مع الحديث عن إحتلال العراق وانهيار الدولة بمفهومها، وسيطرة الإحتلال الأميركي وحلفائه على العراق عام 2003، يتبادر الى الأذهان ذلك الغزو الرهيب للمعاني الإنسانية والأخلاقية بكل المقاييس، ليؤسس مرحلةً جديدة سطرت لإنهيار نظام ومؤسسات الدولة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية والأمنية، وتغيرت جميع المفاهيم التي قد ترتبط بالدولة واسست نظام عشوائي لا يرتقي حتى لأن يكون موازياً لأنظمة القرون الوسطى .

كان العراق قبل غزوه وإحتلال أراضيه دولة كسائر دول المنطقة رغم الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها للفترة مابين عامي ١٩٩١ – ٢٠٠٣م ، وكان النظام الاقتصادي آنذاك يتمتع بنوع من الإكتفاء الذاتي من خلال توفر وسائل الزراعة ودعمها بالإضافة إلى وجود صناعة وإنتاج محلي لعدد من السلع الغذائية، وكانت البنى التحتية أفضل بكثير مما هي عليه اليوم، رغم جميع الظروف التي رافقت ذلك الحصار .
ومنذ دخول قوات الإحتلال الأميركي العراق حتى هذه الساعة، عملت قوى الإحتلال ولاتزال تعمل للسيطرة على ثرواته ونهب خيراته، والهيمنة على كل أشكال الحياة، وتميزت هذه الفترة بالفساد المستشري وغياب الأمن والاستقرار.

ولو تطرقنا الى القطاعات الاقتصادية فالأوضاع أسوء بكثير مما كانت عليه، فقد أفرزت الأزمة المالية في العراق والتي تعتبر حصيلة لتراكمات الفساد المستشري منذ سنوات تتجاوز العقد من الزمان الكثير من المشاكل الإقتصادية، وأنتجت شعب يعاني الفقر بنسبة كبيرة، وانتشار البطالة بين صفوف الشباب بنسب تجاوزت الـ ٣٤ بالمائة، وترهل اداري في دوائر الدولة ومؤسساتها ، وتهريب الأموال إلى خارج العراق، وبالتالي بلد مدمر بفعل سياسة والمحاصصة الطائفية، واطلاق يد عدو العراق الازلي ايران، لتسرق مقدرات البلد وخيراته بشكل مباشر او عن طريق السياسة الاقتصادية البوليسية لسوق العصابات والميليشيات التي لا تزال يديها مطلقة في الكثير من المؤسسات الحكومية.

وعلى الرغم من غنى الإقتصاد العراقي، وما يمتلكه من ثروات نفطية وأموال هائلة، إلا أنه دخل في مرحلة الإنحدار طوال سنوات ماضية، وهذا يعني أنه يعاني من مشاكل كبيرة وخطيرة تضعه في وضع لا يحسد عليه، لأسباب متعددة أهمها انخفاض أسعار النفط العالمية، والفساد المالي والإداري الكبير الذي يستنزف موارده الاقتصادية والمالية، بالإضافة إلى غياب صناع القرار المتخصصين في الجانب الإقتصادي والمالي.
كما أن نسبة معدلات التدهور الإقتصادي العراقي من المتوقع أن تصل إلى ما دون معدل النمو الاقتصادي، وربما ترتفع نسبياً مع تزايد معدلات إنتاج النفط وإنخفاض معدلات الأسعار في السوق العالمية، أما إذا استمر انخفاض الأسعار فإن التدهور سيتزايد خلال الفترات القادمة، وهذا ما أتضح مؤخراً من خلال السياسة المالية الهشة وما تضمنته فقرات وبنود قانون الموازنة الإتحادية للعام الحالي، من حيث إدراج أسعار النفط في بنودها دون التوقعات الواقعية لتذبذب أسعار النفط في السوق.

ورجح صندوق النقد الدولي في وقت سابق أن يواصل النمو في القطاع غير النفطي بالعراق تدهوره أيضاً، بسبب تدمير البنية التحتية للمعامل والمنشآت الصناعية، وتعطل أعمال التجارة بسبب المحيط السياسي الإقليمي، وتكبد العراق خسائر كبيرة في الفترات السابقة، بسبب الحروب والصراعات الداخلية الأمنية منها والسياسية.

وربما يعتقد الكثير أن تحركات رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي وعقده العديد من الإتفافات الإقصادية مع دول الجوار وتحديداً الأردن وإيران والسعودية، أن هنالك تطور ونهضة إقتصادية ستلوح بالأفق لصالح الاقتصاد العراقي بشكل كبير، إلا أن الحقيقة أن ذلك بات بعيداً خاصةً بعد إعلان بنود الإتفاق الإقتصادي الذي وقع بين العراق وإيران والذي أثار العديد من نقاط الجدل، لأن غالبية البنود تصب في مصلحة الإقتصاد الإيراني فقط ، في ظل المأزق الذي تواجهه طهران بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة عليها، كونها بنيت على أسس المصالح السياسية وليست على أسس السياسة الأقتصادية المدروسة، بسبب الظروف السياسية الراهنة و الحصار المفروض على إيران، ما جعلها تفكر وتعمل وتبحث عن طرف آخر يضمن لها تحقيق مصالحها ، فهذه الإتفاقيات تدل على حيلة الجانب الإيراني باستخدامه العلاقات مع العراق لأجل تحقيق مصالح إقتصادية كبيرة.

لكن بالمقابل لا يزال الإقتصاد العراقي يعاني من تشوه هيكلي، كونه اقتصاد ريعي يعتمد على النفط، فإنه ضحى بالكثير في سبيل إبرام هذه الإتفاقيات، دون أن يلاحظ أهمية هذه الجوانب، حيث كان من الممكن للعراق أن يساعد إيران، وذلك بنقل مصانعها إلى داخل العراق واستثمارها، وفق قوانين تضمن الإستفادة الكاملة للأقتصاد الوطني، وبالتالي يتحقق انتاج محلي عراقي وبأيدي عاملة عراقية لصالح إيران وتشغيل جزء كبير من العمالة العراقية، بالإضافة إلى إغراق السوق العراقية بالمنتجات المحلية أيضاً، لكن للأسف الإتفاقيات لم تكن بعقلية اقتصادية وإنما جرت بعقلية سياسية وهذا الأمر أثر ويؤثر على الإقتصاد العراقي بشكل كبير، كما أن ريعية الإقتصاد العراقي ستزيد وبذلك عجز الموازين الاقتصادية، لا سيما الميزان التجاري العراقي لأنه سيخل بالتبادلات بسبب زياده الإستيراد، لأن هنالك سوق عراقية إستهلاكية وطلب شديد على المنتجات، وبالتالي يمثل العراق سوقاً واعداً لإيران، لكن غياب العقلية الأقتصادية في اماكن إتخاذ العراق كلف وسيكلف العراق الكثير.
كان من الممكن لصانع القرار العراقي أن يستثمر هذه الفرصة لكي يحقق شيئين، أولهماً امتيازات سياسية، وثانيهما مكتسبات اقتصادية لكن يبدو أن صنع القرار في العراق لايجري بعقلية اقتصادية إنما يُدار الأقتصاد العراقي بسياسة المكاسب والمصالح السياسية فقط، وهذا ما جعل الإقتصاد العراقي والسوق المحلية االعراقية تنزل وتتدنى لمستويات لا ترقى مع حجم الموارد التي يمتلكها العراق، والتي من الممكن أن تجعله منافساً عالمياً في مختلف المجالات الصناعية والزراعية والتجارية.