شنت الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا الحرب على العراق في 19 مارس/ أذار عام 2003م بمشاركة أكثر من (173) ألف جندي منهم (150) ألف جندي أمريكي، ثم ازداد التواجد العسكري الأمريكي إلى أن بلغ ذروته عام 2008م حيث بلغ (165) ألف جندي أمريكي يتواجدون في (18) قاعدة عسكرية، واستمر وجودهم في العراق حتى توقيع الاتفاقية الأمنية نهاية عام 2008م في عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2009م والتي تنص على انسحاب القوات الأمريكية من المدن والقصبات إلى القواعد العسكرية وصولاً إلى الانسحاب الكامل نهاية عام2011م حيث انسحبت آخر العربات المدرعة في قافلة تابعة للفرقة الثالثة في الجيش الأمريكي في 18 ديسمبر عام 2011م باتفاق بين إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والحكومة العراقية آنذاك، وتم التوقيع على إتفاقية إستراتيجية تعطي العراق حق إستدعاء قوات أمريكية عند الحاجة بعد أن بلغ عدد القتلى الأمريكان حسب إحصائيات البنتاغون (4384) قتيلًا وأكثر من (32) ألف و (180) جريحًا بعد أن تركوا العراق يعاني من انقسامات طائفية وعرقية خصوصاً بعد تفجيرات سامراء عام 2006م. 

لقد تركت الولايات المتحدة الأمريكية العراق دون أن يستكمل بناء قواته العسكرية والأمنية حيث بلغ تعداد القوات الحكومية بحلول مارس/أذار عام2011م (670) ألف مقاتل، ولكنها لم تكن قادرة على حماية مؤسسات الدولة من الفوضى الأمنية بسبب خلل كبير في بنيتها التنظيمية وعقدتها العسكرية علماً بأن المالكي شدد على جاهزية القوات الأمنية العراقية لتولي مسؤولية الملف الأمني وعد الانسحاب الأمريكي إنجازًا لكل العراقيين وفرصة لاستعادة السيادة الكاملة علماً بأن الانسحاب الأمريكي أعطى الفرصة الكاملة أمام الأجندة الإيرانية لملء الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكي الذي كان انسحاباً شكلياً؛ لأنه ترك وراءه سفارة تعد من أكبر السفارات في العالم بمساحة تجاوزت (104) فدانات ومحصنة بثلاثة جدران تضم ما يقارب (20) ألف موظف ومنتسبين وقوات عسكرية وأمنية تصل إلى (30) ألف منتسب بين موظف وجندي ومتعاقد أمني وإداري بضمنها الشركات الأمنية التابعة للجيش الأمريكي إضافة إلى القنصلية الأمريكية في مدينة البصرة ومدينة أربيل لذا فهو لم يكن انسحاباً حقيقياً، بل كان غياباً ظاهرياً للتواجد الأمريكي عن الشارع العراقي بما فيها تسليم الملف الأمني للقوات العراقية.

لقد اعتبر كثير من المحللين والخبراء والقيادات السياسية والعسكرية بأن الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011م لم يكن وارداً في الخطط الأمريكية التي وضعت لاحتلال العراق لولا انطلاق المقاومة المسلحة وتصاعد قوتها التي هددت الوجود الأمريكي إلى الحد الذي وصل إلى وشك الإعلان عن الهزيمة العسكرية لقوات الاحتلال وخاصة عام 2006م و 2007م وما أن تراجعت حدة عمليات المقاومة في أوائل عام 2008م بسبب مشروع الصحوات حتى ارتفعت المطالبة بجدولة انسحاب القوات الأمريكية من العراق والذي نفذ من خلال الاتفاقية الأمنية حيث شكل خطأ إستراتيجياً كبيراً لأن الانسحاب الأمريكي لم يكن كما روجوا له بأنه انسحاب مسؤول، بل هو إفلات من الهزيمة وتراجع كبير للدور الأمريكي بالمنطقة، وبنفس الوقت ترك العراق فريسة للنفوذ الإيراني بقواه الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة حتى تحول إلى تواجد يطغي على جميع هذه المستويات.

