د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

تعرض العراق خلال العهد العثماني الى انتشار الأوبئة والأمراض المتعددة، مثل: (الطاعون، الهيضة، الكوليرة، التدرن الرئوي، (السل)، الحصبة … وغيرها من الأمراض)، ذهب ضحيتها آلاف الأشخاص، نظرا لتدهور النظام الصحي وتخلفه، كذلك قلة الأدوية والأطباء أو انعدامهم، واعتماد الأهالي على المتطببين في علاجهم للأمراض، وفي بعض العلاجات تدخل الجهل والشعوذة مما أثر تأثيرا سلبيا وأودى بحياتهم.

ومما يظهر فقد كان لهذا التدهور الصحي أسباب عديدة أدت الى انتشار الأمراض والأوبئة والمجاعات، ويمكن ايجازها على الشكل التالي :

أولا : نتيجة القحط الحاصل من قلة الأمطار أو هجمات الجراد فيصبح فقر ومجاعات .

ثانيا : عدم ردم المستنقعات والبرك الآسنة نتيجة الفيضانات فتكثر الأهوار .

ثالثا : عدم وجود نظام لتصريف المياه الآسنة والثقيلة وعدم توفير مياه صالحة للشرب .

رابعا: وجود المقابر والمدابغ ومحلات الذبح داخل المدن، بسبب عدم الاهتمام بالبيئة وحمايتها من التلوث .

خامسا : تعرض العراق للحروب المتكررة والحصار وكثرة الانتفاضات العشائرية .

سادسا : انتشار الجهل وتخلف التعليم .

سابعا : النظافة معدومة في شوارع المدن والحيوانات تعج في الطرقات مما سبب تراكم الأوساخ وتكاثر الذباب والحشرات الضارة أو الى انتشار الأمراض .

ثامنا : قلة الكوادر الطبية المؤهلة والمدربة وعدم وجود عدد كاف من المستشفيات والمستوصفات .

نتيجة لهذه الأسباب، انتشرت الأوبئة والأمراض، ومن أهم هذه الأمراض :

مرض الطاعون:  تعرض العراق خلال العهد العثماني الى موجات كثيرة من مرض الطاعون، فقد بلغ عددها ما يقارب (37) مرة. انتشر هذا المرض في العراق في الفترة ما بين (1208 هـ – 1619م) ولغاية ( 122 هـ – 1917 م ) وفتك بأعداد كبيرة من الناس بلغت عدة آلاف. وظهر في العاميين  (1101 هـ – 1689م) و (1102 هـ – 1690م) وظل يفتك بالناس وكان أشد ضراوة وفتكا واستمر لمدة ثلاثة أشهر، ويعتقد بعض المؤرخين أن مرض الطاعون قضى على أكثر من مائة ألف نسمة وخاصة في بغداد.

قدر عدد الموتى في الموصل وحدها بنحو ألف انسان في اليوم الواحد، ومثل ذلك في كركوك وأكثر في أهل أربيل وامتد الى تكريت وعانه وحديثة وغيرها

          كما ظهر مرض الطاعون في البصرة في سنة (1103 هـ – 1691 م) وكان خطيرا جدا بحيث أخمدت الحياة فيها، وقدرت المصادر ان الناس كان يموتون فيها بمقدار (500) نسمة يوميا. كما عاد وباء الطاعون في بغداد ووصل الى النجف سنة (1131 هـ –  1718 م) ونزح الكثير م الأهالي عنهما. كما تفشى الوباء المذكور في الموصل أواخر سنة (1159 هـ – 1738م) فبلغت اصاباته ألف شخص في اليوم الواحد. ولم تمض سنتان على ذلك حتى ظهر في بغداد أيضا. فقضى على خلق كثير.

