د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للبحوث الاستراتيجية

مدخل :

كان دخول الدولة العثمانية بجانب المانيا في الحرب العالمية الاولى، قد أثار قلق بريطانيا على مصالحها الاقتصادية والسياسية، لهذا شرعت على الفور بتسيير حملة عسكرية غرضها غزو العراق واحتلاله.

صدرت أوامر الى العميد ديلامين للتوجه نحو الفاو، وزود بالمعلومات اللازمة عن المنطقة، كالتكوين الجغرافي والعشائري والقوات العثمانية في العراق عامة والبصرة خاصة، تعدادا وتدبيرا وتسليحا وتوزيعا، وكانت هذه التخمينات تقترب كثيرا من الواقع العسكري العثماني.

احتلت القوات البريطانية الفاو في ساعة متأخرة من يوم 6 تشرين الثاني 1914 م، وبذلك تمكنت بريطانيا من السيطرة على مدخل شط العرب . أما السلطات العثمانية فلم يصل اليها خبر احتلال الفاو الا في اليوم الثاني من المدنيين الذين غادروا المنطقة الى البصرة. فاستعدت القوات العثمانية لتصد التقدم البريطاني باتجاه البصرة، تمكن البريطانيون من دحر العثمانيين في معارك السنية، سيحان وكوت الزين وفتح الطريق أمام هذه القوات لاحتلال مدينة البصرة، حيث انسحبت القوات العثمانية باتجاه القرنه، ودخلتها القوات البريطانية في يوم (22تشرين الثاني )، وفي اليوم التالي استعرضت القوات البريطانية في البصرة ورفع العلم البريطاني على سطح احد المباني الرئيسية وأطلقت البحرية البريطانية مدافعها تحية له، وأذاعت السلطة المحتلة خطابا دعت فيه أهالي البصرة الى التعاون باعتبارها السلطة الوحيدة القائمة واقعيا، ووعد الخطاب بالحرية والعدالة.

أعطى المحتلين القرنه أهمية كبيرة لموقعها العسكري وصلاحية الملاحة الى الخليج وغنى المنطقة الزراعية واحاطتها بإقليم الأحواز، فتقدمت القوات البريطانية واحتلت المدينة في يوم (9 كانون الأول 1914) . وبدخول القرنه أصبح البريطانيون يسيطرون على ملتقى نهري دجلة والفرات والطريق الملاحي الى الخليج العربي.

أعاد البريطانيون النظر في تنظيم قواتهم النظامية في العراق، وعملوا على كسب ود وتأييد العراقيين لهم عن طريق اعلان الجهاد المقدس الذي كان له أثره في توجيه الرأي العام المتأثر بالعواطف الدينية الى حمل السلاح بوجه البريطانيين، وبلغ عدد المتطوعين بين (10 – 15 ) الف مقاتل.

احتشدت القوات العثمانية بقيادة سليمان عسكري بيك، ومعها قوات المتطوعين وبدأت بمناوشة القوات البريطانية، وبدأت الهجوم الفاصل صباح يوم (12 نيسان 1915 )، فقام البريطانيون بهجوم مضاد أسفر عن انتصار حاسم للقوات البريطانية، ويقول فيليب ويلارد ايرلاند في مؤلفه ( العراق دراسه في تطوره السياسي) ان موقعة الشعيبة من المواقع الحاسمة من تاريخ عملية الاحتلال البريطاني للعراق، اذ فتتت معنويات القيادة العثمانية وخاصة عند انتحار القائد سليمان العسكري، كما أوجدت الشكوك بين الناس في امكانية صمود العثمانيين أمام الغزو البريطاني، واعتبرت معركة الشعيبة مأساة تاريخية هامة بالنسبة للعثمانيين.

بعد هزيمة العثمانيين في القرنه والشعيبة تقهقرت قواتهم نحو العمارة والناصرية، بيد ان القوات البريطانية لاحقتها، فاتجهت قوة برية ومائية في دجلة الى العمارة فاحتلتها في ( 2 حزيران 1915) . كما احتلت قوة اخرى، اتجهت في الفرات نحو الناصرية في ( 25 تموز 1915 ) ، بعد معارك دامية . وهكذا تم للبريطانيين السيطرة على المثلث الواقع بين البصرة والعمارة والناصرية، واصبحت ولاية البصرة كلها تقريبا تحت الاحتلال البريطاني.

  • هل سيتوقف المحتل البريطاني أم الزحف نحو بغداد؟
  • موقف القيادة العسكرية العثمانية؟
  • الاستعدادات للقوات العثمانية فكان حصار الكوت واستسلام القوات البريطانية، كما سنرى

 

المصادر المعتمدة :

1 – محمد طاهر العمري، تاريخ مقدرات العراق السياسية، ج3 ، (بغداد،1925) ص 90

2 – عبد الرحمن البزاز، العراق من الاحتلال الى الاستقلال، ط2، القاهرة 40.

3 – فيليب ويلارد ايرلاند، العراق دراسة في تطوره السياسي، ترجمة جعفر الخياط (بيروت1949)، ص 24 – 25.

4 – حميد حمدان التميمي، البصرة في عهد الاحتلال البريطاني 1914 – 1921، (بغداد1979)، ص 55 وما بعده.

5 – بيل المس كرترود، فصول من تاريخ العراق القريب، ترجمة جعفر الخياط،(ط2، بيروت،  1971) ص 3،6 و8  وما بعدها.