في عام 2014م  سيطر التنظيم على مساحات واسعة من الأراضي في العراق والشام وبدأت الولايات المتحدة بالقصف الجوي لمواقع تنظيم الدولة بالعراق في8 أغسطس عام 2014م ودعت إلى تشكيل التحالف الدولي لمواجهة تمدد التنظيم في العراق وسوريا، وبدأت بفرضها شروطها الجديدة على الحكومة العراقية والتي تعد مكملة للاتفاقية الأمنية الموقعة بين العراق وأمريكا عام 2008م ومنها زيادة أعداد قواتها ومدة تواجدها في العراق فكانت إستراتيجيتها تقضي بتوجيه ضربات جوية لوقف تمدد تنظيم الدولة وعدم إرسال قوات كبيرة للقتال على الأرض والاكتفاء بإرسال المستشارين والمدربين لتدريب وتسليح الجيش العراقي والبيشمركة وقوات الحشد الشعبي التي تشكلت بفتوى المرجعية (السيستاني) والمعارضة السورية المعتدلة وتقديم الاستشارة العملياتية والاستخبارية واللوجستية وتذليل العقبات أمام القوات الحكومية ووزع المهام العسكرية الميدانية، بما فيها تقديم المساعدات الإنسانية! والدعم اللوجستي والإداري والمالي ونوعية السلاح المقدم والتنسيق المعلوماتي والاستخباراتي والآلة الإعلامية، كما اتفقت على محاربة تنظيم الدولة، والعمل على وقف تدفق الأموال والمقاتلين وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن معركة التحالف الدولي الذي أطلق عليها اسم عملية العزم المتأصل ضد تنظيم الدولة ينطبق على جميع العمليات منذ بدء الضربات الجوية في العراق. 

لقد اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية من تمدّد تنظيم الدولة بالعراق وسوريا في حزيران عام 2014م ذريعة لعودتها العسكرية للعراق والمنطقة من جديد تحت عنوان التحالف الدولي ومحاربة تنظيم الدولة، والدليل على ذلك أنها لم تتدخل لوقف تمدد تنظيم الدولة في بداية اجتياحه لمدينة الموصل ولمدة شهرين فندفع التنظيم باتجاه محافظة صلاح الدين ومحافظة الأنبار والحويجة في محافظة كركوك وسيطر على جميع هذه المدن أي تركته يتمدد دون توجيه أي ضربة جوية له إلى أن توجه باتجاه كردستان العراق وهاجم المناطق المتنازع عليها ومنطقة جبل سنجار التي يقطنها اليزيديون وبدأ التنظيم يهدد فعلياً الأكراد بأربيل ويهدد العاصمة بغداد عندئذ تدخلت الولايات المتحدة بالقصف الجوي لمنطقة سنجار في آب عام 2014م علماً بأن العراق طالب بالتدخل الأمريكي لعدة أسباب منها: 

أولًا: حاجة العراق للدعم الأمريكي السياسي في الأروقة الدولية.

ثانيًا: حاجة العراق للدعم العسكري وخاصة الجوي واللوجيستي والعملياتي في الميدان مع عدم قدرة القوات الحكومية على مواجهة التنظيم فضلاً عن استعادة المناطق التي خرجت عن سيطرت الدولة.

ثالثًا: وجود معاهدة الإطار الإستراتيجي (الاتفاقية الأمنية) التي تجيز للعراق أن تستدعي القوات الأمريكية  والاستعانة بها للدفاع عن أمنها الوطني. 

بدأت القوات الأمريكية بالقدوم للعراق مرة أخرى ضمن قوات التحالف الدولي لمواجهة تنظيم الدولة، حيث توسعت وسيطرت وانتشرت بعديد من القواعد العسكرية وسط وشمال وغرب العراق حتى أصبح لها تواجد كبير في كثير من القواعد العسكرية مثل قاعدة الحبانية (التقدم) وعين الأسد والتاجي وبسماية وسبايكر وبلد والقيارة ومقر عمليات نينوى وكيوان والرطبة والقائم (موقع عسكري كبير في منطقة الرمانة) وهناك نية عن إقامة قاعدتين عسكرية أشبه بالمعسكرات المحصنة لقوات العمليات الخاصة في منطقة عكاز قرب القائم ومنطقة الحميرة قرب الرمادي بالإضافة إلى تواجدها في كردستان العراق بخمسة قواعد عسكرية في منطقة حرير ومنطقة التون كوبري ومنطقة اتروش ومنطقة حلبجة ومنطقة سنجار حيث وقع إقليم كردستان العراق والولايات المتحدة الأمريكية في12يوليو/تموز عام 2016م ولأول مرة، بروتوكولًا للتعاون العسكري بين الجانبين وقد وقعه كل من وزير داخلية الإقليم وكالة كريم سنجاري ومساعدة وزير الدفاع الأمريكي اليسا سلوتيكن، بحضور رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني وخارج إطار الدولة العراقية أما من ناحية الأعداد فلا حكومة بغداد تعرف الأعداد الحقيقية ولا الولايات المتحدة الأمريكية تعلن الأعداد الصحيحة لقواته المتواجدة بالعراق.

