بينما يعيش سكان إيران البالغ عددهم أكثر من 85 مليون نسمة وضعًا اقتصاديًا سيئًا، فإنّ أكثر من 33 %من الإيرانيين يعيشون تحت مستوى خط الفقر وفقاً للأرقام الرسميّة، بينما يسعى النظام الإيراني إلى دعم الميليشيات التابعة له في المحيط الإقليمي والاستمرار في سياسة تصدير ثورته إلى المنطقة معتمداً في ذلك على مصادر دخل ضخمة ومتنوعة تدر عليه مليارات الدولارات سنويّاً، ولا تزال إيران تسعى إلى فرض نفوذها على محيطها الإقليمي من خلال دعم ميليشيات موالية لها لتعزيز تجارتها غير الشرعية من جهة، وتنفيذ سياستها الإستراتيجية في المنطقة.

ومن خلال زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني، إلى العراق فإن طهران تحاول تعزيز تجارتها الخارجية خلال فترة العقوبات الأمريكية على البلاد، وتحت وطأة الأزمة الاقتصادية التي لا تزال تواجهها، بسبب الأزمة مع الولايات المتحدة الأمريكية، بعدما وقّع محافظا البنك المركزي الإيراني والعراقي، مطلع الشهر الجاري اتفاقية لتطوير آلية دفع تهدف إلى تسهيل العلاقات المصرفية بين البلدين والعمل والتداول بالعملة المحلية في محاولة لإنقاذ التدفق والسيولة النقدية الإيرانية.

نتائج وتأثيرات العقوبات الأمريكية على طهران

أظهرتْ التقارير أنّ حجم صادرات النفط الإيراني وصل خلال شهر أيلول/سبتمبر 2017 إلى3.81 مليون برميل يوميّاً بعد أن كان 3.79مليون برميل يوميّاً خلال شهر آب/ أغسطس، وذكر مسح أجرته رويترز في وقت سابق أنّ إيران عزّزت من إنتاجها النفطي إذ ارتفع إلى 20 ألف برميل يومياً آنذاك. 

ومن الجدير بالذكر أنّه مع بدء فرض العقوبات على إيران والبنوك الإيرانية التي طبقت منذ عام تقريباً، انخفضت صادرات النفط الإيراني بنحو 35 في المئة، أيّ نحو مليون ونصف مليون برميل يوميّاً، لكن هناك تقارير إعلاميّة أمريكيّة رجّحت لجوء الحرس الثوري الإيراني إلى عمليّات تهريب النفط والمنتجات الأخرى إلى خارج إيران، مع دخول العقوبات الأمريكيّة الخاصة بالطاقة حيّز التنفيذ، وهذا ما جاء في تقرير لمجلة” فورين بوليسي “الأمريكيّة بعنوان “الحرس الثوري الإيراني يلجأ مُجدّداً إلى تهريب النفط”، وقال التقرير: إن ميليشيات الحرس الثوري تجني مليارات الدولارات عبر عمليات التهريب، وأنّ النظام الإيراني يُنفّذ عمليِّات التهريب بغطاء بيع النفط الخام لجهات خاصّة داخل البلاد.

وفي آخر تصريح صدر عن وزارة الخارجية الأمريكية على لسان ممثلها الخاص “بريان هوك” الذي قال إن العقوبات على إيران حرمتها من إيرادات مادية بقيمة 10 مليارات دولار منذ 2017، مشيراً إلى أن العقوبات منعت طهران من تصدير 1.5 مليون برميل نفط يوميًا، وأن واشنطن توازن بين هدف وقف صادرات إيران النفطية وضمان استقرار سوق الخام، معتبراً أن وفرة المعروض في سوق النفط تسرع الخطط في وقف صادرات إيران بالكامل.

وفي وقت سابق، أكد وزير الخارجية الأميركي “مايك بومبيو” خلال أسبوع “سيرا” للطاقة في هيوستن، العزم على الوصول بصادرات نفط إيران إلى الصفر.!

هل تقف إيران مكتوفة أمام هذه السياسة؟ 

إيران دخلت السوق السوداء بقوة وعمليات غسيل الأموال فيها تجري من خلال منتجات الصناعات البتروكيمياوية، وإن عدد المنتجات التي يجري إنتاجها في صناعة البتروكيماويات تجاوزت المئة نوع من المنتجات المصنّعة، وتزايد الإنتاج في هذا المجال يُمكن أن يُؤدي إلى الحدّ من إمكانية التحكّم في تعاملات هذه الصناعة مقارنةً بمنتجات النفط والغاز التي تحتوي على منتجات محدودة، وبسبب أعداد المشترين الكبيرة لهذه المنتجات تتدنى إمكانية التحكم في هذه التجارة والتعاملات، وموضوع توسّع عمليّات غسيل الأموال التي تجري عن طريق بيع المنتجات البتروكيمياوية على شكل إيرادات وصادرات البتروكيماويات جميعها التي كانت أهم مصدر لتأمين البضاعة المُهرّبة من البلاد، والتي كان من المفترض أن يجري عرضها للبيع في النظام نفسه بتوجيه من البنك المركزي، حتّى يجري بيع الإيرادات النفطيّة في نظام العملات، إذ إنَّ الإيرادات النفطيّة، وسابقاً البتروكيمياوية كانت تُباع عملتها في السوق الحرة بدبي، وهذه العملة تنفق على الإيرادات القانونيّة وغير القانونيّة من دبي نفسها.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن معظم البتروكيماويات الإيرانيّة تُباع في الصين والإمارات والهند والعراق وأفغانستان وتركيا وباكستان وإندونيسيا وروسيا بسعر أقل مما هو عليه في الأسعار المحلّية بالأسواق، وهذه الدول تُقبل على تجاوز العقوبات بسبب رخص هذه المنتجات التي تستوردها من إيران لتخفيف حدة العقوبات عليها ولو بشكل نسبي، بالإضافة إلى جرائم غسيل أموال تجري في إيران ناتجة عن المعاملات غير القانونيّة مثل “تهريب البضائع”، إذ لا تخضع هذه المعاملات للرقابة الماليّة والقانونيّة، ومن أجل استخدام أموالها ضمن الأُطر الاقتصاديّة بشكل قانوني يجب أولاً أن تدخل وتُستعمل في المنظومة البنكيّة رسميّاً، وهذه الجرائم تُضاف إلى غسيل الأموال الذي يحصل في مجال الصناعات البتروكيميائيّة.

