برغم هزيمته في العراق وسوريا، وخسارته المساحات الواسعة التي سيطر عليها عدة سنوات، فأن تنظيم الدولة، ما زال يشكل هاجسا أمنيا مقلقا، مع فرص عودة محتملة سواء بشكله المعروف أو بأشكال وتسميات أخرى، هذه الورقة تناقش هذا الاحتمال.

في يونيو/حزيران عام 2014 سيطر (تنظيم الدولة) على مدينة الموصل المكتظة بالسكان وأجزاء واسعة من العراق، في تطور تسبب بصدمة على مستوى المنطقة والعالم.
جاء هذا التصعيد الخطير بعد نحو سنتين ونصف من اكتمال سحب الولايات المتحدة قواتها من العراق نهاية العام 2011 (1)، وهو ما تسبب على ما يبدو بفراغ أمني، استغله التنظيم ليحتل بعضاً من أكبر مدن العراق خلال ساعات أو أيام، وذلك إلى جانب عوامل أخرى قد تكون أكثر أهمية مثل الفساد الكبير وسط القوات العسكرية الضخمة في الموصل آنذاك، والسياسات الحكومية الطائفية والعدائية تجاه سكان المدينة التي وفرت للتنظيم فرصاً دعائية ونفسية لكسب حواضن اجتماعية مناسبة.

لقد اعتمد (تنظيم الدولة) في عقيدته القتالية على حرب العصابات والعمليات الهجومية التعرضية التي تمتاز بالصدمة والترويع وسرعة الحركة والانتشار، الذي مكنه من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي في العراق وسوريا، ثم تحول من حرب العصابات إلى الحرب النظامية، ومن الهجوم إلى الدفاع. كما أنه استطاع أن يحصل على قدرات مالية وإدارية وتسليحية عالية جداً من خلال حقول النفط والكبريت التي استولى عليها، وكذلك من البنوك والمؤسسات الحكومية إضافة إلى القدرات العسكرية التي غنمها من القوات العسكرية في محافظة نينوى، والأنبار، وصلاح الدين، ولكن جميع عوامل القوة التي امتلكها التنظيم وأشعرته بنشوة القوة لم تسعفه في المحافظة على هذه المناطق، بسبب التفوق الجوي واللوجستي لقوات التحالف الدولي، وقلة العنصر البشري، وترهل (دولة الخلافة)، لذا فقد فشل في الدفاع عن دولته المزعومة، وخسر جميع المناطق التي سيطر عليها، ولكنه لا يزال يحتفظ بعناصر قوة تمكنه من العمل بمرونة عالية.

بين هزيمة التنظيم وإعلان النصر
بدأ التنظيم بالانهيار وخسارة المناطق التي سيطر عليها في العراق، منذ معركة تكريت، ثم الرمادي، وكان التحول الكبير في استراتيجية التنظيم هو اللجوء إلى تكتيك الانسحاب من المدن بدون قتال، فقد انسحب التنظيم من مدينة الفلوجة دون قتال نحو الصحراء التي تربط بين محافظة كربلاء والأنبار باتجاه مدينة الرطبة والقائم، بعد أن تم استعادة المدينة من قبل القوات الحكومية بتاريخ 26 يونيو/حزيران عام 2016م،(2) ثم توالت الانسحابات بعد ذلك من المدن دون أن تشهد معارك كبيرة وضارية، فانسحب التنظيم من مدينة تلعفر، والشرقاط، والحويجة، والبعاج، وراوه، وعانه، والقائم دون قتال، على عكس ما فعل التنظيم في الرمادي، وبيجي، وتكريت، والموصل بجانبيها الأيسر والأيمن. وهنا نشير إلى أنّ العِلم العسكري يتطرق إلى أنّ أحد أسباب الانسحاب هو تجنب المعركة في ظروف تعبئة غير ملائمة، أو للتملص من معركة غير ناجحة، وللتخلص من التفوق الجوي المعادي الذي أمّنه طيران التحالف الدولي للقوات الحكومية المهاجمة.