بيان الحقائق وتحليل المواقف من الاحتلال الأمريكي:

لقد كانت الزعامات الشيعية السياسية والدينية والعسكرية (الميليشيات) طوال فترة الاحتلال الأمريكي للعراق منذ عام 2003م وإلى الخروج الشكلي وانسحاب القوات العسكرية الأمريكية من العراق عام 2011م بموجب الاتفاقية الأمنية تنظر إلى القوات الأمريكية على أنها قوات صديقة وتتعامل معها على أساس قوات محررة لهم بوجود أكثر من (165) ألف جندي أمريكي وعشرات الآلاف من المعدات والآلية العسكرية المختلفة ومئات من الطائرات المقاتلة المختلفة (القاصفة والإسناد القريب وطائرات النقل والشحن وطائرات الاستطلاع وطائرات الهليكوبتر وطائرات بدون طيار) علماً بأن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا أصدرت قرارًا من مجلس الأمن يصف بقاءها في العراق بأنها قوات احتلال حسب القرار 1483في 22/ آيار عام 2003م والذي تضمن إضفاء الصفة الشرعية على الاحتلال الأمريكي واعترف مجلس الأمن بهذا الاحتلال وتضمن تعيين ممثل للأمين العام للأمم المتحدة يكون تابعًا للحاكم المدني الأمريكي في العراق بول بريمر وعند زيارة المالكي للولايات المتحدة الأمريكية وضع إكليل من الزهور على قتلى الأمريكان في واشنطن واليوم هو من أول المتحمسين لمقاتلة القوات الأمريكية وإخراجها من العراق فسبحان مغير الأحوال.

أما الأكراد فقد حسموا أمرهم منذ عام 1991م وتعاملوا بجدية مع الحظر الجوي الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا على العراق ضمن خط عرض 36 شمالًا وبعد عام 2003م أدركوا بأن احتلال العراق هو فرصة تاريخية لهم ولن تتكرر وحلم كبير وعليهم استغلاله وأن يعملوا على استثمار هذا الحدث الكبير وتعاملوا مع القوات الأمريكية على أنها قوات صديقة ويجب عليهم أن يقدموا التسهيلات اللازمة لهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً لأن التحالف معهم يسهل لهم تحقيق أهدافهم وغاياتهم بما فيها الحصول على دولة كردية مستقلة في نهاية المطاف لذا تحالفوا واتفقوا مع الشيعة وكانوا ضمن مشروع الاحتلال منذ اليوم له لذا فهناك علاقات تاريخية تربطهم مع القوات الأمريكية وما زالت إلى يومنا هذا ثم جاء استفتاء كردستان في 25سبتمبر/أيلول عام 2017م الذي يدعم فكرة انفصال الأكراد عن العراق وتأسيس دولتهم التي يحلمون بإقامتها منذ عقود كقفزة إلى المجهول لتجد رفضًا أمريكيًا واضحاً وطلبت الخارجية الأمريكية من قيادة كردستان تأجيل هذه الخطوة لوقت آخر ولكنها أصرت وعلى رأسهم البرزاني على إجراء الاستفتاء وهنا لا بد أن نشير بأن الأكراد أدركوا الخطر الحقيقي على إقليم كردستان هو ايران وميليشياتها في العراق وهم يرون أن وجود قواعد عسكرية أمريكية في كردستان العراق حماية حقيقية للإقليم من أي تدخل محلي وخارجي. 

