مقدمة للوضع الا قتصادي العام في العراق:

يعاني الاقتصاد العراقي من مشاكل كثيرة وكبيرة، ابتداء من تفشي البطالة وانعدام الصناعة وانهيار البنية التحتية وضعف أداء القطاع الزراعي والتجاري وصولاً إلى استشراء الفساد الإداري والمالي وغياب القانون وفقدان النزاهة وتعاظم المشكلات الأمنية، فإن هذا الواقع يترافق مع وجود عملية سياسية مشبوهة تشوبها كثير من علامات الاستفهام حول أدائها ومهامها وطريقة تشكيلها.

وفي العراق لا يمكن أبدًا تحقيق أي تقدم أمني وسياسي واجتماعي من دون تحديد المشكلات الاقتصادية من أجل معالجتها قبل كل شيء، فالتنمية الاقتصادية في العراق معطلة ومشلولة أو متوقفة بالكامل، والسبب يعود إلى غياب الخطط الإستراتيجية والوعي الاقتصادي لدى العاملين في هذه المؤسسة المهمة والذين يفتقرون إلى المهنية الاقتصادية في أداء العمل ووضع الخطط اللازمة لاستئصال الفقر محلياً واعتماد الدخل القومي للبلد على البترول في صناعة اقتصاده الذي من المفترض أن يكون اقتصاداً متعدداً وليس أحادي المصدر.

فانعدام دور الدولة وغياب الخطط التنموية وعدم معالجة الدستور للقضايا الاقتصادية، ولتحديد النظام الاقتصادي وتوجهاته وتحديد دور الدولة في إدارة السياسات الاقتصادية أمر غاية في الأهمية، فمعالجات الدستور للقضايا الاقتصادية غير دقيقة وناقصة ولم تستكمل بالقوانين ذات العلاقة، ولم تكن واضحة ودقيقة في نفس الوقت، بالإضافة إلى حصول تناقضات بين آلية تبني الاستيراد وضعف التصدير وتراخي حركة السوق وبرامج التمويل والخصخصة، وعدم وضوح الخطط التنموية الحديثة للقطاعات الاقتصادية، والاعتماد على طرق تقليدية وكلاسيكية في إدارة توازنات السوق الداخلية والخارجية، مما ترتب على ذلك تبديد الثروات وضياعها وعدم تحقيق نمو وتطور ملموس طوال السنوات الماضية.

لذا فإن اعتماد إستراتيجيات ملائمة وفعالة لحالة الاقتصاد العراقي وقطاعاته الأساسية مع توفير البيئة المناسبة لذلك يتطلب اعتماد مهام وأهداف صحيحة وسليمة للسياسة الاقتصادية العراقية، وفي مقدمتها وضع أولوليات استثمارية وبنى تحتية لازمة وفق معطيات واقعية، إضافة إلى تحديد موقف آلية السوق وعملية التمويل والنظرة بواقعية دقيقة نحو دور ومهام القطاعات الخاصة، بالإضافة إلى تنويع الاقتصاد العراقي من أجل تخفيف أحادية القطاع النفطي وزيادة مساهمة قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة وإستراتيجية القناة الجافة لتنشيط التجارة والترانزيت عبر الأراضي العراقية، بالإضافة إلى استثمار الموارد البشرية بالشكل الصحيح من خلال وضع الخطط ورسم السياسة الاقتصادية الرصينة.

فالمشاكل السياسية هي التي تقف وراء فقدان الأمن الذي عزز انعدام التقدم الاقتصادي نتيجةً لأسباب كثيرة، أهمها تعدد الكتل والأحزاب السياسية وعدم اتفاقها على برنامج موحد، وبالتالي إلى التقاطع والتضاد لتعطيل برامج النهوض الاقتصادي في جميع المجالات، فالصراعات السياسية وعملية المحاصصة جعلها تعمل بحسب الانتماء والولاء السياسي والحزبي، والذي نتج عنه عدم وجود تنمية اقتصادية حقيقية إنما تنمية لخطط استهلاكية جعلت المجتمع استهلاكيًا وغير منتج، وهذا ما أسميه تنويماً مغناطيسياً للمجتمع لإبقائه أداة ضعيفة يمكن السيطرة عليها كلياً، كما أن المشكلات السياسية والصراعات الحزبية والمحاصصة الطائفية تسببت بانعدام وغياب الرؤى الاقتصادية والخطط التنموية والإستراتيجية القادرة على حل المشاكل كافة التي يعاني منها الاقتصاد العراقي.

وعدم وجود جهاز مهني وإداري يستطيع إدارة الاقتصاد ومؤسساته بكفاءة ومهنية في ظل تفشي حالة الفساد المالي والإداري واللجوء إلى الحلول الارتجالية أدى إلى حدوث نتائج سلبية تسببت بهدم الاقتصاد العراقي في جميع قطاعاته.

