د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للبحوث الاستراتيجية

 

استأنفت القوات البريطانية هجومها على الأتراك في أوائل عام 1917، هدفهم الزحف باتجاه بغداد، ففي هذه المرحلة كان الأتراك يتراجعون بسرعة أمام القوات البريطانية، وكان من الصعب أن يصمدوا للدفاع عن بغداد، على الرغم من ان القائد (خليل باشا) الذي كان واثقا من نفسه ومن استطاعته وقف البريطانيين، أصبح يفكر بترك بغداد، لكن القائد (أنور باشا) رفض الموافقة على الانسحاب من بغداد وأمره بالصمود والدفاع عنها، مهما كلف الأمر.

عبر الأتراك نهر ديالى للضفة الثانية التي كانت عامرة بالبيوت والبساتين والتي كانت خير عون للأتراك على التحصين فيها. ولما جرب البريطانيون عبور النهر أصلاهم الأتراك نارا حامية وكبدوهم خسائر فادحة جدا، لكن البريطانيون تمكنوا أخيرا من عبور نهر ديالى بقوات كبيرة، بعد أن وصلتهم، فانسحب الأتراك أمامهم بشكل منظم، فانسحبوا الى جسر سلمان باك في 24 شباط ثم الى العزيزية في الخامس والعشرين من الشهر المذكور، بعد أن تكبدوا خسائر كبيرة.

أدرك القائد (خليل باشا) بعد فوات الأوان الخطأ الكبير الذي ارتكبه بعدم مطاردة البريطانيين بعد حصار الكوت والذي يعرف بالمصطلح العسكري (استثمار الفوز).

تقدم البريطانيون من ضفة نهر دجلة، كانت هنالك مناوشات بسيطة في أوائل شهر آذار 1917، وأخذت تهاجم قوات الأتراك الأخيرة في تل محمد وأصبحت على بعد خمسة أميال من بغداد فقط، وأخذت تهدد سكة حديد بغداد-سامراء، مما أجبر خليل باشا على التفكير في مغادرة بغداد وعدم المقاومة فيها ولا في أطرافها .

في مساء (10 – 11 آذار 1917 ) اضطر الاتراك الى اخلاء بغداد دون مقاومة، وغادر القائد ( خليل باشا ) بغداد من محطة قطار الكاظمية قاصدا سامراء، بعد أن عقد مجلسا حربيا مع القادة الميدانيين في مخفر شرطة الخر الذي يقع حاليا قرب ساحة النسور بغداد، وظلت المناقشة الى أن تسلم جواب الموافقة بالانسحاب .

نسف الأتراك ليلة مغادرتهم العتاد المخزون في (باب الطلسم) وهي احدى بوابات سور بغداد القديم، وتعتبر ساعة الانفجار بالنسبة لأهالي بغداد ساعة رهيبة حيث اهتزت بغداد من أقصاها الى أدناها، كما قام الأتراك بتخريب محطة اللاسلكي الالماني في الوشاش والذي يقع حاليا في  منتزه الزوراء، واستصحبوا معهم السجلات الرسمية بما في ذلك السجلات العقارية .

قضى أهل بغداد تلك الليلة بين انفلاق القنابل وأزيز الرصاص وهبوب العواصف الترابية التي اجتاحت بغداد عاصفة هوجاء لم تشهد مثلها مثيلا منذ أن بناها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور.

علم الجيش البريطاني بعد منتصف ليل العاشر من آذار 1917 بانسحاب الجيش التركي من بغداد، تقدمت قواته واحتلت محطة غربي بغداد وهي الان (جامع محمود بنية)، ثم وصلت القشلة (السراي) في جانب الرصافة، ورفعت العلم البريطاني وانزال العلم التركي، حيث كان ذلك المشهد مؤثرا على أهالي بغداد فأخذوا يجهشون بالبكاء والنحيب المكبوت لأنهم شاهدوا انزال علم دولة مسلمة.

ومن الجدير بالذكر أن الانكليز قبل وصولهم بغداد، كانوا يشعرون بالعار من هزائمهم في معركة الشعيبة، ومن حصار قواتهم في الكوت الذي دام ستة أشهر، واستسلمت قواتهم فيها، وكان أكبر ما منيت به بريطانيا خلال الحرب العالمية الاولى من هزائم.

كما كانت لبغداد في خيال الأتراك ونفوسهم مكانة خاصة منذ زمن بعيد، وكان من الأمثلة الشائعة على لسان الأتراك قولهم: “لا حبيب كالأم ولا ديار كبغداد”.

