1. لقد استبشر كثير من العراقيين خيراً في الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2018م، وذلك من خلال الشعارات التي رفعتها الأحزاب والكتل السياسية قبل الانتخابات، والتي كانت في غالبها عابرة للطائفية وتنادي بالمشروع الوطني الجامع الذي يخرج العراق من الطائفية والمذهبية إلى فضاء الدولة الوطنية بعيداً عن التدخلات الخارجية ولكن سرعان ما اصطدم الجميع بواقع مرير فذهبت السكرة وجاءت الفكرة وعدنا إلى المربع الأول من العملية السياسية البائسة التي مزقت العراق إلى طوائف متناحرة وبددت ثروات البلد وحولته إلى بلد مدان، وبعد انتهاء الانتخابات هناك سؤال مهم يطرح باستمرار لمعرفة التوجه الذي يسير به البلد وهو من هي الكتلة الأكبر في هذه الانتخابات؟ والتي كلفت عادل عبد المهدي بتشكيل الحكومة؟ وهنا أعتقد أنك لن تجد الجواب على هذا السؤال رغم مرور سنة تقريبًا على الانتخابات؛ وهذا يعطي دلالة واضحة على أن عادل عبد المهدي هو مرشح توافقي بين كتلتين هي كتلة البناء وكتلة الإصلاح والبناء، وهذا ما يجعل حكومته ضعيفة جدًا بحيث لم يستطيع  إكمال تشكيلته الوزارية بسبب التجاذبات والخلافات بين الكتلتين على عدد من الوزارات وخاصة وزارة الدفاع والداخلية فكيف له أن يبدأ بتنفيذ مشروعه وبرنامجه السياسي علماً بأن التسريبات الأخيرة تقول إن هناك اتفاقًا بين الكتلتين على توحيد المواقف وإكمال التشكيلة الوزارية  بسبب التهديدات الأمريكية بتفكيك وحل ميليشيات الحشد الشعبي وكذلك التواجد الأمريكي في العراق، حيث اتفقت الكتلتان على طرح مشروع قرار في البرلمان يطالب بخروج القوات الأمريكية في العراق أو أن يكون بقاؤها ضمن شروط جديدة يتفق عليها كما صرح بذلك هادي العامري رئيس منظمة بدر.
  1. لقد شن الحشد الشعبي حملة مداهمات على مقرات وهمية للحشد الشعبي في بغداد وبعض المحافظات، حيث ألقت قوة من الحشد الشعبي وجهازها الأمني القبض على أوس الخفاجي أمين عام “لواء أبو الفضل العباس”، وأغلقت أربعة مكاتب في بغداد لمجموعة الخفاجي بسبب وجودها في أحياء سكنية، وإن أعضاء من هذه الميليشيا تم اعتقالهم لرفضهم الإغلاق  كما أغلقت قوات الأمن الأسبوع الماضي (3) مقار غير مرخصة، انتحلت صفة الحشد الشعبي، هي: مقر ائتلاف صقور دولة العراق، ومقر الانتفاضة الشعبانية، ومقر ثالث جميعها وسط منطقة الكرادة وهنا لا بد لنا أن نسأل:

أولًا: ألم تكن ميليشيا أبو الفضل العباس هي رأس النفيضة في الهجوم على مدينة الفلوجة، حيث خاطب قائد هذه الميليشيا جنوده قائلًا: “إن هذه المدينة هي منبع الإرهاب منذ 2004م حتى اليوم ولا يوجد فيها شيخ عشيرة آدمي إلا ما ندر ما بيه إنسان وطني أو إنسان ملتزم”، وطالب بتطهير العراق من ورم الفلوجة ثم بعد ذلك هدد بعد تفجير الكرادة بإعدام النزلاء في سجن الناصرية، وهو يخاطب حسب قوله ما تبقى من الشرفاء في البرلمان إنه يجب أن يصادقوا على إعدام السجناء، وإذا لم تنفذ الحكومة عقوبة الإعدام فسوف تنفذها أبو الفضل العباس وحدد مهلة زمنية لذلك فإذا كان هذا الرجل لا يمثل الحشد الشعبي فكيف سمحت الحكومة بمثل هذه التصريحات التي تنتقص من هيبة الدولة وسيادة القانون وتركته يصول ويجول في بغداد ومحافظات العراق وكيف صمتت عنه الحكومة وميليشيات الحشد طوال هذه المدة! علماً بأنه حتى لو كان يمثل الحشد الشعبي كان يجب أن يحاسب على مثل هذه التصريحات التي تثير الطائفية وتهدد السلم المجتمعي .

ثانيًا: لماذا سمحت الحكومة لمثل هذا الرجل ومن ورائه طوال هذه الفترة أن تكون له صفة رسمية ويحتفظ بسلاح وتواجد رسمي له في العاصمة بغداد؟ أم أن كونه يتنسب إلى طائفة معينة فلا بأس بمثل هذا التواجد والسؤال المهم ماذا كانت تفعل هذه الميليشيا طوال هذه الفترة منذ معركة الفلوجة حتى الآن؟ أين الحكومة؟ أين البرلمان؟ أين الأجهزة الأمنية والاستخبارية؟ ولماذا صمتت جميع هذه المؤسسات عن هذه الميليشيات ولم تتخذ الإجراءات المناسبة ضده.