التحديات التي يواجهها العراق في نظامه الاقتصادي وتقف أمام نهوضه وتقدمه:

إن إيجاد أي إستراتيجية للخروج من الوضع الاقتصادي الحالي في العراق ينبغي أن تركز على تحقيق هدف الاستقرار الاقتصادي، في ضل الأحادية الشديدة التي لايزال يتجه إليها الاقتصاد العراقي، بعد أن أخذت إيرادات النفط وما تتركه من صدمات عرض خارجية إيجابية أو سلبية تشكل مركز الثقل في تقرير حالة الاستقرار الاقتصادي الداخلي والخارجي، على أن تعمل تلك الإستراتيجية، في الوقت نفسه على نقل الاقتصاد العراقي من مرحلة الاقتصاد السلطوي الشمولي إلى اقتصاد يقوم على نظام المنافسة والكفاءة والسوق الحرة وتفعيل الخطط بعيدة المدى.

 ولتحقيق تلك الأهداف لا بد من وضع الآليات والسبل الكفيلة بتصحيح المسار الحالي من خلال بتبني إستراتيجية تنموية تضمن الوصول إلى تحقيق الكفاءة في استخدام الإيرادات النفطية، وكيفية الانتفاع منها، بتوجيهها نحو تمويل الاستثمار في رأس المال الإنتاجي المباشر والاستثمار في رأس المال الاجتماعي، للوصول إلى تحقيق هدف التنويع الإنتاجي من جانب، وتهيئة المناخ الاستثماري الملائم، والكفيل بجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتعزيز حالة التنافس بين القطاعين العام والخاص وعلى أساس اعتبارات الكفاءة الإنتاجية والخضوع لقوى السوق.

وتشمل مجموعة التحديات والخصائص الهيكلية الاقتصادية المرتبطة بالاقتصاد العراقي كاقتصاد نفطي ريعي، وحالة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، ومن أبرز تلك التحديات:

1- الاختلالات الهيكلية

تشمل مجموعة الاختلالات، المرتبطة بهيكل الاقتصاد العراقي كاقتصاد شديد الأحادية تشكل فيه إيرادات النفط مركز الثقل في حركتي الموازنتين الداخلية والخارجية، ناجمة عن هيمنة قطاع النفط الخام على المساهمة الرئيسة في الناتج المحلي الإجمالي وعلى المتغيرات الاقتصادية الكلية الأخرى وعلى حساب التخلف النسبي لبقية القطاعات الإنتاجية وخاصة القطاعات الزراعية والصناعية، وتفاقمت تلك التحديات بعد الزيادة الهائلة التي حدثت في إيرادات النفط وما تبعها من إفراط في إنتاج النفط، واستغلال عشوائي لإيرادات النفط الصفقات المشبوهة وبرامج التسليح التي شابها الفساد، بالإضافة إلى الإفراط في صفقات أخرى (أمنية وخدمية) من دون أن يرافق ذلك سعي جاد إلى توظيف تلك الموارد في توسيع الاستثمار الإنتاجي وتوسيع الطاقات الإنتاجية غير النفطية والاستثمارات التنموية المادية والبشرية الأخرى، الأمر الذي قلل من فرص التنويع الإنتاجي وعمّق من ظواهر الاختلالات الهيكلية، ومنذ ٢٠٠٣ دخل الاقتصاد العراقي في حالة من الركود التضخمي طويل الآجل، وتفاقمت تلك الأزمة البنيوية الحادة بعد الحرب الأخيرة مع عناصر تنظيم الدولة (داعش) التي ألحقت أفدح الأضرار بالبنية التحتية والإنتاجية واستمرت تلك الأزمة بالتفاقم حتى الآن.

2- عدم الاستقرار السياسي

إن التغيرات السياسية وتعدد سلطة القرار الحكومي وغياب القيادة المركزية، كوَّن صدمات عنيفة ومفاجئة، وحرم ذلك عملية التنمية الاقتصادية وتطورها من حالة الاستقرار والاستمرار الضرورية، ونجم عن ذلك فشل المخططين والمنفذين في إنفاق الأموال المخصصة في برامج الخطط الاقتصادية وفي القطاعات كافة، وفق معيار كفاءة الأداء أو كفاءة الإنفاق.

 فضعف دور الهيئات الرقابية جعل القوى الفاعلة في العملية السياسية المكونة من (الطوائف والمكونات القومية والأحزاب)، جعل هذا الوضع الأولوية في اختيار الوزراء وموظفي الدولة الكبار تجري وفق اعتبارات المحاصصة السياسية والطائفية، وعلى حساب التخصص الأكاديمي والكفاءة والنزاهة، وشكل هذا العامل تحدياً خطيرًا أسهم في تعميق حالة الصراع والعنف وتعطيل عملية التنمية وإعادة الإعمار.