كما وفد من اسطنبول على مدن العراق سنة (1186 هـ – 1772م) ففتك بأهلها فتكا ذريعا ولم تنج أية مدينة أو قرية من آثاره، وتدل التقديرات المحلية المرتفعة لعدد الموتى رغم مبالغتها على فداحة آثاره، فقدر عدد الموتى في الموصل وحدها بنحو ألف انسان في اليوم الواحد، ومثل ذلك في كركوك وأكثر في أهل أربيل وامتد الى تكريت وعانه وحديثة وغيرها، وكان هوله في بغداد عظيما. وفي سنة (1187-1188 هـ / 1773-1774 م) صار العراق تحت وطأة الطاعون حيث امتد من الموصل لحد النجف والبصرة وقد تسبب في هلاك كثير من الناس قدرت الوفيات بمليون نسمة لعموم ولايات ومدن العراق.

وفي سنة (1200 هـ -1775 م) عم القحط جراء انقطاع الأمطار الأمر الذي زاد من ارتفاع الأسعار بشكل فاحش، اذ بلغ سعر الوزنة من الحنطة ثمانية قروش ومن الشعير ستة قروش فاضطر الوالي سليمان باشا الكبير (1195-1217 هـ /1780-1802م) الى توزيع المخزون من الأطعمة على الأهالي بأسعار واطئة، ومع هذا كله لم يمنع هذا التدبير فحصلت مجاعة وتفشى وباء الطاعون، وقضى على ما لا يحصى من الأرواح .

لقد أورد الرحالة أبو طالب خان في معرض رحلته الى العراق سنة (1218 هـ – 1804م) ان سبعين ألف شخص ذهبوا ضحية وباء الطاعون، الأمر الذي أربك أحوال البلاد وانعدام الأمن وتوقف التجارة والحركة، وقد سرت عدواه بعد ذلك الى البصرة. كما أدى انتشار وباء الطاعون في الموصل سنة (1244 هـ – 1828م) الى ارتفاع نسبة الوفيات في تلك المدينة الى جانب تفشي المجاعة بين الأهالي.

في شهر نيسان سنة (1247 هـ – 1831م) وبعد أن كمن الطاعون بعض الوقت في سواحل البحر الأسود اندفع الى بلاد وادي الرافدين وأخذ يقترب من بغداد وراح يواصل مسيرته المهلكة المريعة من قرية الى قرية. وفي بغداد كتب أحد المبشرين واسمه (غروفر) يقول في اليوم العاشر من شهر نيسان (1831م) ما بالطاعون بالجانب الشرقي من المدينة (1200) وفي اليوم التالي (1400) ثم استقر عدد الوفيات على (1000) يوميا فاجهز هذا الوباء على ثلثي سكان بغداد، كما حصل في الحلة اذ لم يبقى أحد من السكان بسبب الطاعون بعد أن كان عدد نفوسها قبل الطاعون يناهز العشرة آلاف نسمة. كما أنزل ضربة قاصمة بقوة البصرة الانتاجية لم يبقى فيها سوى (5-6 آلاف نسمة) .

ورغم الاجراءات التي اتخذتها الحكومة من خلال دوائرها في الحجر الصحي الا ان ذلك لم يمنع من انتشار الأوبئة، ولا سيما اذا علمنا ان القناصل البريطانية في البصرة أعلنوا عن تذمرهم من استمرار دوائر الحجر الصحي العثمانية في فرض مدة الحجر الصحي لا تقل عن عشرة أيام على القادمين من الموانئ الهندية والايرانية بحجة زيادة نفقات البواخر وعلى ما يبدو أن البريطانيين كانوا يهتمون بتجارتهم أكثر من اهتمامهم بحياة السكان من العراقيين.

ان وباء الطاعون وافد وليس متوطن في الولايات والمدن العراقية، حيث نجد مركزه في المدن الحدودية التجارية مثل البصرة والموصل وبغداد والنجف وكربلاء والحلة

وتعرضت الموصل الى مجاعات متعددة أثرت في صحة الأهالي وكان أكثرها تأثيرا مجاعة سنة (1295 هـ – 1878م) اذ هبت رياح السموم وأحرقت المزروعات. كما ان حصاد سنة (1296 هـ – 1879م) كان رديئا جدا، وحصاد سنة (1297 هـ – 1880م) كان قليلا جدا، بسبب الجفاف وقلة الأمطار لهذا اجتاحت الموصل مجاعة أخذت تشتد يوما بعد يوم فكانت أعداد كبيرة من سكان الأرياف تتوجه الى المدينة بحثا عن رغيف الخبز، ولم يكن سعر الحنطة وحدها قد ارتفع بل المواد الغذائية كافة. فاضطر بعضهم الى أكل لحوم جثث الحيوانات مما أدى الى انتشار وباء الطاعون في الموصل.