ثالثًا: إن الحقيقة المرة التي لا يريد أن يعترف بها قادة الحشد هو أن ما يجري من غلق لمقرات وهمية هو جزء من الصراع بين قيادات الحشد ومرجعياتها على المصالح والنفوذ وخاصة الميليشيات التي تعمل خارج سيطرة أبو مهدي المهندس رجل إيران القوي في العراق الذي يعمل على السيطرة على مفاصل الدولة العراقية لحساب إيران، كما أن هذه الحملة بسبب اختلاف المواقف من النفوذ الإيراني كما يرجع إلى اختلاف المرجعيات التي تأتمر بها هذه الميليشيات.

رابعًا: هي رسائل إيرانية واضحة لكل من يعارض النفوذ الإيراني في العراق، وأن ما يجري من تصفيات داخلية هي بأوامر إيرانية خصوصًا مع تنامي الرفض الشعبي للوجود الإيراني، وقد جاء مقتل الصحفي علاء المشذوب الذي انتقد التدخل الإيراني في العراق كرسالة واضحة لكل من يعرض هذا التدخل، وهو ما دفع بقائد ميليشيا أبو الفضل العباس أوس الخفاجي الذي تربطه علاقة قرابة بالصحفي المقتول أن ينتقد التدخل الإيراني في شؤون العراق الداخلية، ومنها زيارة ظريف للعراق وبقائه خمسة أيام وقال يجب ألا نكون ملكيين أكثر من الملك بحيث يقتل كل من يتكلم على التواجد الإيراني في العراق وندد أيضًا بالتواجد الأمريكي أيضًا ولكن لم يشفع له ذلك، وهذا يعطي دلالة واضحة على الولاء الطائفي الكبير لإيران على حساب مصالح العراق وشعبه ولو كانت هذه الميليشيا ومقراتها وهمية لماذا صمتوا عنها طوال هذه المدة؟

خامسًا: يبدو أن الحشد حاول أن يغطي على كثير من الجرائم التي ارتكبها أثناء العمليات العسكرية في استعادة المدن العراقية حيث يتهم الحشد بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وتعذيب وقتل كثير من المدنيين بدون محاكمات بالإضافة إلى تغيب أعداد كبيرة جدًا من المدنيين في الفلوجة والرمادي وصلاح الدين لذا فإغلاق هذه المقرات واتهامها بأنها كانت خارج القانون وخارج ميليشيات الحشد الشعبي قد يدفع عنها هذه الجرائم وهذه التجاوزات التي نسبت إليها كما أنهم يحاولون أن يرسموا صورة بأن هذه الميليشيات هي خارج إطار الحكومة والدولة، أما باقي تشكيلات الحشد فهي تأتمر بأمر الحكومة وهو تصحيح لمسار الحشد وهذا لذر الرماد في العيون. 

سادسًا: لقد تم اعتقال الخفاجي من قبل الجهاز الأمني للحشد وهذا يعني أننا أمام مؤسسات وأجهزة تعمل بصورة منفصلة تمامًا عن أجهزة الدولة الأخرى ما يجعل هناك صعوبات كبيرة في القيادة والسيطرة خصوصًا مع وجود ولاء كامل لقيادة الحشد الشعبي لإيران وضعف واضح في المؤسسات الحكومية علماً بأن هناك ضغوطات كبيرة تمارس اليوم على حل وتفكيك هذه الميليشيات التي أصبحت تمتلك من الإمكانيات والقدرات العسكرية ما يفوق التشكيلات الأخرى في وزارة الدفاع والداخلية وهم يعملون على السيطرة على جميع مفاصل الدولة بما فيها إنهاء الميليشيات المسلحة التي يعتبرونها خارج سيطرتهم ولا تدين بالولاء لإيران لذا فجميع المعارضين لإيران هم عرضة للتصفية الجسدية أو الاعتقال الرسمي بغطاء قانوني من قبل الجهاز الأمني للحشد كما حصل مع الخفاجي وسيحصل مع غيره في المستقبل وسط عجز حكومي حتى عن التعليق على هذه الأحداث أو الأخذ بزمام الأمور واتخاذ الإجراءات المناسبة لذلك عن طريق الأجهزة الحكومية الأخرى، وقد يقول قائل لماذا لا يستهدفون الفصائل مثل سرايا السلام أو الفصائل التي تنتمي إلى مرجعية السيستاني فنقول هم يعرفون قبل غيرهم أن استهداف هذه المرجعيات قد يسبب لهم إشكالًا كبيرًا كون هذه الميليشيات مدعومة من قبل مرجعيات معروفة، ولها القدرة على التأثير الكبير في الملف الداخلي السياسي والأمني وتختلف في ملفات كثيرة مع هذه الميليشيات التي تتبع الولي الفقيه لذا فهذه الخطوة ستزيد المشهد السياسي العراقي انقساماً وستبقى الدولة في صراع مع هذه الميليشيات التي تحاول السيطرة على مقدرات البلد وسط صمت حكومي واضح لأن من شكل هذه الحكومة هي قيادة هذه الميليشيات لذا فهي لا تريد الدخول في صراع معها وتحاول أن تغطي عليها في هذه الفترة لذا يمكن أن نقول هو صراع مؤجل لوقت آخر.