3- تبعية الإنفاق الاستثماري لظروف الموازنة العامة

ربطت السياسات الاقتصادية الحالية إنفاقها الاستثماري بالزيادة في الإيرادات النفطية من دون مراعاة حدود الطاقة الاستيعابية للاقتصاد، أو مدى توفر المتطلبات التكنولوجية والبشرية المتخصصة، هذا الأمر جعل التخصيصات الاستثمارية الموجهة نحو جميع الأنشطة الاقتصادية، متغيرًا تابعًا لظروف الموازنة العامة التي هي بدورها متغير تابع لإيرادات النفط، فعند ارتفاع نسب العجز في موازنة الحكومة، نتيجة لتراجع الإيرادات النفطية يتم التركيز على تلبية متطلبات وتغطية نفقات الشق الجاري من الأنفاق والتضحية بالشق الاستثماري، وهذا ما يحصل عادة في معظم مراحل التنمية في العراق، بسبب تبنيها سياسة الاندفاع نحو تحقيق أقصى قدر من إيرادات النفط من دون رؤية عقلانية واضحة، وإستراتيجية اقتصادية محددة، لذا فهي أخفقت في تحقيق هدف الاستغلال السليم للإيرادات النفطية في المصادر النفطية المتاحة.

4- فشل السياسات الاقتصادية

تكشف المراجعات والدراسات المعمقة للسياسات الاقتصادية في العراق عن الدور الخطير لتلك السياسات، سواء في جانبها المالي أو النقدي أو التجاري أو الصناعي أو الزراعي أو غيرها من السياسات في ظاهرة سوء استخدام إيرادات النفط في العراق، وما ترتب عليها من تدهور في مستويات الإنتاج والإنتاجية في مختلف الأنشطة الاقتصادية وضعف مستوى التنويع الاقتصادي، وتعميق مظاهر الاختلال والتشوه في الاقتصاد العراقي، التي كان من أبرزها التشوه في الهيكل الاقتصادي نتيجة لهيمنة القطاع النفطي وتراجع القطاعات السلعية وفي مقدمتها القطاع الصناعي والزراعي وقطاع الكهرباء والمياه، فضلاً عن انخفاض مستوى سعر صرف الدينار، والتشوه في نظام الضرائب والأسعار، كذلك الإفراط في هيكل أسعار الفائدة، والتشوه الناتج عن عدم التنسيق بين السياسات الاقتصادية الكلية، وتشوهات في توزيع الدخل والثروة، فقد فشلت معظم إجراءات السياسات الاقتصادية في العراق سواء في جانبها المالي أو النقدي أو التجاري أو الصناعي أو الزراعي أو غيرها من السياسات وكان من أبرز ملامح هذا الفشل:

أ- فشل سياسة التطور الزراعي الذي عكسه التراجع المستمر في مساهمة قطاع الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي وهبوط الإنتاجية الزراعية وأدى ذلك إلى تحول العراق إلى بلد مستورد ومستهلك.

ب- فشل سياسة الإنتاج الصناعي الذي عكسه التراجع المستمر في مساهمة قطاع الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي وفي التشغيل، فضلاً عن الفشل في بناء الهيكل الصناعي، والاعتماد شبه الكلي.

ج- فشل عمل آليات السوق الحرة كنتيجة للتشوه في سعر صرف الدينار، وفي أسعار السلع والخدمات ونظام الضرائب، بالإضافة إلى نظام توزيع الدخل والثروة.

5- الاختلال الأمني:

ارتبط هذا التحدي بانهيار مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وتراجع دور النظام القانوني بعد انهيار الحكومة بمؤسساتها كافة وتحول العراق إلى دولة تسيطر عليها فوضى في إدارة المؤسسات، وما رافق ذلك من فشل في حماية حدود العراق الممتدة قرابة (3650) كيلومتراً مع كل من إيران والسعودية وسوريا وتركيا والكويت والأردن، وهيأت تلك الظروف المناخ المناسب لظهور المجاميع والعصابات والميليشيات، مما زاد من المشهد الأمني تعقيداً بروز ظاهرة المحاصصة والاستقطاب الطائفي وممارسات التمييز والتنازع على السلطة التي هيمنت على المشهد السياسي بعد 2003. 