التحليل:

  1. لقد كانت القوى الشيعية والكردية وبعض القوى السياسية المحسوبة على السنة آنذاك تسمى القوات الأمريكية المحتلة بالقوات الصديقة وخاصة المشاركين في مجلس الحكم سيئ الصيت إضافة إلى أن المرجعيات الدينية الشيعية لم تصدر فتوى بمقاومة الاحتلال بل على العكس علمت على احتواء المواجهات التي حصلت في مدينة النجف مع اتباع رجل الدين الشيعي مقتدى من خلال الدعوة التي أطلقها المرجع الشيعي السيستاني وتم تسليم الأسلحة التي بحوزة جيش المهدي إلى حكومة علاوي مقابل مبلغ من المال ولو كانوا ينظرون إلى القوات العسكرية أنها محتلة نتيجة هذه الأعداد الكبيرة لما تم تسليم أسلحتهم من خلال المفاوضات التي جرت بين الطرفين فما الذي حصل اليوم وجعل صديق الأمس يصبح عدو اليوم رغم أن القوات الأمريكية المتواجدة حالياً لا تتجاوز أعدادها في أحسن حالتها (15) ألف جندي أمريكي وأن وجودها ليس كما كان احتلالًا رسميًا وإنما وجود تفرضه الاتفاقية الأمنية الموقعة بين البلدين والشروط التي وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية على حكومة بغداد عام 2014م والتي لم يعلن عنها شيء حتى اليوم لذلك نرى كيف تباينت المواقف من القوات الأمريكية منذ عام 2003م وإلى يومنا هذا علماً.
  2. إن هناك حقيقة مرة ترفض حكومة بغداد الاعتراف بها هو أن حكومات حزب الدعوة التي وقعت على الاتفاقية الأمنية عام2008م (حكومة المالكي) والحكومة التي تفاوضت على عودة القوات الأمريكية لمساعدة العراق لاستعادة أرضية وحكومة العبادي غير صادقة في القول الحقيقية للشعب وما تم الاتفاق عليه ومنها إن الأمريكان ليس لديهم قواعد عسكرية في العراق! وهذا ما صرح به عادل عبد المهدي الذي يحاول التلاعب بالألفاظ من خلال توجد قواعد عسكرية عراقية فيها جنود أمريكان أيضاً علماً بأن الرئيس الأمريكي يقول لدينا قاعدة عسكرية أنفقنا عليها كثيرًا من الأموال وسنستخدمها لمراقبة إيران وهنا نحن نصدق من؟ ولكن في رأي أنكم جميعاً تكذبون علينا منذ عام 2003م حتى اليوم علماً بأن التصرفات التي تقوم بها القوات العسكرية الأمريكية من خلال تنقلها وحركتها وسيطرتها على كثير من القواعد العسكرية وتصرفات القادة السياسيين ومنها زيارة ترامب لقاعدة عين الأسد تقول الحقيقة التي تحاولون إخفاءها.
  3. إن الحقيقة التي ترفض القيادات الشيعية الاعتراف بها هي أن الأمريكان هم من أوصلوهم إلى سدة الحكم في العراق رغم أن ولاءهم لإيران لأن التفاهمات الأمريكية الإيرانية في المنطقة كان كبيرًا جداً وامتد من احتلال أفغانستان حتى احتلال العراق ولكن يبدو أن قيادة هذه الميليشيات التي شكلتها إيران وسلحتها الحكومة العراقية وصمتت عنها قوات الاحتلال الأمريكي التي كانت تسميها بالقوات الصديقة كانت ضمن التفاهمات السابقة للإدارة الأمريكية التي كانت لا ترى في الشيعة خطرًا على بقائها في العراق خاصة مع اشتداد المقاومة العراقية كما أنه في زمن بارك أوباما تم توقيع الاتفاق النووي مع إيران مقابل إطلاق يدها في المنطقة، فسمح لها بالتمدد في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين ولكن الإدارة الأمريكية الجديدة ترى أن إيران يجب أن تقف عند حدود معينة فيما يخص ملفها النووي وكذلك برنامج الصواريخ الباليستية إضافة إلى تمددها بالمنطقة ودعمها لميليشيات إرهابية زعزعة استقرار المنطقة، لذا فأمريكا تريد من إيران أن تغير سياستها الداخلية والخارجية في المنطقة ولا تريد تغيير النظام الحاكم فيها وهذا ما صرحت به الإدارة الأمريكية ولكن يجب أن يكون ذلك ضمن تفاهمات يتفق عليها الطرفان بحيث تضمن أمن إسرائيل وتضمن إيران قوية بالمنطقة ضمن حدود معينة.