وفي الجانب الآخر، كانت القوات الحكومية العراقية قد استوعبت صدمة انهيارها الكبير أواسط العام 2014، وبدأت باستعادة المدن التي استولى عليها (تنظيم الدولة) بالتنسيق مع تحالف دولي يضم عشرات الدول بقيادة الولايات المتحدة.

انطلقت أول المعارك في تاريخ 2 مارس/أذار 2015 لاستعادة مدينة تكريت، ثم تلتها معارك أخرى في بيجي، ثم الرمادي، والفلوجة، والقيارة، والموصل وتلعفر، والشرقاط، والحويجة، ومدينة عانة وراوه، والقائم، وصولاً إلى الحدود السورية. وفي تاريخ 9 ديسمبر/كانون الأول عام 2017 أعلن حيدر العبادي، رئيس الوزراء السابق، النصر واستعادة جميع المدن والأراضي التي كان يسيطر عليها (تنظيم الدولة)(4) بعد نحو ثلاث سنوات من المعارك الدامية، والاستنزاف الكبير لموارد الدولة في مناطق غرب العراق وشماله. غير أن هذا الإعلان كان خطأً استراتيجياً كبيراً جداً وتخبطاً سياسياً مفضوحاً، لأن المعلومات التي كانت لدى الاستخبارات العسكرية العراقية تختلف بشكل كبير جداً عما أعلنه العبادي الذي استعجل إعلان النصر ليوظفه في انتخابات عام 2018.

جاء رد التنظيم على العبادي سريعاً من خلال سلسلة عمليات، كان أكثرها خطورة إقامة حاجز تفتيش وهمي على طريق طوزخورماتو ـ داقوق الموازي لسلسلة جبال حمرين، وإعدام (8) أفراد من الشرطة الاتحادية، وبث صور لذلك، كما قام بنصب حواجز أمنية مزيفة واقتحام قرى وحواجز عسكرية في مناطق نائية تحت جنح الظلام، وقد شهد الطريق الرابط بين كركوك وبغداد هجمات متعددة، كما نفّذ التنظيم حملة من الاغتيالات وقطع الطرق الرئيسية بين المحافظات للحصول على الأموال.

وشملت هجمات التنظيم عمليات استهدف خلالها بشكل خاص قيادات، وعناصر أمنية، ومن الحشد العشائري، والحشد الشعبي. وكذلك ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أنه تم تسجيل حوالي (1200) هجوم عام 2018 في مناطق متفرقة من العراق منذ إعلان النصر على (تنظيم الدولة) وانتهاء الأعمال العسكرية في البلاد (5).

الاستراتيجية الجديدة لـ (تنظيم الدولة)
برغم خسارة (تنظيم الدولة) للأراضي الواسعة التي كان يسيطر عليها، ومقتل وهروب عدد كبير من عناصره، فإنه ما يزال ينشط في مناطق بعيدة عن التجمعات السكانية أو قدرات ورصد أجهزة الأمن.
ومن خلال رصد المجالات الجغرافية لهجماته منذ إعلان بغداد عن هزيمته في أواخر العام 2017، يمكن تحديد ثلاث مناطق أساسية لتواجد عناصر التنظيم في العراق:
المنطقة الأولى: وتمتد ما بين شمال وشمال شرق بغداد، وتشمل ثلاث محافظات هي ديالى في شرق هذه المنطقة، وكركوك في شمالها، وصلاح الدين في جنوبها، وتشمل هذا المنطقة سلاسل جبلية مهمة مثل سلسلة جبال مكحول، والحويجة، وداقوق وصولاً إلى بحيرة جبال حمرين، إلى جانب تواجده في جبال حمرين التي كانت من قبل ملاذا للتنظيم قبل سيطرته على الموصل في صيف عام 2014.

