكومة هو خيار اضطراري توافقي لجأت إليه الكتل النيابية والتحالفات السياسية وفق تفاهمات اعتادوا عليها لتجاوز الأزمات حسب مبدأ المحاصصة الذي فرضه الاحتلال علماً أنها شكلت خرقاً لنص المادة (67) من الدستور التي تنص على أن رئيس الجمهورية يكلف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا بتشكيل الوزارة، وهنا نسأل من هي الكتلة الأكبر عدداً في البرلمان؟ الجواب لم يتم الإعلان عن هذه الكتلة إلى يومنا هذا وهو ما تم القفز عليه من قبل الجميع وصمت عنه المحكمة الاتحادية العليا وهو خلل دستوري واضح.

لم تستكمل حكومة عادل عبد المهدي الكابينة الوزارية حتى الآن بسبب الخلافات التي تعصف بين الكتل السياسية والخلافات فيما يخص النفوذ والمصالح وخاصة وزارات الدفاع والداخلية والتربية والعدل فكيف ستنفذ الحكومة برنامجها السياسي وهي غير قادرة على استكمال كابينة وزارية؟ بالإضافة إلى أنها تخضع إلى ضغوط الأحزاب والميليشيات التابعة لإيران التي تعمل على استغلال نفوذها السياسي والعسكري والأمني لتحويل مؤسسات الدولة إلى إقطاعيات تابعة لها وسط عجز حكومي واضح فتشكيل الحكومة جاء على شكل دفعات، وهذا يعطي دلالة واضحة على أن الحكومة ضعيفة وغير قادرة على إيجاد توازنات تواجه بها الضغوطات الخارجية والداخلية والضغوطات الاقتصادية فضلاً عن التحديات الداخلية الهائلة والتي ستشكل عائقاً أمام تنفيذ برنامجها في توفير الخدمات للمحافظات الجنوبية وإعادة الإعمار في المدن والمحافظات التي تمت استعادتها من تنظيم الدولة وهناك تهديدات للعامري بإسقاط أي حكومة تشكل خلال شهرين إذا تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية في تشكيلها وهذا يعني أننا أمام حكومة فاقدة إلى الاستقلالية في القرار والذي يمكن أن يتعارض مع توجهات سياسية تختلف مع برنامجها الحكومي. 

يوجد في العراق مشروعان يتصارعان هما المشروع الإيراني والمشروع الأمريكي حيث كان هناك تخادم كبير بينهما طوال الفترة الماضية وهو السبب الحقيقي الذي أنتج فوضى عارمة عمت البلاد في جميع المجالات وهو نتيجة حتمية للسياسة الأمريكية الفاشلة التي اتبعتها واستغلتها إيران لتوسيع نفوذها في العراق والمنطقة مع غياب المشروع العراقي الوطني الذي يفتقد لقراره السيادي نتيجة السياسات الطائفية للحكومات المتعاقبة على حكم العراق منذ عام 2003م حتى عام 2019م بسبب تبعيتها للخارج ويبدو أن هناك مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين التي اتسمت سابقاً بالتخادم واليوم تتسم بالتهديدات المتبادلة والاختلاف على المصالح والنفوذ حيث تطلب الولايات المتحدة الأمريكية من إيران أن تغير سياستها المزعزعة لاستقرار المنطقة وتقليص نفوذها في سوريا والعراق والكف عن دعم الميليشيات المسلحة وهناك تسريبات تقول إنها قدمت قائمة لحكومة بغداد تضم (67) ميليشيا وطلبت منها حل هذه الميليشيات وتفكيكها وهذا ما قد يحول العراق إلى ساحة صراع قادمة لتصفية الحسابات بين البلدين وعلى حساب المصالح العليا للعراق.

إن الوضع المعقد الذي يمر به العراق والتجاذبات الإقليمية والدولية تجعلنا نسأل كيف سيكون الاستقرار السياسي في العراق؟ وهذه هي الحكومة التوافقية تتقاذفها التدخلات الخارجية والإرادات الداخلية المفروضة بسياسة الأمر الواقع وقوة السلاح التي تفرضه جهات سيطرت على الملف الأمني والسياسي والاقتصادي ما أدى إلى فقدان الدولة لقرارها السيادي بسبب الأخطاء والتراكمات والسياسات الطائفية التي انتهجتها الحكومات السابقة حتى حولت البلد إلى فوضى عارمة تترتب عليها عدم الاستقرار بجميع المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية مع غياب فعلي لمبدأ الفصل بين السلطات وتفشي الفساد المالي والإداري وتسييس القضاء وفشل في توفير الخدمات وكثرة البطالة وتفشي ظاهرة انتشار السلاح خارج إطار الدولة والجهل والمرض والأمية وإشكالات كبيرة مع كردستان العراق والدخول ضمن صراع المحاور في المنطقة وطموح سياسي لبناء دولة موازية لمؤسسات الدولة ورفض عودة النازحين إلى منازلهم وتغييب أعداد كبيرة من المدنيين الذين لا يعرف مصيرهم وعدم وجود مراقبة ومحاسبة لمؤسسات الدولة مع عجز حكومي عن تقديم خطة لإعادة الإعمار ولو على شكل مراحل وتفشي الطائفية والمذهبية وحماية الفاسدين ما أفقد الدولة هيبتها وثقة المواطن بها لذا نرى بأن هذه الحكومة ستكون أسوأ من الحكومات السابقة ولن تستطيع أن تحافظ على توازنها في ملفات كثيرة وهي فاقدة لقرارها السيادي ولن يكون هناك أي تغيير حسب المعطيات الموجودة في الساحة بما فيها الاستقرار السياسي الذي سينعكس سلباً على الاستقرار الأمني والاقتصادي والاجتماعي.

 

بقلم / حاتم كريم الفلاحي

باحث بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية – راسام-