  4. إن بقاء إيران قوية يخدم المصالح الأمريكية في المنطقة بما في ذلك ابتزازها لدول الخليج العربي من خلال شراء الأسلحة لمواجهة الخطر الإيراني ودفع الأموال كي تؤمن الحماية لدولهم وهذا ما صرح به الرئيس الأمريكي بأنه دون حماية أمريكا للسعودية لن يبقى الملك في الحكم لأسبوعين وطلب منه الدفع مقابل ذلك كما أنها حولت الصراع العربي- الإسرائيلي إلى صراع عربي- إيراني وصراع شيعي – سني وشيعي- كردي وهناك تقارب وتدافع عربي على المستوى الرسمي وهناك بناء تحالفات عسكرية وعلاقات سياسية واقتصادية مع إسرائيل وهذا ما تريده أمريكا وإسرائيل أن تدمج ضمن دول المنطقة، لذا فخيارات المواجهة العسكرية المباشرة لا يريده الطرفان ولكن هناك ضغوطات يمارسها الطرفان لتقديم تنازلات وهناك اجتماعات سرية جرت بين الطرفين في لندن وعمان وروما وأفغانستان ولكنها لم تسفر عن أي اتفاق، لذا فالوجود الأمريكي في العراق والطلبات التي يتم تقديمها فيما يخص حل وتفكيك ميليشيات الحشد الشعبي هو ضمن زيادة الضغط على القيادة الإيرانية للقبول بكتابة اتفاق جديد يضمن المصالح الأمريكية الإسرائيلية بالمنطقة وما يجري من تصريحات لأحزاب سياسية وميليشيات موالية لإيران لطرح مشروع لخروج القوات الأمريكية من العراق هو في إطار الضغوطات المتبادلة.
  5. كان المفروض أن يكون تواجد القوات الأمريكية عام 2014م كبيرًا جداً لأن المناطق التي خرجت عن سيطرت الحكومة كبيرة ومهمة في ثلاث محافظات رئيسة هي الأنبار والموصل وصلاح الدين وبعض المناطق في ديالى وكركوك ثم تبدأ هذه القوات بتقليل أعدادها بعد أن تم استعادة هذه المناطق لانتفاء الحاجة لبقائها ولكن الذي حصل العكس من ذلك فقد بدأ التواجد الأمريكي قليل جداً حتى وصل عام 2016م إلى (3800) جندي وبعد أن تم استعادة جميع المدن التي خرجت عن سيطرت الحكومة وصل عدد القوات إلى (5500) جندي وأن ما يعلن يتراوح من (6000) ألف جندي إلى (8000) ألف جندي أمريكي وهؤلاء الذين تزيد مدة بقائهم عن ثلاثة أشهر ونحن نقدر قواتهم العاملة بالعراق على ما يزيد عن (15000) ألف جندي خاصة بعد انسحاب القوات الأمريكية من سوريا باتجاه العراق وقد تبين ذلك في زيارة الرئيس الأمريكي ترامب المفاجئة لقاعدة عين الأسد حيث التقى بأعداد كبيرة من المقاتلين في  قاعدة واحدة علماً بأن القوات العراقية التي تتواجد في قاعدة واحدة لا يسمح لها بالدخول إلى المنطقة التي تتواجد فيها القوات الأمريكية هذا مع هيمنة كاملة على الأجواء العراقية وهذا يبين النوايا الأمريكية بالبقاء في العراق خلال الفترة المقبلة.