المنطقة الثانية: تشمل مطيبيجة (شرق مدينة سامراء في محافظة صلاح الدين)، وتمتد نحو الشمال الشرقي داخل محافظة نينوى لتشمل جزيرة الحضر وصحراء البعاج وسلسلة جبال العطشانة، ثم تنزل نحو الجنوب الغربي لتصل إلى وادي حوران داخل محافظة الأنبار على حدود سوريا، وتصل كذلك داخل صحراء الأنبار نحو الحدود مع السعودية. ويضم هذا المثلث مناطق صحراوية واسعة يصعب على القطعات العسكرية السيطرة عليها ومراقبتها، وقد سبق وأن اتخذها (تنظيم القاعدة) ثم (تنظيم الدولة) قواعد أمنية له من العام 2007م وحتى العام 2014.

المنطقة الثالثة: يطلق عليها “مثلث الموت” وتربط بين محافظة نينوى في الشمال، ومحافظة صلاح الدين في الجنوب، ومحافظة كركوك في الشمال الشرقي، وهي منطقة وعرة تحيطها تلال جبال حمرين، ويمر عبرها الطريق الرئيسي بين شمال العراق ووسطه.

وتوفر هذه المناطق النائية ملاذات لعناصر (تنظيم الدولة)، ونقاط انطلاق لشن هجمات جديدة، تتخذ صيغة كر وفر، بعد أن خسر التنظيم مقومات القوة للسيطرة على مدن جديدة، وفقد الكثير من قدراته العسكرية والبشرية، وكذلك فقدانه للحاضنة الاجتماعية التي ترفض وجوده في مناطقها، بسبب الخراب الذي سببه لها، وأصبحت مهمة تجنيده للشباب شبه مستحيلة، ولكنه بنفس الوقت لا يزال يشكل تحدياً أمنياً، لا سيما وأن عناصره التي نجحت بالانسحاب دون قتال من المدن، صارت بين خياري الاعتقال والإعدام أو القتال حتى الموت.

وتتخذ هجمات التنظيم الحالية شكل الغارات التي يضرب فيها أهدافاً محددة، كالاغتيال، والخطف، أو يدمر فيها أهدافاً معينة كنقاط المراقبة، والحراسة، أو حواجز التفتيش، أو حتى قطع الطرق لفترات معينة، أو القيام بشن عمل عسكري واسع النطاق بالتعرض على عدة نقاط وفي أماكن متعددة ومناطق مختلفة، ثم ينسحب إلى قواعده الأمنية التي انطلق منها، وبالطبع فالهدف هو تعزيز المؤشرات على بقاء التنظيم واستمرار قدرته على زعزعة الأمن.