وقد ألحقت كل تلك التطورات أفدح الأضرار بالبنية التحتية والإنتاجية، فضلاً عن الاستهداف المباشر لحياة المواطنين، ومن الطبيعي أن يقود استمرار هذا التحدي اليومي إلى منح الأولوية في التخصيصات للجانب الأمني وعلى حساب عملية إعادة الإعمار والتنمية، ومع ذلك وبعد أكثر من ١٥ سنة لا يزال الملف الأمني يشكل تحدياً خطيراً يواجه عملية التنمية والانتقال في العراق في ظل استمرار الصعوبات التي تواجه عمليات وفرض القانون والنظام العام والعدالة بين المواطنين.

6- البطالة

تفاقمت أزمة البطالة نتيجة لاستمرار تدهور الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي وعدم اتخاذ الإجراءات الاقتصادية الصحيحة، وتأهيل الصناعات الرئيسية، وخاصة منها طاقات إنتاج الكهرباء ومياه الشرب، وتقديم الخدمات العامة، وبفعل تراكم تلك الأخطاء والإخفاقات أصبح أكثر من نصف شباب المدن العراقية عاطلين عن العمل، في حين لا تتجاوز مشاركة المرأة في القوة العاملة 19 في المائة، وهذه البطالة في معظمها بطالة هيكلية ناجمة عن توقف قطاعات الإنتاج الرئيسة وبخاصة قطاع الزراعة والصناعة التحويلية ومعظم الأنشطة الخدمية، وبحسب إحصائية الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط العراقية فإن نسبة البطالة بين الشباب للفئة العمرية بين 15 إلى 29 سنة بلغت 22.6% بارتفاع عن المعدل الوطني بلغ 74%، ما يعني أن البطالة لدى الذكور لهذه لفئة بلغت 18.1%، في حين بلغت البطالة لدى الإناث نسبة 56.3%، وتبلغ نسبة معدلات مشاركة الشباب في القوى العاملة36.1%، وتشكل نسبة الذكور من القوى الفعلية العاملة  61.6% مقابل 8.8% للإناث الشابات، ويأتي ذلك تعزيزاً لإعلان صندوق النقد الدولي في أيار 2018 أن معدل بطالة الشباب في العراق تبلغ أكثر من 40%.

7- الفقر

تعد ظاهرة الفقر اليوم من المعضلات الرئيسة التي تواجه عملية التنمية بعد أن وصلت نسبتها إلى أكثر من ٤٠٪ من السكان، ويعود ارتفاع هذه النسبة إلى ارتفاع معدلات البطالة واستمرار التحدي الأمني وركود النشاط الاقتصادي، وعدم حصول تحسن واضح في مستويات دخل الفرد، كما أدى الارتفاع في معدلات التضخم وبخاصة الارتفاع في أسعار المشتقات إلى تخفيض مستوى الدخول الحقيقية على الرغم من الزيادات المستمرة في الدخول النقدية، ووفر هذا الوضع مجالاً رحبًا لتجنيد كثير من سكان الأحياء الفقيرة في الأعمال الإجرامية أو دفعهم إلى الانضمام للميليشيات المسلحة، بالإضافة إلى التسبب بارتفاع معدلات جرائم السرقة والاختطاف والمظاهر الأخرى التي شوهت صورة المشهد الاجتماعي في العراق.

8- تفشي الفساد

شكل استفحال ظاهرة الفساد بعد عام 2003 أحد التحديات الرئيسة التي واجهت عملية التطور الاقتصادي في العراق، فقد أدى انهيار مؤسسات الدولة القانونية والفوضى التي رافقت إدارة الاحتلال، والسلطة الأحزاب المتنفذة والميليشيات والعصابات المنفلتة، إلى تهيئة الظروف المناسبة لممارسة الفساد على نطاق واسع، ولم تعد ممارسة الفساد حكرًا على وزراء الدولة وموظفيها الكبار، بل أخذت تمتد إلى مختلف أركان الجهاز الإداري والقضائي والأمني والتعليمي والمؤسسات الإنتاجية والإنشائية والخدمية في بغداد والمحافظات الأخرى كما أدت ظاهرة الحزبية إلى سيطرة عدد من المتنفذين المنَظمين، الذين حولوا الفساد المالي والإداري إلى ظاهرة أخطر من الإرهاب في تأثيراتها السلبية على الدولة والمجتمع، وبفعل هذه التطورات أخذ العراق يحتل المراتب الأولى في الفساد ضمن تقارير منظمة الشفافية الدولية.

