منذ أكثر 16 عاماً يعاني العراق من أزمة الكهرباء التي تُعد واحدة من أبرز الأزمات التي شهدتها البلاد، ولم تتمكّن من تجاوزها على رغم إنفاق نحو 41 مليار دولار في هذا القطاع أغلبها قروض أخذت من البنك الدولي ، مما يجعلنا في تساؤلات كثيرة أهمها : أين ذهبت أموال القروض السابقة؟ وكيف سيتم سدادها ؟ وهل هنالك ضمانات للبنك الدولي من أجل إعطاء العراق قروض جديدة تتجاوز الـ ١٤.٥ مليار دولار؟

فقد أعلنت وزارة الكهرباء العراقية بتاريخ ٣٠ نيسان ٢٠١٩ عن تفاصيل الاتفاق الذي وقعته الحكومة العراقية مع شركة سيمنز الألمانية في برلين، حيث ابرمت وزارة الكهرباء العراقية في مقر المستشارية الالمانية ببرلين، مع شركة سيمنز الالمانية، إتفاقية لتنفيذ خارطة طريق تطوير قطاع الكهرباء في العراق، بحسب ما أعلنته الوزارة، وأوضحت  أن هذا الاتفاق يمثل بداية لعلاقة ستراتيجية بين جمهوريتي العراق وألمانيا، تبدأ بملف الطاقة والشؤون الاقتصادية، حيث ستضع هذه الخارطة مفهوماً شاملاً لقطاع الطاقة الكهربائية في العراق (الانتاج، والنقل، والتوزيع)، والتي ستكون مدة تنفيذها اربع سنوات وبقيمة ١٤ مليار مليون يورو، ستضيف الى منظومة الكهرباء الوطنية طاقات إنتاجية تصل الى (١١ الف) ميغا واط، فضلاً عن تجهيز العديد من المحطات التحويلية (٤٠٠، و١٣٢) ك.ف، وخطوط نقل طاقة كهربائية أخرى بحسب حاجة الوزارة.

من خلال دراسة واقع الإتفاقية وتفاصيلها التي أعلن عنها، نجد أن هذا الإتفاق سيتم تنفيذه بثلاثة فترات حسب ما اعلنت عنه الوزارة، والمتضمن الإتفاق القصير (المعجل) ومدته عام واحد، تم إبرامه بمبلغ (٧٠٠) مليون يورو، متضمناً تجهيز (١٣) محطة تحويلية (١٣٢) ك.ف، ومنظومات تبريد للمحطات الانتاجية، وتجهيز وحدات توليد طاقة سريعة النصب، حيث ستضيف هذه المرحلة (٧٥٠) ميغاواط الى المنظومة، اما المرحلة الثانية ذات المدى المتوسط فمدتها عامين، والمرحلة الثالثة (المدى الطويل) مدتها اربعة أعوام.

كما أن الهدف المعلن من إبرام هذه الاتفاقية هوتوفير فرص عمل واعدة واستثمار الملاكات العراقية وتطويرها، وخلق قطاع خاص واعد، لبناء شبكة وطنية محكمة ومربحة تدر على موازنة الدولة الأموال، وتقلل من الضائعات الى الحدود الدنيا المقبولة في المعايير العالمية والكثير من الأحلام والأمنيات الأخرى.

علينا أن لا ننسى أن البلاد شهدت منذ عام 2003 إدخال عدد من المحطات الكهربائية الجديدة الى الخدمة حسب ما أعلن عنه في تقارير منفصلة لوزارة الكهرباء وهي: الخيرات (1250 ميغا واط) في كربلاء، الزبيدية (2500 ميغا واط) في واسط، الحيدرية (300 – 400 ميغا واط) في النجف، محطة كهرباء الديوانية الغازية (500 ميغا واط)، العمارة الغازية (500 ميغا واط)، ومحطة بسماية الاستثمارية (3000 ميغا واط) ، كما أضيفت محطات أخرى للخدمة، هي: محطة تازة في كركوك بطاقة (292 ميغا واط)، الرميلة في البصرة بطاقة (1240 ميغا واط) لكنها تنتج حاليًا 640 فقط، محطة النجيبية الغازية الجديدة (500 ميغا واط)، شط البصرة بطاقة (1200 ميغا واط) لكنها متوقفة حاليًا وفق ما نشره موقع وزارة الكهرباء، محطة الصدر شرقي بغداد طاقتها (600 ميغا واط) لكنها تنتج حاليا 225 فقط، ومحطة الرميلة الاستثمارية بطاقة (3000 ميغا واط) وتنتج حاليًا 600 ميغا واط في مرحلتها الأولى.