 زيارة روحاني إلى بغداد

مع تزايد وتنامي الأجواء المشحونة بالتوتر بين واشنطن وطهران، فإن زيارة الرئيس الإيراني “حسن روحاني” الأولى إلى بغداد والتي استمرت لثلاثة أيام، أُعلن من خلالها توقيع الطرفين خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم مشتركة مع العراق تتعلق بمنح تأشيرات الدخول والتسهيلات لرجال الأعمال، وتفاهمات في مجالات النفط والتجارة والصحة والنقل بحسب ما تم إعلانه، ونسبياً فإن أهمية الزيارة تكمن في تحدي طهران العقوبات الأميركية، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية مع بغداد، كما أنها نوع من استعراض قوة وسطوة وبسط للنفوذ الإيراني في العراق بزيارة معلنة، فضلًا عن أنها محاولة لرسم صورة عن انتقال إيران بعد تعاظم نفوذها في العراق من الحالة العسكرية الثورية والعمل الميداني والتعبوي إلى الحالة الرسمية البروتوكولية، وربط بغداد بطهران باتفاقيات قد تجرها إلى صراع مستقبلي أو ربط الحبل على العنق، لأن خطورة الزيارة وما تشكله للمستقبل تتمثل في استمرار استخدام طهران لبغداد، ومنع أي محاولة لجرها إلى المحور العربي أو الأميركي إن صح التعبير.

 كما أن هذه الزيارة هي محاولة واضحة للالتفاف على العقوبات الأمريكية والحد من خضوع الاقتصاد الإيراني إلى مزيد من إجراءات التضييق والاختناق، وأن طهران تسعى إلى إرسال رسائل مضادة إلى البيت الأبيض، وأخرى إلى الخصوم، مفادها إمكانية انفتاح إيران على البلد الذي سبق أن اجتاحته أمريكا وتواصل نشر قوّات عسكرية فيه.

لذلك فإن خيارات بغداد محدودة جدًا، لأنها وكما يقال “بين نارين “من جهة هي لا تستطيع التخلي عن المنتجات الإيرانية من السلع والطاقة، كما لا تستطيع تحمل أي عقوبات أميركية يمكن أن تشملها من جهة أخرى، لذا فهي لن تستطيع سوى طلب مزيد من الفرص الجديدة، أو دعوة الشركات الأميركية والعربية لمنافسة طهران للاستثمار في العراق.

الاتفاقيات والبنود غير المعلنة :

في حقيقة الأمر تعد هذه الزيارة ترقيعية بعد فشل الدبلوماسية الإيرانية في فك طوق العزلة عن طهران، وتصاعد ضغوط العقوبات الأميركية عليها، مما دفع روحاني إلى الإسراع في زيارة العراق بنفسه لتشجيع بغداد على تخفيف الضغط عن بلاده وتحديداً الضغط الاقتصادي، خاصة العراق لن يعاقب إيران، لكنه سيلتزم بالقرارات الأميركية دون أن يكون شريكًا فيها، كما أن الولايات المتحدة تبدو غير مبالية أو مكترثة بالإعلام الموالي لإيران في العراق والتصعيد السياسي والإعلامي الذي يمارسه مواليها ضد التواجد الأميركي في العراق، كما أن الحكومة العراقية حذرة جدًا من الوقوع في أي صدام مع الولايات المتحدة، فضلًا عن أن الميليشيات المسلحة والأحزاب المرتبطة بإيران تدرك أن هذا الصدام يمكن أن يكون مشكلة كبيرة تجاهها.

وتعزيزاً لما سبق يمكن القول إن هذه الزيارة تعد أعمق بكثير مما تم الإعلان عنه، وهذا ما بينه ممثل الخارجية الأمريكية الذي اعتبر أن إيران تريد تحويل العراق إلى محافظة إيرانية، متهمًا إياها بالسعي إلى فتح طريق عسكري سريع عبر شمال الشرق الأوسط يمكن استخدامه من قبل الحرس الثوري لنقل الصواريخ والأسلحة والمقاتلين إلى مناطق النفوذ الإيراني والميليشيات المرتبطة بها، بالإضافة إلى إعادة النظر باتفاقية الجزائر الموقعة عام ١٩٧٥ وما يتعلق بالملاحة البحرية وشط العرب، وإعادة رسم حدود العراق والتنازل عن حقل مجنون النفطي لإيران، والعمل الجاد من قبل طهران على توحيد الصف الشيعي ليواجه أي عمل مرتقب لإيران، أو استهدافها أو حتى تهديد نفوذها، أو ربما أي عمل مساعد لتل أبيب في حال شن سلاحها الجوي أي ضربات ضد مفاعلات إيران النووية، وهذه هي الأسباب الرئيسة التي دفعت روحاني إلى زيارة العراق.

                                أحمد عيد

                               باحث اقتصادي