الموازنة الاتحادية لسنة ٢٠١٩ وتحدياتها:

إن الاقتصاد العراقي الراهن لا يدعو إلى التفاؤل، لأنه يشكل صورة عشوائية مبنية على حقائق غير مفرحة وغير مشجعة، والسبب لا يعود إلى شح الموارد فحسب، إنما في كينونة النظام الاقتصادي وعدم قدرته على الخروج من الحالة التنموية المريضة التي يعيشها، إضافة إلى الأزمات والتحديات الاقتصادية التي تواجه البلد، وهذا ما تمت قراءته من خلال الموازنة الاتحادية لعام 2019 ، والتي أقرها مجلس النواب قبل أيام، حيث اعتمدت سعر النفط أعلى مما هو عليه من أسعار معتمدة في السوق العالمية، وأنه لأول مرة في التاريخ يعتمد سعر النفط 56 دولارًا للبرميل ضمن الموازنة في حين أن أسعار النفط لم تتجاوز 52 دولارًا للبرميل  الواحد في الأسواق، بالإضافة إلى أن النفط العراقي يباع بخصومات وبسعر 45 دولارًا للبرميل، أي أن حوالي 11 دولارًا بين سعر الموازنة والسعر المعتمد، فيكون حينها دون المستويات الحالية مما يؤدي إلى زيادة مستوى العجز.

وإن لم تؤخذ بنظر الاعتبار تأثير مسألة انخفاض أسعار النفط وارتفاع مستوى العجز سوف على سعر الصرف واستقرار العملة المحلية، ومن يدرك ذلك لا يستطيع أن يتخذ القرار بهذا الصدد، لأنه سيواجه قرارات من جهات تطلب منه أن يتوافق معها، وأن غياب مبدأ توازن السلطات في ظل الديمقراطية الحالية، تسبب بتصارع السلطات الذي خلق العجز عن حل المشكلات الهائلة التي تواجه الاقتصاد العراقي.

ومن أهم التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق طوال تلك الفترة، هو اعتماده الكلي على النفط، الذي من غير المؤكد أنه سيستمر في توفير الإيرادات التي عهدناها في السنوات الماضية، وأن مستقبل النفط مظلم والتطورات التكنولوجية والجيولوجية والدراسات الإستراتيجية الاقتصادية تشير إلى أن النفط سوف يتراجع كمصدر للطاقة، خصوصاً إذا ما علمنا أن الطاقة البديلة في السيارات والنقل بدأت تتصاعد لتتحول نحو الطاقة الكهربائية، وأن مصادر الطاقة المتجددة بدأت بالظهور بشكل كبير جداً، حيث إن أسعار النفط قد تتراجع خلال الخمس سنوات القادمة إلى مستويات منخفضة جداً دون 30 دولارًا وهذا ما يشكل كارثة أمام الاقتصاد العراقي لأنها لا تسد في الأساس حتى تكاليف إنتاجها.

وبما أن الاقتصاد العراقي يعتمد بحوالي 95 بالمائة في تمويل الموازنة العامة على النفط، ولأن 50 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي يتأثر بقطاع النفط بشكل مباشر وغير مباشر، فإن انهيار أسعار النفط سوف يشكل الكارثة الكبرى الاقتصاد العراقي وتأثير ذلك الخطر على الدخل الفردي والقومي.

ومن بين التحدیات التي يواجهها الاقتصاد العراقي أيضًا، ریعیة الاقتصاد العراقي وانكـشاف الاقتصاد العراقي للعالم الخارجي وبدرجة عالیة كنتیجة طبیعیة لتدني مـساهمة القطاعات السلعیة (باستثناء النفط طبعًا) في تولید الناتج المحلي الإجمالي والتي وصلت لمستويات متدنية للغاية، والتي تفسر حاجة العراق إلى زیادة استيراداته لتغطیة الطلب المحلي المتزاید على إثر تزاید حجم النفقات التشغیلیة في الموازنة العامة، وأبلغ دلالة على هـذه الحقیقة هي ارتفاع المحتوى الاستیرادي لمكون العرض الـسلعي في السوق العراقیة مقارنة بالمحتوى المحلي، أما الدور المحدد للقطاع الخاص فيكون في العملیة التنمویة بدلالة انخفاض نسبة مساهمته في النشاط الاقتصادي، وتولید فرص العمل وتغطیة الزيادة في الطلب المحلي وتمویل الاستثمارات، مما جعله قطاعًا غیر مرن لا یمكنه الاستجابة الـسریعة للتغیرات المستهدفة في خطة الاقتصادیة، مالم یتم تهیئة بیئة أعمال مناسـبة وجاذبة تمكنه من أن یكون قطاعًا تنافـسیًا وتفاعلیًا.

ومن التحديات الأخرى مشكلة المياه وغياب الدراسات والسياسات المائية، لأن عدد السكان يتزايد في العالم وفي دول المنبع تحديدًا مثل تركيا وإيران، والمياه التي تأتي إلى العراق تتناقص بشكل مستمر، وهو ما يسبب تغيرات بيئية كبيرة، بالإضافة إلى الانهيار التام للقطاع الزراعي، وإذا ما تضافر عاملي النفط مع قطاع الزراعة سيكون العراق أمام مجاعة كبيرة، لأن الزراعة بطبيعة الحال ستكون غير قادرة على توفير الغذاء ولا النفط قادر على توفير الإيرادات المناسبة لاستيراد الغذاء.