لقد استجمع التنظيم قواه بعد خسارته لحواضره المدنية وخاصة المدن الكبرى، وأدرك أنه لم يعد بالإمكان استمرار القتال من خلال الطرق التقليدية، لذا أعاد تنظيمه وهيكلته وخططه وتكتيكاته، وبدأ يتأقلم مع المتغيرات الجديدة وتحول إلى اللامركزية بالعمل العسكري والأمني، بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة، فجميع الوقائع والمؤشرات والمعطيات تؤكد أن هناك خلايا نائمة للتنظيم لا يمكن القضاء عليها في فترة قليلة بعمليات متفرقة في صحراء الأنبار، والموصل، وكركوك. وأخذ التنظيم يقوم ببناء استراتيجية جديدة لشن هجمات بحيث تشكل تهديداً حقيقياً للقوات الحكومية وخاصة الهجمات الليلية منها ليعيد بناء قوة مؤهلة لاستنزاف القوات الأمنية والقوات الحليفة لها.
وحسب صحيفة واشنطن بوست فإن التنظيم لا يزال قوياً، ويمثل قوة قاتلة في أجزاء كبيرة من سوريا والعراق(6). أما صحيفة نيويورك تايمز فتقول أن مقاتلي (تنظيم الدولة) يقضون وقتاً طويلاً في مراقبة روتين القوات الأمنية في البلد، و”يبحثون عن الثغرات الأمنية وأوقات الحركة وعندما يجدون الثغرات يبدؤون بالعمل من خلالها”(7) وتضيف “أنّ الاعتقاد بدحر داعش هو تجاهل لدروس التاريخ”، ويشير تقرير لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن تجدد أساليب التنظيم أدت إلى ولادته من جديد “واكتشفوا أنك لست بحاجة للقيام بـ(6) آلاف عملية في الشهر، لكن عليك قتل أهم (50) شخصا في كل شهر(8)، وقد نفّذ التنظيم (15) محاولة اغتيال ضد القادة المحليين في الأشهر العشر الأولى من العام 2018م، مشيراً إلى أنّ العمليات لم تحظَ بتغطية إعلامية.
الأعداد الحقيقية لـ (تنظيم الدولة):
تتفاوت التقديرات الحقيقية لمقاتلي (تنظيم الدولة) بعد خسارته لمناطق سيطرته في العراق وسوريا، وفي آخر التقديرات أشار تقرير صادر عن الأمم المتحدة منتصف أغسطس/آب 2018 إلى أن هناك ما بين 20 ألف إلى 30 ألف مقاتل للتنظيم ينتشرون في العراق وسوريا بالتساوي بين البلدين. وأوردت صحيفة نيويورك تايمز أرقاما مماثلة حسب تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية(11). في حين أشارت تقارير للبنتاغون تم تسليمها إلى الكونغرس من قبل المفتشية العامة إلى أن ما بين (15500 – 17100) من مقاتلي التنظيم لا يزالون في العراق (9) ونحو (14) ألف مقاتل في سوريا، وهي أعداد مقاربة للتقديرات السابقة، علما أن هذه التقديرات لا تشمل المقاتلين فقط، بل جميع الذين يمارسون مهاماً بعيدة عن القتال مثل جمع المعلومات، والرصد، والتموين، وإدارة الأموال، ورعاية عوائل المعتقلين والمقتولين، وشراء الأسلحة، والإعلاميين وعشرات المهام الأخرى التي يستكمل بها التنظيم أداء مهماته. كما أنها لا تشمل المقاتلين الموجودين في أفغانستان أو النيجر ومالي، أو صحراء سيناء في مصر أو المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة في اليمن وليبيا ومناطق أخرى عدة ينشط فيها التنظيم.

وفي آخر التصريحات الأمريكية فيما يخصّ قوة (تنظيم الدولة) قال مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية دان كوتس في تقرير استعرضه أمام الكونغرس في 30 يناير/كانون الثاني2019 “إن (تنظيم الدولة) ما يزال يشكل تهديداً قوياً في الشرق الأوسط، ويدير آلاف المقاتلين في العراق وسوريا، ولديه ثمانية فروع وأكثر من (12) شبكة وآلاف المناصرين المنتشرين حول العالم رغم خسائره الجسيمة في القياديين والأراضي”. وأضاف “إن التنظيم استولى في السابق على مناطق واسعة من سوريا والعراق ولكنه تراجع حالياً إلى جيب صغير، وسيستغل فرصة تراجع الضغوط ضد الإرهاب للعودة”، ورجح كوتس أن يواصل التنظيم السعي لشن هجمات خارجية من العراق وسوريا ضد أعدائه في المنطقة والغرب بمن فيها الولايات المتحدة. فيما قال وزير الدفاع الأميركي بالوكالة باتريك شاناهان “إنّ التنظيم أوشك أن يخسر جميع مناطقه المتبقية في سوريا “خلال أسبوعين” وأنّ خطر الإرهاب تم تقليصه بشكل كبير”. (12)

فشل الحلول الأمنية
اتبعت الحكومة مقاربة الحل الأمني للسيطرة على المناطق السنية التي خرجت ضد السياسات الحكومية الطائفية التي اتبعتها في معاملة هذه المناطق، واليوم تكرر نفس التصرفات التي كانت تتبعها الأجهزة الأمنية والعسكرية، خاصة بعد السماح للحشد الشعبي بالسيطرة على المناطق السنية، بالإضافة إلى عجز الحكومة عن طرح مشروع وبرنامج متكامل لإزالة آثار المعارك، وأبرز ما في ذلك إعادة الإعمار وعودة النازحين.

