د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للبحوث الاستراتيجية

حاول قائد الاحتلال البريطاني (ستانلي مود) وقواته، جاهدين كسب ود العراقيين، جريا على عادة المستعمرين، والتخفيف من وطأة الاحتلال. وبتوجيه من الحكومة البريطانية، أذاع الجنرال (مود) بيانا وجه الى سكان بغداد، ومما جاء فيه: “اننا أتيناكم محررين لا فاتحين”. وقد اشتهر هذا البيان باسم بيان الجنرال مود الذي خاطب فيه سكان بغداد قائلا:    “… ولكن أنتم يا أهل بغداد، الذين يجب أن تكون مصالحهم التجارية وسلامتهم من الظلم والسيطرة، محل أكبر اهتمام من جانب الحكومة البريطانية، … يجب أن لا تظنوا أن الحكومة البريطانية تريد أن تفرض عليكم أنظمة غربية، ان الحكومة البريطانية تأمل أن تتحقق مرة اخرى أماني فلاسفتكم وكتابكم. ان أهل بغداد ستزدهر امورهم وسيتمتعون بثرواتهم وممتلكاتهم في ظل أنظمة تتفق وشرائعهم وامانيهم القديمة”.

وعلى ما يبدو أن هذه الوعود هي ذر الرماد في العيون، فقد انطلت على معظم الساسة والمفكرين، في حين تنبه القلة على وعود(أبو ناجي) التي عاشت هذه الكثبة بين عامة الناس في أحاديثهم اليومية لدى الاشارة الى الانكليز.

وساد في بريطانيا الفرح بهذا الانتصار المهم، واصبح اسم الجنرال (مود) مشهورا في العالم، وجاءته التهاني ورسائل المديح من كل مكان ومنحته الحكومة البريطانية شتى الأوسمة والأنواط.

وفي بغداد أطلق اسم الجنرال مود على أحد جسور بغداد الجديدة، وعلى بعض المخازن وأحد الفنادق الكبرى، وأقامت المقيمة البريطانية تمثالا وهو على صهوة جواده نصب أمام المقيمية البريطانية بعد الاستقلال، وبقي هذا التمثال قائما في مكانه يتحدى شعور العراقيين حتى 14 تموز 1958 الذي حطمته جماهير الشعب.

ولا شك ان الجنرال مود كان عسكريا ممتازا، همه الأول متابعة الحرب ومواصلة انتصاراته لاستكمال احتلال العراق صعودا الى الشمال، وكان في اتصالاته بسكان البلاد يتصرف تصرف الفاتح العسكري المحتل، دون اعارة أي اهتمام للاعتبارات السياسية أو مشاعر سكان البلاد، وكان ميالا للتسلط ولا يعير أي اهتمام لتعليمات الحكومة حول السياسة الواجب اتباعها ولا لآراء برسي كوكس (الضابط السياسي للحملة)، بل كان يتدخل في كل صغيرة وكبيرة بحجة الاعتبارات العسكرية، فنشأ بينهما خلافات، وأيدت المس بيل وجهة نظر كوكس وتمكنوا من حمل الحكومة ووزير خارجية بريطانيا اللورد كرزن من تأييد واستجابته لطلبات كوكس. فلو علم السير برسي كوكس والمس بيل بما كانت الاقدار تخفيه للجنرال مود. ففي مساء 14 تشرين الثاني 1917 حضر الجنرال مود حفلة أقامتها مدرسة الاليانس اليهودية في بغداد لتكريمه، ووهناك قدمت اليه قهوة كما قدمت لغيره، لكنه طلب شيئا من الحليب ليضيفه اليها، فجيء اليه بحليب غير مغلي، وكان مرض الكوليرا منتشرا في بغداد في تلك الفترة، ويبدو أن الحليب الذي قدم له كان ملوثا، فأصيب الجنرال بالكوليرا ومات بعد أربعة أيام .

وقالت مس بيل في رسالة كتبتها أثر وفاته:

“لم يختر أحد للموت وقتا أفضل من الذي اختاره الجنرال مود”.

عين الجنرال سير مارشال خلفا للجنرال مود، وأصدر أوامره الى قواته بالتقدم شمال وغرب العراق، فاحتلوا سامراء في 22 نيسان 1917 والرمادي في 29 ايلول وتكريت في 6 تشرين الثاني. وبقي الجيش العثماني عند الفتحة جنوب الشرقاط، حتى أواخر تشرين الأول 1918، وكان على بعد (12) ميلا من مدينة الموصل.

عندما عقدت هدنة موندروس في 13 تشرين الأول 1918، طلب قائد القوات البريطانية الجنرال مارشال من علي احسان باشا قائد القوات العثمانية في المدينة، مغادرتها، وجرت مفاوضات بين الجانبين، وافق العثمانيين على الجلاء عن المدينة، ورفع العلم البريطاني عليها في 8 تشرين الثاني 1918.

وهكذا انتهت الأعمال العسكرية بعد أن امتدت زهاء أربع سنوات، وخضع العراق للإدارة البريطانية . وقد كلف احتلال العراق البريطانيين خسائر فادحة قدرتها المصادر البريطانية بحوالي مائة ألف قتيل وجريح، هذا فضلا عن الخسائر المادية الهائلة.

لهذا يمكن القول ان العراق كان من الجبهات الأساسية التي استنزفت العدد الكبير من الرجال والمال لبريطانيا.