بالإضافة إلى أنه أمام هذه التحديات الكبيرة هناك تحديات آنية تبرز في إمكانية تطوير الصناعة العراقية وتوفير المصادر البديلة، لأن الطاقة الكهربائية في العراق تعاني منذ عقود من عجز كبير يتزايد سنة بعد أخرى، وأنه يترتب على نقص الكهرباء ليس فقط تأخر في معدلات النمو الاقتصادي، وإنما تزايد في المشكلات المجتمعية وتلكؤ في العلاقات الأسرية، وأن كل ذلك يحمل في طياته كوارث مستقبلية كبيرة قد يتعرض لها الاقتصاد العراقي.

وهذا يعزز أن الحكومة والسلطات الاقتصادية في العراق، تعتمد على مبدأ التوقعات والظروف الراهنة قد تحتمل تلك التوقعات، لذلك يجب الاعتماد على مبدأ أقل مما نتوقع، أي إذا كان سعر السوق 50 دولارًا للبرميل يجب أن نخفض تقريباً 5 إلى 7  دولارات أقل مما هوه عليه في السعر السائد، لأن أفضل التوقعات المعتمدة حالياً لا يمكن أن تكون حقيقية، بسبب الظروف السياسية والاقتصادية التي يمر بها البلد، ولأن العراق تشغله دول وأطراف أخرى، وأن السياسة المتبعة حاليًا لا يمكن للحكومة العراقية السيطرة عليها، بسبب وجود أطراف متداخلة في السياسة وبحسب مصالح تلك الأطراف المتمثلة بالولايات المتحدة وإيران والمحيط الإقليمي.

الاتفاقية العراقية الأردنية خطأ اقتصادي فادح:

خلال الفترة القريبة الماضية وقّع العراق والأردن اتفاقهما بشأن تجارة النفط والسلع خلال اجتماع بين رئيسي وزراء البلدين على الحدود العراقية الأردنية، ومن أهم بنود هذه الاتفاقية ما أعلنته رئاسة الوزراء الأردنية أن العراق سيبيع بموجب الاتفاق عشرة آلاف برميل من النفط يوميًا للأردن وبأسعار (خاصة)، على أن يتم نقل الكميات على متن ناقلات من حقول كركوك النفطية، ولم يتم التطرق إلى السعر أو موعد تصدير النفط، لأن السعر الذي تم الاتفاق عليه هو أقل من أسعار البيع العالمية الرسمية بكثير.

بالإضافة إلى أن السلع العراقية التي يجرى استيرادها عبر ميناء العقبة الأردنى المطل على البحر الأحمر ستحظى برسوم تفضيلية، إلا أن ميناء العقبة الواقع في الطرف الشمالي للبحر الأحمر ظل لزمن طويل مسارًا لنقل الواردات والصادرات العراقية، بينما تعتمد عمان منذ فترة طويلة على الخام العراقي.

كما أن الحكومة العراقية أعلنت أنها تسعى إلى تقليل الاعتماد على صادرات النفط في إيرادات الدولة، من خلال فتح منافذ استيراد جديدة وإعادة افتتاح المنافذ التي أغلقت بعد الحرب، بالإضافة إلى تكوين اتفاقيات يمكن من خلالها تنشيط الدور التجاري العراقي مع البلدان الإقليمية، إلا أن هنالك مخاوف كبيرة من أن يتم إغراق السوق العراقي ببضائع مستوردة، بسبب تخفيض الرسوم الجمركية وتأثيرها السلبي على الصناعات المحلية العراقية، ومن من أبرز بنود الاتفاقية منح خصم بنسبة 75 ٪ بالنسبة للرسوم الجمركية على البضائع التي يستوردها العراق عبر ميناء العقبة الأردني، وأن وجود بضائع أردنية منافسة للبضائع المحلية العراقية، أو بضائع أخرى تأتي إلى السوق العراقية عبر ميناء العقبة سوف تعمل على هدم الصناعة المحلية والاعتماد على المستورد منها، وهذا ما يحدث الآن من خلال إغراق السوق المحلية بالبضائع القادمة من إيران والصين وتركيا، والتي تكون منخفضة الكلفة قياسًا لما يتم اعتماده في السوق، ومع عدم وجود تكافؤ بين الصناعة العراقية الحالية والصناعة الأردنية أو غيرها من بضائع أجنبية تأتي عن طريق الأردن، وانعدام حماية المنتج العراقي وعدم تنشيط الصناعة المحلية لتوفير السلع ومنع دخول السلع الأجنبية من الدول الإقليمية، بالإضافة إلى وجود مخاوف من القطاعين الصناعي والتجاري من أن الإعفاءات الجمركية سوف تحجم دور الصناعات العراقية، وهذا يعني الاتفاقية العراقية الأردنية بنيت لمصلحة الجانب الأردني وبعض التجار المحليين على حساب الصناعة والمنتج الوطني العراقي.