ويبدو أنّ الأجهزة الأمنية والعسكرية لم تأخذ العبرة من أحداث يونيو/حزيران عام 2014، حيث كانت التصرفات الاستفزازية للقوات الأمنية تجاه السكان المحليين من أهم الأسباب التي دفعت هذه المناطق للخروج على الحكومة، واليوم تعود نفس التصرفات من الأجهزة الأمنية مثل اعتقال الكثير من الرجال والشباب ممن لا صلة لهم بـ(تنظيم الدولة)، وإطلاق التهم الكيدية للابتزاز، وتغييب أعداد كبيرة من المدنيين إلى يومنا هذا، بالإضافة إلى ابتزاز الناس وفرض الأتاوات وهذا ما يجعلها بيئة غير مستقرة أمنياً وسياسياً واجتماعياً، وتشكل تحدياً أمنياً كبيراً قد يدفع باتجاه خروج هذه المناطق مرة أخرى بسبب الاستفزازات التي تتبعها القوات الحكومية مع السكان المحليين.

لقد اقتصر دور القوات الحكومية في مواجهة (تنظيم الدولة)، بعد خروجه من المدن، على العمل الاستخباري ووضع خطط لتمشيط المناطق النائية والصحراوية التي تعتبر شاسعة ومترامية الأطراف، ولا يمكن السيطرة عليها، وغالباً ما تتركز هذه العمليات على تعقّب خلايا التنظيم القريبة من المدن لأبعاد خطرها كي لا تمنحه فرصة شن هجمات جديدة على المدن وإرباك الوضع الأمني، علماً أنّ طيران التحالف الدولي والطيران العراقي ينفذان ضربات مستمرة تستهدف مواقع تواجده وتنقل أفراده، كما تحاول الاستخبارات العسكرية وجهاز المخابرات العراقي متابعة تفكيك الخلايا النائمة لـ (تنظيم الدولة) وتقديم المعلومات اللازمة للقوات الأمنية والاستخباراتية والعسكرية لمواجهته.

مستقبل (تنظيم الدولة) في العراق
يوحي السلوك الحالي لـ (تنظيم الدولة) بأنه سيعمد إلى اتباع تكتيكات قتالية جديدة بعد أن خسر معظم مصادر قوته العسكرية والمادية والبشرية، وأول ما يبدو أنّه عمد إليه هو أنه قام بإعادة تنظيم شاملة لهيكليته التنظيمية والعسكرية والإدارية والشرعية، ولكن من غير المعروف فرص قيام التنظيم بتكرار أخطائه التي قد تكون سبباً في انهياره بشكل كامل على المدى المتوسط، ومن أهمها:

أولاً: الأخطاء الإستراتيجية الكبيرة التي وقع فيها (تنظيم الدولة) والتي منها إعلان الدولة التي لم يحسب كيفية الدفاع عنها ومواجهة التفوق الجوي للطرف الآخر.

ثانياً: غياب الرؤية لدى التنظيم حينما قام بفتح المواجهة مع الأكراد واليزيديين، وهو ما تسبب في فتح جبهات جديدة، في حين كان يبدو أنّ هدفه يتحدد باستهداف بغداد.

ثالثاً: تكفيره للحاضنة الاجتماعية التي استغلها وانتشر وتمدد من خلالها، وفشله في بناء نظام متسامح، وهو أمر تسبب بمآسي كبيرة للسكان الذين خضعوا لحكمه، ومن بين ممارسات التنظيم هذه منع خروج السكان من مدنهم، وتعريضهم لمخاطر الحرب والقصف وسقوط آلاف القتلى منهم فيها.
رابعاً: فشله في تقديم مشروع سياسي أو قيادات سياسية مقبولة تؤدي دورها الريادي في قيادة مشروع واضح المعالم يقود للأمن والاستقرار، فهناك رفض كامل له ولمشروعه مهما فعل لأنّ هناك فقداناً للثقة بهذا التنظيم، فضلا عن الصراع بين أفراد التنظيم أنفسهم، حيث تُبنى علاقاته الداخلية ومع المحيط الاجتماعي على الخوف، وهذا سبّب له خسارة كبيرة للحاضنة التي لا يستطيع العمل بدونها.
خامساً: تعامل التنظيم بسياسة ردة الفعل، حيث ينتظر تحركات القوات الحكومية، كي يقوم بالرد عليها، مما أفقده زمام المبادرة.

