يبدو أن الايرانيين لم يكتفوا بالدور الذي تقوم به أدواتهم السياسية والعسكرية في العراق والمنطقة فقرروا النزول بأنفسهم للشارع بعد أن تهيئت لهم الأوضاع بشكل يتيح لهم القيام بزيارات ميدانية لبعض مؤسسات الدولة الرسمية وبعض المناطق المهمة كي يلتقوا بالقيادات المحلية والأمنية ويطرحوا مشاريعهم بصورة مباشرة، وهذا ما حصل في العراق بتاريخ 5 كانون الثاني عام 2019م حيث أظهرت لنا الصور التي تم التقاطها للسفير الإيراني مسجدي وهو يقوم يزور كلية الدفاع الوطني وكيف يقف أمامه عميد الكلية في مظهر يثير السخرية والاشمئزاز من هذا الخضوع والانبطاح غير المبرر وتبين أن السفير ألقى كلمة لطلاب وأساتذة الجامعة عن السيادة وكرامة الشعب! فهل يرى السفير هذا الفعل هو تعزيز للسيادة العراقية أم تعزيز للسيادة الإيرانية وإهانة للشعب العراقي؟ وكيف لهذه المؤسسة العريقة أن تستقبل سفير دولة أجنبية بهذه الطريقة المهينة للمؤسسة العسكرية العراقية والسيادة العراقية؟ ولماذا سمح للإعلام بتوثيق هذه الزيارة؟ ومن سمح لرئيس الجامعة الفريق الركن جميل الشمري بتقديم الدعوة للسفير الإيراني ليزور جامعة الدفاع الوطني دون استحصال الموافقات الرسمية بضوابطها الأمنية؟ أين وزارة الدفاع وأين الاستخبارات العسكرية؟ وما هي صلاحية هذا الضابط ليقوم بهذا الفعل؟ والسؤال هل تسمح إيران للسفير العراقي أن يقوم بمثل هذه الزيارات؟

يبدو أن محافظة صلاح الدين أصبحت محط اهتمام السفير الإيراني حيث زارها مرتين خلال الفترة السابقة ولكن يبدو أن زيارته الثالثة كانت مختلفة تماماً عن سابقاتها بسبب الأحداث التي توالت على هذه المدينة ففي تاريخ 22 كانون الثاني عام 2019م تم رفع دعوى قضائية من قبل رئيس مجلس محافظة صلاح الدين ضد الوقف الشيعي وأمين عام العتبة المقدسة التي تدير مرقدي الإمامين العسكريين دون إشراك الوقف السني الذي يمثل أبناء مدينة سامراء الأصليين بسبب إغلاقهم بعد عام 2007م المدينة القديمة وسد الطرق والمنافذ وغلق المحال التجارية والفنادق والمطاعم مما أدى إلى إلحاق ضرر كبير بأهالي المدينة ومنها شارع البنك وباب القبلة وشارع الشواف ثم ازداد الوضع تعقيداً بعد عام 2014م فأغلقت المدينة القديمة بالكامل، وتم تطويقها من خلال غلق سوق مريم وسوق القصاصيب فرحلت جميع أصحاب المحال التجارية ومنعتهم من مزاولة عملهم فيها علماً بأن المدينة القديمة لا تؤثر على محيط العتبة العسكرية وطالب بالدعوى إيقاف العمل في تطوير العتبة المقدسة وتعويض الأهالي بسبب ما أصابهم من ضرر مادي كبير بسبب الإغلاق المتعمد بحيث لا يسمح لهم بالوصول إلى ممتلكاتهم ومحلاتهم، ولكن يسمح لهم ببيعها بثمن يقل كثيراً عن قيمتها الحقيقية ثم نقل ملكيتها للوقف الشيعي والعتبة العسكرية.

تتولى قيادة عمليات سامراء وميليشيا سرايا السلام الملف الأمني لمدينة سامراء بعد تفجير المرقدين عام 2006م بحجة حماية المراقد المقدسة، ولكنه في الحقيقة هو مخطط كبير لبسط السيطرة على هذه المنطقة وتغيير ديمغرافيتها حيث استخدمت فيها شتى وسائل الضغط على أهالي المنطقة لإفراغها من سكانها الأصليين بالقتل على الهوية والتهديد والخطف والسجن وغلق المحلات والفنادق والمطاعم وإلقاء التهم الكيدية لإجبارهم على بيع أملاكهم للوقف الشيعي حصراً لإحداث التغيير الديمغرافي المطلوب في هذه المنطقة المهمة وجعلها مدينة دينية مقفلة رغم أن ساكنيها هم من العشائر العربية الأصيلة وغالبيتها من المكون السني وهذه كانت خطوة مهمة لتوسعة النفوذ الشيعي في المنطقة من خلال ابتلاع ما تبقى من أراضٍ ومحلات تجارية مهمة بمساعدة الميليشيات والقوات الأمنية في هذه المدينة.

في تاريخ 19فبراير/شباط عام 2019م زار السفير الإيراني في العراقي مدينة سامراء وهي الزيارة الثالثة لهذه المدينة وعقد اجتماعاً ضم مسؤولين محليين وقيادات أمنية حيث أثارت هذه الزيارة موجة انتقادات ساخطة في الاوساط السياسية والاجتماعية ومواقع التواصل الاجتماعي، وتوالت عليها الردود الغاضبة التي شجبت هذه الزيارة وسط موقف مخزٍ لحكومة بغداد التي صممت على هذه الزيارة التي تعتبر خارج الأطر والأعراف الدبلوماسية وتجاوزت مهمته كسفير لبلاده في دولة أجنبية حيث عقد اجتماعاً مع القيادات المحلية والأمنية وبين أن الأسباب المعلنة لهذه الزيارة هي لتسهيل مجيء الزوار الإيرانيين ودعم مشاريع التنمية وتشجيع الشركات الإيرانية على الاستثمار وطلب من الحكومات المحلية توفير الأرضية اللازمة لذلك.