إذن فهذا الكلام لا يحتاج إلى تفكير، فالجميع يدرك أن الاعتماد كليًا على إيرادات النفط في تكوين الدخل القومي العراقي هي من الأخطاء الإستراتيجية الخطيرة، ويعزز غياب الرؤيا الاقتصادية ورسم سياساتها الصحيحة، لكن الحكومة نسيت أن تبادلها التجاري سيكون أحادي الجانب، بمعنى أنها ستعتمد كليًا على الاستيراد، ولا يوجد تصدير للمنتجات العراقية لأنها معطلة كليًا ولا تتوفر صناعة أو زراعة محلية، فالأهمية الاقتصادية أن تكون الحكومة قد عملت على اكتفاء ذاتي من الزراعة والصناعة المحلية حتى تفكر بعدها بفتح قنوات تصدير الفائض للسوق العالمية أو سد حاجة البلدان المجاورة من تلك السلع والمواد، بالإضافة إلى ما سيتعرض له الجانب الصناعي والضريبي والتأثير المباشر على تشغيل الأيدي العاملة العراقية والمعامل والورش العراقية، لأن هذه الخطوة تشكل عاملًا سلبيًا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الاقتصاد الوطني والصناعة الوطنية العراقية.

المعالجات:

هناك عديد من الطرق التي يجب أن تتبعها الحكومة العراقية للنهوض بالواقع الاقتصادي وعدم الاعتماد على إيرادات النفط بشكل تام، لأن الاعتماد على مصدر واحد يؤدي إلى العجز في الموازنة وعديد من المجالات، وأنه يجب على الحكومة العراقية أن تظهر بدائل من خلال إيرادات أخرى مثل الرسوم الكمركية وفتح واستحداث منافذ اقتصادية جديدة وتفعيل الصناعة الوطنية ودعم مشاريع القطاع الزراعي طويلة الأمد، بالإضافة إلى دعم القطاعات الأخرى كالمشاريع الاستثمارية والقطاع الخاص، التي لم تنهض بها الحكومة السابقة بما فيها الزراعة والصناعة التي نراها مدمرة بالكامل، على الرغم من أن العراق بلد زراعي وصناعي”.

كما أن الاعتماد على سعر النفط هو اعتماد خاطئ، لأن أسعار النفط ليست بيد الحكومة العراقية وإنما بيد الأسواق العالمية المتغيرة، لذلك يجب الاعتماد على بدائل أخرى تستطيع الحكومة أن تسيطر عليها وتزداد من هذه الإيرادات لسد عجز الموازنة العامة، مشيرًا إلى أن البدائل للنهوض بالواقع الاقتصادي واضحة وموجودة، ولكن يجب أن تكون هناك أرضية ملائمة لكي تستطيع الحكومة أن تنهض بهذه البدائل التي تمتلكها ولم تستثمرها حتى الآن لتكون بديلاً لإيرادات النفط.

كما أن أي برنامج اقتصادي بعيد المدى يستهدف تحقيق عملية الانتقال في الاقتصاد العراقي، ينبغي أن ينطلق من التشخيص الدقيق للتحديات والعوامل التي أسهمت في استمرار المأزق التنموي، ويمكن أن تشكل التطورات الأخيرة وفي مقدمتها الاستقرار الأمني النسبي للمدن العراقية، ووجود انفتاح دولي وإقليمي على العراق يشكل مدخلاً مناسبًا لتحقيق هذا البرنامج، الذي ينبغي أن يركز على النقاط الآتية:

1- زيادة مساهمة الاستثمار الوطني والأجنبي في الناتج غير النفطي لرفع مساهمته في الناتج المحلي وفي الموازنة العامة.

2- ضمان التحول التدريجي إلى اقتصاد مؤسسي يخضع لشروط السوق الحرة.

3- اتخاذ الإجراءات الكفيلة بزيادة صادرات العراق السلعية الصناعية والزراعية وتقليص الواردات.

4- تطبيق مكثف لبرامج التنمية البشرية وبرامج إعادة تأهيل المهارات وتحسين الإنتاجية.

5- تخصيص الإيرادات النفطية لتمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات الاجتماعية الأساسية والمرافق العامة وإدخال التكنولوجيا المتقدمة في مجالات الإنتاج والاتصالات والمعلومات.