غير أن سيناريو آخر يمكن أن يظهر في حال تعامل (تنظيم الدولة) بطريقة مختلفة مع أخطائه الاستراتيجية، والتوقعات هنا تتجه إلى:

أولاً: أن يواصل التنظيم عملياته العسكرية المتفرقة بما يمتلك من إمكانيات قتالية باتت محدودة، وهذا سيستمر لحين خروج تنظيمات أخرى قد تكون أوفر حظاً منه.
ثانياً: ظهور الجيل الثالث من التنظيمات المتطرفة، فقد مثلت القاعدة الجيل الأول، ثم خرج من رحمها (تنظيم الدولة) ليشكل الجيل الثاني، فيما يمكن توقع أن يكون الجيل الثالث أكثر قسوة وحذرا، وهناك بعض التسميات التي ظهرت مؤخراً لتنظيمات متطرفة مسلحة، مثل الرايات البيض وحراس الدين، ولكنها لا تمثل بالضرورة هذا الجيل الثالث. وقد نشهد ظهور تنظيمات جديدة خلال الفترة المقبلة، علما أنّ مثل هذه التنظيمات تحتاج إلى وقت طويل للإعلان عن نفسها، إذ تظهر في بدايتها كعمل جماعي إلى أن تصبح لها شوكة فعندئذ تظهر قيادات هذه التنظيمات. وربما نشهد ظهور تنظيم جديد يستفيد من أخطاء (تنظيم الدولة) وينتقدها ويحاول أن يخاطب الحاضنة والبيئة المحلية لتكون له مقبولية، وهذا يحتاج إلى وقت طويل ليستطيع العمل والظهور بقوة وقد يعتمد ظهوره على المتغيرات السريعة في المنطقة، ويعتمد على تطور الأحداث وخاصة التصعيد الأمريكي- الإيراني، وتطورات الأحداث في سوريا.
ثالثاً: قد يتحول التنظيم إلى منظمة أمنية سرية تقوم بعمل أمني فقط كون مكاتبه الأمنية لم تتعرض لأذى. وهنا أستبعد نهايته خلال الفترة القادمة وسيكون لتطور الأحداث وخاصة في العراق وسوريا الدور الكبير في تحديد مصير هذه التنظيمات.
خلاصات
لقد أصبحت هناك قناعة تامة لدى مراكز الأبحاث والدراسات والخبراء والأجهزة الأمنية والاستخبارية بأنّ الإعلان عن هزيمة (تنظيم الدولة) لا تتمتع بالواقعية والمصداقية، لأن المعطيات الحقيقية تختلف بشكل كبير. فقد كشفت الوقائع الميدانية عن حقائق مغايرة أشارت إلى إن التنظيم لديه القدرة والمرونة على التكيّف مع التطورات الميدانية، والتحول لحرب العصابات واللامركزية في العمل حيث تمكّن من إجراء عملية إعادة تنظيم هيكلة تنظيمية (إدارية وعسكرية) تتلائم مع المتغيرات الميدانية الجديدة، التي أفرزتها المواجهة العسكرية المباشرة على الصعيد الأمني والعسكري والإداري والشرعي، فالتنظيم يرى أنّه خسر معركة ولكنه لم يخسر الحرب بعد؛

وقد خسر (تنظيم الدولة) جميع المدن والأراضي التي سيطر عليها في العراق، ولكنه لا يزال ينفذ عمليات أمنية بمجموعات صغيرة متحركة لا يستهدف فيها السيطرة على المدن والأراضي، وإنما القيام باستنزاف القوات الحكومية، فنهاية (تنظيم الدولة) في العراق لن تكون إلا بانتهاء الأسباب الموضوعية التي أوجدته وساعدت على ظهوره. ومن هذه الأسباب الفوضى السياسية والأمنية، نتيجة تفشي ظاهرة انتشار السلاح، وظهور الميليشيات المسلحة خارج إطار الدولة، وتردي الخدمات، والاستبداد السياسي والفساد والغبن الاجتماعي، وعدم توفر العدالة والسياسات الطائفية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة.