  6. إن ما يجري الآن من إعادة انتشار للقوات الأمريكية في العراق هو للسيطرة على مقدرات البلد واحتلاله من جديد، ولكن بطريقة يمكن أن نقول إنها ناعمة ولها مقبولية وخاصة في مناطق أهل السنة التي عانت الويلات من السياسات الحكومية الطائفية وخاصة حكومة المالكي لدورتين رئاسية بالإضافة إلى معاناتهم من المشروع الإيراني الذي تنفذه الميليشيات الطائفية بغطاء حكومي يضاف إليها بطش تنظيم الدولة وتدمير مناطقهم بسبب العمليات العسكرية وسيطرة ميليشيات الحشد الشعبي على مناطقهم لذا فكثير من الناس البسطاء يرون بالتواجد الأمريكي هو إنقاذ لهم من هذه المعاناة المستمرة التي كان الاحتلال الامريكي سبباً رئيساً فيها وهو الذي مكن هؤلاء من حكم العراق وهو من سمح للمشروع الإيراني أن يملأ الفراغ  الذي تركه الانسحاب الامريكي عام 2011م لكي يوصلوا الأمور إلى هذه الدرجة التي يرى فيها أهل السنة الذين كسروا الاحتلال الأمريكي وأجبروهم على الخروج من العراق بعد أن أشعلوا الأرض تحت أقدام الغزاة (مثلث الموت) أن يقبل بوجودهم الآن للتخلص من إيران ومشروعها الاحتلالي في العراق وهنا نقول بمجرد أن يتفق الأمريكان مع إيران قد يتركون هذه المناطق مرة أخرى لإيران وأتباعها، لذا يجب الترقب لمآلات الأمور إن لم تكن هناك مصالح اقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية في هذه المناطق وهذا يعني من احتلال إلى احتلال.
  7. إن ميليشيات الحشد الشعبي أو القوى الشيعية ليست لديهم مشكلة مع التواجد العسكري الأمريكي السابق أو الحالي بما فيه البقاء في قواعد عسكرية بالعراق والدليل على ذلك أنه لو كانت لديهم مشكلة مع هذا التواجد لتم استهدافه من قبلهم الآن! فماذا ينتظرون؟ فهو ضمن مدى صواريخهم كما يقولون؟ هل ينتظرون الأوامر أن تصدر من إيران مثلاً؟ إذن مشكلتهم مع هذا التواجد الذي يهدد إيران لذلك هم يصرحون أن استخدام الأراضي العراقية لتهديد إيران غير مقبول لذا فهم يعارضون استغلال العراق لمواجهة أو مهاجمة أو مراقبة إيران التي تعد المرجع القيادي أو الحليف الإستراتيجي لهم!! لذا فهم يخشون على مصالح إيران وليس مصالح العراق وهناك تصريحات رسمية لميليشيا حزب الله العراقي وعصائب أهل الحق بأن أي استهداف لإيران ستكون القوات العسكرية الأمريكية تحت صواريخنا وسنكون مع إيران وهنا سيتحول العراق إلى ساحة صراع رغم أني أستبعد هذا الخيار حالياً وهنا نقول أين الحكومة من هذه التصريحات؟ وكيف تقول إن هذه الميليشيات تحت سيطرة الدولة؟
  8. تنص المادة (8) :من الدستور العراقي أنه (يراعى العراق مبدأ حسن الجوار، ويلتزم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ويسعى إلى حل النـزاعات بالوسائل السلمية، ويقيم علاقاته على أساس المصالح المشتركة والتعامل بالمثل، ويحترم التزاماته الدولية( وصدرت تصريحات من رئيس الجمهورية ومن مرجعية النجف التي قالت: (إنها ترفض أن يكون العراق محطة لتوجيه الأذى لأي بلد آخر) وهنا نسأل أين يتواجد حزب العمال الكردستاني؟ يوجد في شمال العراق وينفذ عمليات ضد تركيا! لماذا لم يتم إخراجها والتعامل معها مثلما تم التعامل مع حركة مجاهدي خلق؟ أو مثلما يجري الآن مع القوات الأمريكية! ونسأل أيضاً ألم تذهب الميليشيات العراقية للقتال في سوريا منذ عام 2011م وكذلك الخبراء والاستشاريون الذين يتواجدون في اليمن! أليس هذا تهديد دول الجوار لدول عربية تنفيذاً لأجندات خارجية لا مصلحة للعراق بها! لماذا لا يتم الكلام عليها مثلما يتم الكلام عن إيران اليوم!! أم  أنها الازدواجية في المواقف وسياسية الكيل بمكيالين وتعبية القرار السياسي العراقي وضعف الحكومة في مواجهة هذه الميليشيات التي خرجت عن سيطرت الدولة ولماذا لا تكون نفس هذه الضجة الإعلامية والسياسية على حزب العمال الكردستاني أيضاً؟ فهذا الكلام يمكن أن يمر على البسطاء وهو يعطي دلالة واضحة السطوة والسيطرة الإيرانية على الملف العراقي.