 كل تلك المحطات وما أعلن عنه من طاقات تشغيلية كانت معضمها حبرا على ورق، إذ لم تغطي طاقاتها سوى أقل من النصف بكثير، وهذا ما فاقم مشاكل تردي الواقع الكهربائي في البلاد.

يضاف لذلك أحداث عام 2014، التي تسببت بخروج العديد من محطات الطاقة عن الخدمة منها: بيجي الحرارية 1230 ميغاواط، القيارة في نينوى 750 ميغا واط، وتوقف العمل في مشروع محطة دبس الغازية 320 ميغا واط بعد هجوم تنظيم الدولة “داعش” على المحطة ومقتل عمال إيرانيين، كما توقف العمل بمشروع محطة كهرباء صلاح الدين الحرارية في سامراء، التي من المقرر أن تبلغ طاقتها 1260 ميغا واط، وإعلان إفتتاحها في مطلع العام 2021، وتوقف العمل أيضًا بمحطة الأنبار المركبة خلال سيطرة التنظيم على المحافظة.

محطات كبيرة وكثيرة تم التعاقد بموجبها في العراق دون أن يكون هنالك أي تغيير أو تحسن في هذه الطاقة، وتم صرف المليارات من الدولارات من أجل ذلك إلا انها دخلت في خزينة الإختلاس والفساد والسرقات، نتيجة للسياسات الحكومية الفاشلة منذ إحتلال العراق ولغاية الآن.

مالذي يجب أن يكون ؟!

إن القروض التي بذمة العراق للبنك الدولي كبيرة والفوائد المترتبة عليها عالية تجاوزت ١٣٠ مليار دولار، ولا يمكن تصور حجم هذا المبلغ الهائل قياساً لما يشهده العراق اليوم من تردي للأوضاع الأقتصادية والمشاكل المالية.

 والأسباب التي أدت إلى ذلك كثيرة وخطيرة، أهمها غياب السياسة الاقتصادية الصحيحة، وتردي سياسة التدفق النقدي مع إعتماد الدخل القومي كلياً على ريع النفط الذي لا يزال يشكل خطراً على الإقتصاد القومي والوطني، بسبب تذبذب الأسعار وعدم إستقرارها ، لكن الأهم الآن أن تؤخذ القروض لأغراض مجدية، على إعتبار أن قطاع الطاقة هو العمود الفقري للإقتصاد الوطني والقطاع الإنتاجي بالذات للتخلص من ريعية الإقتصاد، فعند أخذ القروض من البنك الدولي وتدفع مباشرة إلى شركة سيمنس دون أن تمسها أيدي الفساد سيكون أمرا جيدا لإكمال المشاريع التي تعود بالنفع للبلد، لا أن تكون هنالك شراكات محلية يمكن أن تعيد نفس المشاكل السابقة والتي نتج عنها غياب الرقابة والمزاجية وعدم الجدية في العمل الخدمي وتحديداً الكهرباء والطاقة، والتي خلفت سرقات كبيرة تسببت بها مافيات الأحزاب المتنفذة في السلطة.

 ومن الجدير بالذكر فأن عشرات العقود ابرمت خلال السنوات الماضية لكنها لم تفلح في إنهاء الأزمة إطلاقاً، فهي موجودة وتهدد كيان الدولة في جميع الأوقات، لذا يجب على الحكومة توفير الطاقة الكهربائية بدراسة وعناية لأن العراق يفرط بكميات كبيرة من الغاز وخاصة المستورد باموال باهضة من إيران، لهذا فأن عقود شراء الكهرباء تعتبر وقتية، لأن استغلال الغاز العراقي بالشكل المطلوب وتشغيله لمحطات توليد الكهرباء سيوفر قرابة 3.7 مليار دولار سنوياً تنفق على استيراد وقود تشغيل المحطات الكهربائية “الغاز” وهو رقم كبير يمكن الإستفادة منه في مجالات اخرى.

وعليه فأن الإتفاقيات العراقية الخارجية يجب تدرس بعناية ودقة وأن تكون انتاجية لتشغيل القطاعات المختلفة الصناعية والسياحية والزراعية، وتقليل الإعتماد على الريع النفطي، وبالتالي نصل لمرحلة الإعتماد الكلي على الإيدي العراقية العاملة، كما يجب العمل ببرنامج واسع للتعليم والتدريب المهني، وإنشاء كادر مهني متكامل لأن العراق يعاني من مشكلة فقدان هذه الكوادر بسبب الاحداث التي شهدتها السنوات الأخيرة.