عاد الطاعون الى مدينة بغداد سنة (1298 هـ – 1880م) وامتد الى النجف والهندية والى باقي مدن العراق، مما يلحظ انه فتك بالأهالي وخاصة النجف بحيث هجروا المدينة ولم يبقى فيها زاد ولا كفن بسبب كثرة الموتى وغلق الأسواق لانعدام التجارة فيها. كما انتشر الطاعون مرة اخرى في  العراق سنة (1299 هـ – 1881م) وقد كان قاسيا جدا هذه المرة حتى قيل انه أهلك نصف سكان مدينة النجف.

ووصفت السائحة الفرنسية مدام ديولافوا آثار مرض الطاعون خلال مرورها بمدينة الحلة سنة (1299 هـ – 1881م)، الذي أطاح بأهالي المدينة سنة (1274 هـ – 1831م) وراح ضحيته عدد كبير من أهاليها حيث قالت : الحلة احدى المدن التابعة لحكومة بغداد، وقيل لي انها اجتاحها سنة 1831 وباء الطاعون وذهب ضحايا له عدد كبير من أهاليها.

عاود وباء الطاعون مرة اخرى سنة (1310 هـ – 1892م) وبدأ في الناصرية وامتدت بعدها الى البصرة ومنها الى بغداد، وقيل ان أربعمائة حالة من الطاعون قد حدثت في البصرة في أسوء أيام هذا الوباء، وفي السنة التالية حدث الوباء في النجف وقد سرى اليهم من جهة الحجاز بعد قدوم الحجاج من مكة المكرمة، فأهلك السكان وحل الموت والخراب. وكما عاود واجتاح مدينة النجف موجة من الطاعون سنة (1420 هـ – 1904م)، فأصدرت مديرية الصحة العامة أوامرها بعدم حمل الموتى الى النجف، حتى منع أهل النجف أنفسهم من الدفن فيها، وضربت الصحة نطاقا من الحرس داخل المدينة وخارجها.

ومما تقدم تبين ان وباء الطاعون وافد وليس متوطن في الولايات والمدن العراقية، حيث نجد مركزه في المدن الحدودية التجارية مثل البصرة والموصل وبغداد والنجف وكربلاء والحلة بسبب يأتيها التجار والزوار والسياح والاختلاط مع السكان المحليين مما أدى الى انتقال المرض فضلا عن انعدام الخدمات الصحية.

ومما يلحظ مع نهاية القرن التاسع عشر بدأت وطأة ذلك الوباء تقل شيئا فشيئا من خلال الاصلاحات التي بدأتها الدولة العثمانية من القرن التاسع عشر من خلال اصدار تشريعات وقوانين تخص الجانب الصحي فضلا عن تطور التعليم.

 

المصادر المعتمدة :

1 – متي عقراوي، تاريخ العراق الحديث، ترجمة مجيد خدوري، (بغداد، مطبعة العهد، 1936)

ويعرف عقراوي الطاعون : ان سببه جرثومة ينقلها البرغوث الى الجرذان والانسان، ويظهر الطاعون عادة في فصل الربيع موسم تفريخ البراغيث فيصيب الغدة اللمفاوية والرئة، ويعد من الأمراض المعدية.

2 – عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين، ج5 بغداد شركة التجارة والطباعة المحدودة،1953.

3 – بيردي فوصيل، الحياة في العراق منذ قرن(1814ه – 1914م)، ترجمة أكرم فاضل، بغداد، دار الجمهورية، 1958.

4 – ابراهيم خليل أحمد، الأمراض والأوبئة وانعكاساتها على مجتمع الموصل ابان العهد العثماني، المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية، مجلة كانون، العددان (17 – 18) 1998، ص (19 – 23) .

5 – مدام ديولافوا، رحلة مدام ديولافوا الى العراق سنة 1881م، ترجمة على البصرة، بغداد، دار منشورات البصري، 1958 .