  9. هناك تهديدات متبادلة بين ميليشيات الحشد الشعبي والقوات الأمريكية فقد صرح المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” إيريك باهون أن القوات الأمريكية في العراق تلقت تهديدات من ميليشيات مدعومة إيرانيا، مشيرًا إلى أن أمريكا قادرة على الدفاع عن نفسها كما تجول نائب قائد القوات الأمريكية في شارع المتنبي وسط بغداد وهو كان بمثابة رسالة واضحة إلى النظام الإيراني، مفادها أن الولايات المتحدة ستكون موجودة في المكان الذي تريده، وأن الميليشيات الإيرانية لا يمكنها فعل أي شيء وأن أقدمت على أي هجوم يضر بالمصالح الأمريكية في العراق والمنطقة فستتعرض قواتها لضربات مدمرة، وهنا نشير إل أنه في يوم 6 شباط عام 2019م صرح النائب عن ائتلاف الفتح حنين قدو لوكالة بغداد اليوم بأن هناك اتفاقًا بين رئيس الوزراء والقيادات السياسية والحشد الشعبي أن تكون المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية سياسية فقط وهذا له دلالات كثيرة ومنها أن نسأل لماذا لجأت إلى هذا الخيار:
  • تراجع كبير في موقف قيادات الحشد الشعبي التي أدركت أن المعركة العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية خاسرة بسبب التفاوت الكبير في القدرات والإمكانيات العسكرية لذا يمكن أن نقول إنهم تملصوا من معركة غير ناجحة وتجنبوا المعركة في ظروف غير ملائمة لهم ولإيران لأن المواجهة الآن قد تفقدهم كثيرًا من المميزات التي حصلوا عليها في الفترة السابقة وهم يراهنون على عامل الوقت في تغيير المواقف وتخفيف الضغط.
  • إن ايران ترى في العراق البوابة التي تعول عليها للالتفاف على العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إيران لذا ليس من مصلحتها أن تصل الأمور إلى التصادم المسلح مع ورقة تعتبر من أقوى الأوراق الإيرانية في المنطقة لمواجهة الضغوطات الأمريكية لذا قدمت لهم الاستشارة السياسية باللجوء إلى العمل السياسي والانحناء للعاصفة لوقت آخر يخدم المصالح الإيرانية .
  • هم يعرفون أن إيران لن تستطيع أن تدافع عن قواتها في سوريا أمام الضربات الجوية الإسرائيلية لذا فلن تستطيع أن تقدم أي شيء لميليشيات الحشد الشعبي في حالة اندلاع صراع مسلح مع القوات الأمريكية وستخسر إيران ورقة مهمة جداً من أورقها التفاوضية مع أمريكا لذا صرحوا بأنهم سيلجؤون إلى العمل السياسي بدل التصعيد العسكري. 
  • إن قيادات الحشد تنتظر التفاهمات الأمريكية الايرانية لأن هناك اجتماعات سرية تجري بين الطرفين وكان آخرها في أفغانستان كما أن قرار المواجهة لهذ الميليشيات بل هو قرار إيراني وليس عراقيًا لتبعية قرارها الديني والسياسي.
  • وهناك استنتاج مهم ستبقى هذه الميليشيات قنبلة موقوتة ستنفجر في أي وقت تصدر فيه الأوامر بذلك من مراجعها الدينية وهذا الإجراء شكلي لتجاوز مرحلة صعبة 
  • من الحقائق التي يجب أن يعرفها الجميع هو أن أمريكا لا تريد تغير قواعد اللعبة السياسية في العراق أو إنهاء العملية السياسية؛ لأن العملية السياسية هو مشروعها السياسي الذي جاءت به للعراق والتخلي عنه يعني فشلها ليس في العراق ولكن بالمنطقة وهذا يتفق مع الرؤيا الإيرانية في دعم العملية السياسية بالعراق ولكن الانسحاب الأمريكي ترك الباب مفتوحاً أمام التمدد الإيراني وهنا أنا لا أتكلم من دور أو نفوذ ولكن أتكلم عن تواجد إيراني لذلك  قال ظريف في محافظة النجف بتاريخ 16/1/2019 قائلاً (هم يمضون “الأمريكيون” ونحن نبقى، لأننا أهل الأرض، ولدينا أرضية خصبة للتعاون مع العراق) والسؤال لماذا لم يرد وزير الخارجية العراقي؟ لماذا لم يرد رئيس الوزراء أو رئيس الجمهورية ؟على هذا الكلام الذي يحمل كثيرًا من الشر للعراق وأهله فهو يقول إننا أهل الأرض! وهو على أراضٍ عراقية! وهذا يعطي دلالة واضحة على سيطرة الأدوات الإيرانية السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية تفوق النفوذ الأمريكي الذي يقتصر على الوجود العسكري وربما السياسي. 