كان احتلال بغداد من أهم أحداث الحرب العالمية الأولى ، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ العراق الحديث، وقد أطلق العراقيون على عهد الاحتلال البريطاني اسم “عهد السقوط” بما في ذلك معنى الخيبة والاستياء، وأصبحوا يؤرخون الأحداث والواقع على هذه التسمية، واعتبره الكثيرون عهدا تدهورت فيه القيم القديمة ودب الفساد والتحلل في المجتمع.

عد هذا الاحتلال الثلاثون منذ أن بناها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور عام 145 هجرية / 762 ميلادية. وفي أدناه جدول للتسلسل الزمني (التاريخي) لهذه الاحتلالات:

احتلال ومحاصرة بغداد ما بين 813 م 1917 م

ت

السنة الميلادية

المحتلين

1813حاصرها واحتلها طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين وزهير بن المسيب من رجال المأمون وقتلوا الخليفة الأمين.
2813استولى عليها أنصار الخليفة المعتز بن المتوكل وخربوا أسوارها وبساتينها.
3935حاصرها الأمير بن اليزيدي واحتلها واستباحها.
41058حاصرها الجيش المصري بقيادة أرسلان البساسيري واستولى عليها، وأسر الخليفة ونقله الى عانه.
51156حاول السلطان السلجوقي محمد بن مسعود محاصرتها، لكنه لم ينجح في الاستيلاء عليها.
61258حاصرها هولاكو أربعين يوما واحتلها وقتل الخليفة المستعصم بالله بدسيسة من وزيره مؤيد الدين ابن العلقمي ودامت المذابح وأعمال السلب والنهب والتخريب أربعين يوما.
71359استولى عليها السلطان أحمد بن أويس لإنقاذ مولاه  صاحب جامع مرجان في بغداد.
81393احتلها تيمورلنك وقتل ما بين 300 – 400 ألف من سكانها ودمرها تدميرا واسع النطاق.
91394حاصرها السلطان أحمد الجلائري بمساعدة الجيش المصري وتمكن من استردادها وضرب السكة باسم السلطان برقوق.
101396حاصرها ميرانشاه حفيد تيمورلنك ولم ينجح في احتلالها.
111401حاصرها تيمورلنك واحتلها للمرة الثانية وذبح الآلاف من الناس وهدم الجوامع والمدارس والمساكن.
121409استعادها السلطان أحمد الجلائري بمساعدة جماعة الخروف الأسود (قره قوينلو).
131411حاصرها واحتلها قره يوسف من سلالة ( قره قوينلو).
141464احتلها جهان شاه من سلالة قره قوينلو، دام سنة ونصف السنه.
151470حاصرها حسن بك الطويل من سلالة أق قوينلو (الخروف الأبيض) ولم يحتلها.
161470حاصرها حسن بك الطويل من سلالة الخروف الأبيض واحتلها.
171508احتلها الشاه اسماعيل الصفوي وعمل فيها تخريبا ونهبا.
181510حاصرها السلطان مراد من سلالة الخروف الأبيض بمساعدة حاكم ذو القدرية علاء الدين بك وتمكن من احتلالها.
191514احتلها الشاه اسماعيل الصفوي للمرة الثانية واعمل فيها تخريبا.
201528احتلها حاكم كلهر الأمير ذو الفقار بعد حصار دام أربعين يوما.
211530حاصرها الشاه طهماسب واستولى عليها بدسيسة دموية وخربها.
221534استردها السلطان العثماني سليمان القانوني
231608حاصرها محمود باشا ابن سنان باشا جفالة زادة واسترجعها.
241623حاصرها حافظ أحمد باشا لمدة تسعة أشهر ولم يتمكن من احتلالها.
251624حاصرها الشاه عباس الصفوي لمدة طويلة وتمكن من احتلالها بخديعة.
261629حاصرها السردار أكرم خسرو باشا لمدة سبعين يوما ولم يتمكن من احتلالها.
271638استرجعها السلطان مراد الرابع الى حكم الدولة العثمانية بعد حصار دام 23 يوما.
281733حاصرها الحاكم الفارسي نادر قلي شاه لمدة خمسة اشهر وفشل في احتلالها.
291743حاصرها نادر قلي شاه للمرة الثانية لمدة عشرين يوما وفشل في احتلالها.
301917احتلتها القوات البريطانية بقيادة الجنرال ستانلي مود.

 

المصادر المعتمدة

1 – عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالالين، ط 1 (بغداد، 1925)، ج8 .

2 – عبد الرحمن البزاز، من الاحتلال الى الاستقلال، ط 2، القاهرة.

3 – مجيد خدوري، اسباب الاحتلال البريطاني للعراق، (الموصل، 1932).