6- توفير بيئة اقتصادية مناسبة تعزز حالة التنافس بين القطاعين العام والخاص على أساس اعتبارات الكفاءة الإنتاجية والخضوع لقوى السوق، ومنح القطاع الخاص الفرصة الكاملة للقيام بدوره في عملية التنمية.

7- إعادة توزيع القوى العاملة على الأنشطة الاقتصادية بما يكفل زيادة مستويات الكفاءة الإنتاجية للعاملين.

8- تعزيز سلطة النظام والقانون.

9- اتخاذ خطوات جادة وفاعلة لمكافحة الفساد الإداري والمالي.

10- إعادة النظر في السياسات النقدية ووضع الحلول اللازمة للحفاظ على توازن سوق الأوراق المالية.

الخُلاصة:

ولزيادة الطاقة الإنتاجية لقطاعي الزراعة والصناعة في تكوين الدخل القومي واستغلال الموارد المعدنية الأخرى يجب الاعتماد على المعالجات التالية:

أولاً/ النهوض بالواقع الزراعي بالاعتماد على المحددات التالية:

1- تلبية احتياجات التنمية الزراعية من الآلات والمعدات والكمائن والمبيدات والأسمدة وكذلك ما يحتاجه الري من مضخات وشبكات ري بالرش والتنقيط والتركيز على إنتاج البدائل محليًا وإحلالها محل المنتجات المستوردة سواء كانت مواد غذائية أو مستلزمات إنتاج لتحقيق الفائض في ميزان المدفوعات .

2- التركيز على المشروعات الزراعية الخاصة بالمصانع كالطماطم والألبان لتوفير موادها الأولية والوصول إلى الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الإستراتيجية كالحنطة والرز والشعير.

3- تطوير الثروة السمكية والاستفادة من المسطحات المائية والأهوار والبحيرات.

4- إجراء المسح الدوري الخاص بالتربة واستكمال خرائط الملوحة لغرض رفع معدلات الإنتاج الزراعي مع ضرورة المواصلة في استصلاح الأراضي، وشق شبكات الري والبزل.

5- فسح المجال أمام الشركات الزراعية العراقية والعربية في مجال الاستثمار الزراعي بخطيه الإنتاج النباتي والإنتاج الحيواني .

6- مواصلة الجهود المكثفة لزيادة وتطوير الإنتاج الحيواني وفق برامج هادفة ودقيقة وليس كما هو معمول به في إعطاء سلف دون توجيه وضوابط مناسبة.

ثانياً/ لتطوير القطاع الصناعي لا بد من الاعتماد على الأساليب والمحددات التالية: 

1- تحسين النوعية ووضع مواصفات قياسية معتمدة لمختلف السلع الصناعية وتشديد الرقابة على النوعية لتعزيز ثقة المواطن بالمنتوج الوطني كما هو حاصل حاليًا في منتجات شركة عشتار للصناعات الكهربائية.

2- إنشاء وإقامة الصناعات التي تزيد من تشابك الصناعة بالزراعة.

3- التوسع في الصناعات التي تلبي حاجة المواطن كالغذائية والنسيج والأسمدة والسمنت والطابوق وحديد التسليح والزجاج ودعم صناعة الأخشاب والموبيليا.

4- منع استيراد السلع الكمالية وغير الضرورية كالعطور ومواد التجميل وفرض ضرائب عالية على التبوغ والسكائر .

5- إعادة تشغيل شركات التمويل الذاتي والاستفادة من كادرها المتمرس عمليًا خاصة التي كانت عاملة في مجال التصنيع العسكري.

6- تشجيع البحث العلمي والتطوير في المراكز المتخصصة واحتضان المواهب الشابة وأصحاب براءات الاختراع والكفاءات.

7- التوسع في الصناعات التصديرية للحصول على العملة الاجنبية بدلاً من عقد اتفاقات على فتح منافذ حدودية تعمل على دعم الاستيراد فقط.

ثالثاً/ إصلاحات في القطاع التجاري والمالي:

1- وضع ضوابط وشروط وفرض ضرائب على المستثمرين العراقيين الذين يوظفون رؤوس أموالهم في مشاريع صناعية وزراعية وتجارية في المحيط العربي وبالأخص لبنان والأردن وتركيا والإمارات.

2- التشديد في المنافذ الحدودية على المسافرين بعدم خروج المسوكات الذهبية والعملة الورقية العراقية والأجنبية إلا بحدود حاجة المسافر . 

3- منع السيطرة النوعية استيراد سلع ومعدات وآليات من مناشئ وأسواق غير موثوق بها من أمثال السيارات الصينية والإيرانية التي غزت السوق العراقية ولا تستقبل هذه البضاعة أي سوق أجنبية.

أحمد عيد

باحث اقتصادي