  1. 10.كثر الحديث في هذه الفترة حول اجتماعات جرت ويمكن أن تجري هنا وهناك خاصة الاجتماع الذي جرى في مدينة ميشغن الأمريكية في يناير/كانون الثاني الماضي عام 2019م والذي تضمن شخصيات مغتربة وكفاءات عراقية مهاجرة وبعض القيادات البعثية وجاء ضمن ما يسمى بالجمعية الوطنية العراقية الأمريكية للصداقة ونسمع كثيرًا من الكلام غير المسؤول لذا نقول إن ما يجري هو من ضمن أوراق الضغط الأمريكية على الداخل في العراق والضغوطات الخارجية تجاه إيران وهذا يهدد النفوذ الإيراني في العراق بشكل كبير ولكن لن تتبناه الولايات المتحدة الأمريكية ولا يمكن البناء عليه على الأقل في الوقت القريب كونها متمسكة بالعملية السياسية أولًا وهي تراهن على تغيير سلوك النظام الإيراني والجلوس على طاولة مفاوضات للتفاهم كما أنها ماضية في تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير والذي ما زالت تراهن عليه الإدارة الأمريكية وتريد تنفيذه رغم وجود متغيرات سياسية كبيرة ومفصلية وهي تطرح الآن مشروع  صفقة القرن لذا لا يمكنها العودة إلى الوراء ولا يجب التعويل على مثل هذه اللقاءات.
  2. 11.تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى إيجاد نوع من توازن قوى في العراق مع التواجد الإيراني الذي أصبح واضحًا أنه أقوى من نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية فهي لا تستطيع أن تقوم بذلك لوحدها في العراق لذا فهي تحاول من خلال إعادة الانتشار القوات العسكرية إيجاد نوع من توازن القوى وإيجاد أدوات في المناطق التي عانت من المشروع الإيراني وأدواته في العراق منذ عام 2003م لتستخدمها في مواجهته لذا نرى تواجدها محصوراً في المنطق الشمالية والغربية من العراق .
  3. 12.إن بقاء القوات الأمريكية يأتي ضمن الوعود الانتخابية التي قطعها الرئيس الأمريكي ترامب قائلًا : إنه كان على بلاده “أن تأخذ النفط” من العراق عام 2003م، مشيراً إلى أنها “لو فعلت ذلك (وقتها) لما ظهر داعش”، متابعاً: “ربما ستكون هنالك فرصة أخرى “لذا قد تكون هذه هي الفرصة المناسبة للسيطرة على المقدرات الاقتصادية للبلد وخاصة أنه يوجد أكبر حقول الغاز في العالم في منطقة عكاز غرب الرمادي وهناك الفوسفات أيضاً وبعض آبار النفط وكذلك لقطع الممر الإيراني باتجاه سوريا وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط وهذه الإدارة الأمريكية هي حكومة اقتصادية بامتياز لذا هي تتفق مع طالبان للانسحاب من أفغانستان وتنسحب من سوريا وتتمركز في العراق لغايات متعددة منها تقليص النفوذ الإيراني ومنها أسباب اقتصادية للحصول على الطاقة النظيفة.
  4. 13.في الختام نقول هناك مشروعان يتصارعان في العراق هما المشروع الأمريكي والمشروع الإيراني وكلاهما لا يصب في مصلحة العراق وقد تستخدم إيران أدواتها في العراق لضرب القوات الأمريكية مما يحول العراق إلى ساحة صراع سيدفع أهل العراق ثمناً باهظاً بسبب تعدد الولاءات وتغليب مصلحة إيران على مصلحة العراق وقد تتخلى إيران عن هذه الميليشيات في أي فرصة قادمة وخاصة إذا تم الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية فما يصحو العراقيون وينظرون إلى مصالحة العراق ويغلبونها على مصالح الجميع؟