والسؤال الذي يطرح لماذا لا يتكلم السفير مع وزارة الخارجية العراقية أو مع الحكومة المركزية في مثل هذه الأمور؟ ولماذا صممت وزارة الخارجية العراقية عن هذا التجاوز الكبير والتدخل بالشأن الداخلي العراقي؟ وما هذه التصرفات التي تخالف الدستور والبروتوكولات الرسمية؟ لماذا لم يلتزم بتعليمات وزارة الخارجية التي تحدد حركة ونشاطات السفراء والدبلوماسيين الأجانب المعتمدين لديها بمسافات معينة ومحددة؟ لماذا لم يقدم طلبًا رسميًا بهذه الزيارة وهل هي رسمية أم شخصية لزيارة المراقد في هذه المدينة؟ وأين جهاز المخابرات المعني بمراقبة حركة السفراء لضمان أمن البلد وهيبة الدولة وسيادتها؟ ولماذا يعامل المسؤولين العراقيين كعملاء لهم فعندما يزور إيران رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء لا يتم رفع العلم العراقي خلفهم كما يحصل في البرتوكولات الرسمية! ولماذا يوضع العلم الإيراني فقط! ولماذا يصمت الجميع على هذه الأفعال والتصرفات التي تعتبر غير لائقة  ؟ ولماذا لا يتم وقف هذا الإيراني عند الحدود الدبلوماسية والأعراف الدولية المتعارف عليها؟ أين السيادة يا حكومة بغداد ولماذا هذا الصمت المخزي؟

أما الأسباب الحقيقية لهذه الزيارة والتي لم يعلن عنها ولكن يتم تداولها بين كثير من الجهات والشخصيات السياسية والاجتماعية والإعلامية فهي أن سبب الزيارة أسباب طائفية تتعلق بمشروع تقسيم محافظة صلاح الدين إلى محافظتين بجعل مدينة سامراء محافظة تضم كل من منطقة مكيشيفة وبلد والدجيل وذراع دجلة بحث تصل إلى أطراف العاصمة بغداد وهو جزء من مخطط التغيير الديمغرافي القادم في العراق خصوصاً أنه تم منع كثير من المهجرين من العودة إلى منازلهم في مناطق كثيرة ومنها منطقة عزيز بلد وحتى الذين سمح لهم بالرجوع فقد كان ضمن شروط معينة منها بيع جزء من الأرض أو دفع مبالغ نقدية لقاء عودته والسؤال لماذا يتدخل سفير دولة أجنبية في هذه الملفات الداخلية؟ أنه ضعف الدولة بسبب فقدانها لقرارها السياسي والسيادي وتبعية كثير من الجهات السياسية والأمنية وولائها للخارج. 

ما ترتب على هذه الزيارة هو أنه تم التصويت في مجلس محافظة صلاح الدين في 25 شباط عام 2019م بالإجماع على إقالة رئيسه الكريم بعد أربعة أيام من زيارة السفير الإيراني لمدينة سامراء، وهذه تثير علامات استفهام كثيرة عن دور السفير الإيراني في إقالة أحمد الكريم رئيس مجلس محافظة صلاح الدين؟ والمتهم بقضايا فساد مالي وإداري وبسبب ضعف قدراته القيادية على إدارة المجلس وافتقاره إلى الدقة والتنظيم وكثرة سفره للخارج وتغيبه عن اجتماعات المجلس علماً بأن الكريم يشغل منصب رئيس مجلس محافظة صلاح الدين منذ التاسع من شهر حزيران عام 2013م حتى يوم إقالته أي ما يقارب الست سنوات وهو يشغل هذا المنصب فإذا كان لديه فساد وغير قادر على الإدارة لماذا لم تتم إقالته طوال هذه المدة؟ علماً بأنه لم تتم دعوته لحضور اللقاء الذي حضره السفير الإيراني في مدينة سامراء والتي يقيم فيها الكريم! وهذا يبين أن إقالة الكريم كانت لعدة أسباب منها رفع الدعوى على الوقف الشيعي والعتبة العسكرية وتحريض الناس على تقديم الشكاوى عليهم لأن أي معارضة أو أي صوت يعلو ضد التغيير الديمغرافي الذي يجري ضمن المخطط الإيراني الشيعي للمنطقة غير مقبول ويجب إسكاته وإبعاده وهذا هو السبب الرئيس للإقالة إضافة إلى الصراع السياسي والمالي بين الفاسدين من السياسيين في هذه المحافظة والمدعومين من قبل أطراف خارجية لتصفية الحسابات علماً بأن زيارة السفير جاءت بالتواطؤ مع بعض الفاسدين في المحافظة وهنا نحن لا نزكي أحمد الكريم من التهم التي الصقت به ولا نزكي أحدًا كان جزءًا من منظومة الفساد التي دمرت البلد طوال السنوات الماضية وهي لا تزال مستمرة في منظومة الحكومة الحالية التي تبدو أنها ليس بحال أفضل مما سبقها من حكومات فمتى تصحو يا عراق؟

                                                                    بقلم 

                                                          حاتم كريم الفلاحي

                                             باحث بمركز الرافدين للدراسات الإستراتيجية

                                                    5 مارس/آذار عام 2019م