إن تضارب المصالح بين الفاعلين يجعل التنظيم يستفيد منها ويعيد ترتيب صفوفه، فهو يحاول التموضع في ثنايا الاختلافات المحلية والإقليمية والدولية ومنها: تصاعد حدة التهديدات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وتأثير هذه المواجهة المحتملة على الملف العراقي، وكذلك يحاول التنظيم أن يستغل ويستثمر حالة عدم الاستقرار السياسي الداخلي وضعف الحكومة المركزية وأجهزتها الأمنية، والاستفادة من الخلافات الداخلية بين المكونات الرئيسية، والخلافات بين الكتل السياسية ضمن الطائفة الواحدة، وبين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم في كردستان، ويحاول التنظيم أن يوظف الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها الحشد الشعبي في المناطق السنية ليقوم بتجنيد الشباب فيها، وسيوظف أيضا عدم قدرة الحكومة على إعادة الإعمار لإيجاد حاضنة اجتماعية داعمة له.

ويقود استمرار التنظيم بتنفيذ عمليات الاستهداف لفئات معينة من الشعب مثل شيوخ العشائر والمخاتير وقيادات الحشد العشائري إلى إضعاف ثقة السكان بالقوات الأمنية التي تفشل في حماية المتعاونين معها، مما يخلق حالة من الذعر والفوضى وعدم التعاون المعلوماتي بين السكان والقوات الأمنية، مما يترتب عليه أن يتمتع التنظيم بنوع من المرونة لذا فإعادة النازحين إلى مناطقهم وخاصة الذين يمنعهم الحشد الشعبي من العودة إلى منازلهم بحاجة إلى جهد وقرار حكومي وأمني نافذ لإعادة تطبيع الأوضاع العامة، وفرض سلطة القانون وهيبة الدولة، بالإضافة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية التي دمرتها الحرب، وعودة الخدمات الأساسية وغيرها.
ويبدو أن (تنظيم الدولة) قد أدرك متأخراً أنّ الحرب النظامية لا يمكن الاستمرار بها مع قوات تتفوق عليه من النواحي التسليحية واللوجستية، بالإضافة إلى التفوق الجوي والقدرة البشرية والمادية التي يفتقدها التنظيم.

وبرغم خسارة التنظيم للمدن الكبرى في العراق وسوريا والاستنزاف الواسع لقدراته البشرية والمادية، إلا أنه لا يزال يشكل تهديداً حقيقياً، خصوصاً وأنّه انسحب من الكثير من المدن في العراق بدون قتال تاركاً بعض وحدات التعويق، لذلك جاء رد التنظيم سريعاً على إعلان النصر الذي أعلنته الحكومة العراقية في 9 ديسمبر/كانون الأول 2017م بسلسلة من العمليات في مناطق متفرقة من العراق، وذلك من خلال القيام بعمليات الخطف والاغتيال ونصب نقاط التفتيش الوهمية والكمائن، وبذلك فهو سيبقى يشكل تهديداً للأمن القومي، لكنه لن يستطيع السيطرة على المدن كما حصل بعد حزيران عام 2014.

وقد تظهر تنظيمات جديدة تكون أشد قسوة من (تنظيم الدولة) بعد أن تقوم بانتقاد الأخطاء التي وقع فيها التنظيم لكي تكون لهم مقبولية، ولكسب الحاضنة من جديد، وهذا يحتاج إلى وقت طويل. وستحاول هذه التنظيمات أن تستفيد من تصرفات القوات الحكومية لتوظيفها، وخاصة وجود الحشد وسيطرته على المناطق السنية، بالإضافة إلى الانتهاكات الخطيرة والتي قامت بها القوات الحكومية في أثناء استعادة المناطق ومن ضمنها المغيبين قسراً، ومنع المهجرين من الرجوع إلى منازلهم، والخلافات السياسية بين الكتل السياسية في العراق.

المصدر : http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2019/02/190220080722706.html