شاهو القره داغي

على الرغم من المشاكل و الازمات المالية و السياسية و الاقتصادية التي تعاني منها إقليم كردستان العراق، يواجه الإقليم آفة اجتماعية خطيرة تهدد بتفكيك المجتمع و إضعافه وتدمير الشباب ودفعهم نحو المجهول والضياع. وهذه الظاهرة هي انتشار تعاطي و المتاجرة بالمواد المخدرة، والتي باتت خطراً يتطلب معالجات سريعة و دقيقة و إدراك كامل من الحكومة بأن أي تأخير في مكافحة هذا المرض سيؤدي الى تفاقمه و انتشاره وخروجه عن السيطرة، وخاصة عندما يتحول المتاجرة الفردية الى مجموعات المافيا و يتم استخدام العنف و السلاح في ممارسة هذا العمل كما يحصل في البصرة وبعض المحافظات العراقية.

يمتلك إقليم كردستان العراق حدود مشتركة مع إيران بقرابة 513 كلم ، وبحكم الجغرافيا أصبح الإقليم ممراً لنقل المخدرات، و أصبح يشكل خطراً حقيقياً على المجتمع الكردي ، وبحسب معلومات منظمات مكافحة المخدرات فإن المتاجرة و تعاطي المخدرات في توسع و انتشار في محافظات إقليم كردستان العراق، فخلال الستة الأشهر الماضية تم اعتقال 1194 شخص، بالإضافة لاعتقال أكثر من 6 آلاف شخص خلال ثلاث سنوات فقط، وخلال 16 عام اكثر من 10 آلاف مواطن في إقليم كردستان كانوا ضحية استخدام المواد المخدرة، وهذا الرقم في ازدياد مستمر. وخلال هذه الفترة تم مصادرة العديد من أنواع المخدرات في كافة مدن الإقليم، بالإضافة لاعتقال (941) متهما بما فيهم النساء و الأطفال. وحسب مديرية الإصلاح في وزارة العمل في الإقليم فإنه حتى عام 2018 لم تكن هناك نساء مدمنات على المواد المخدرة في الإقليم، أما الآن فهناك 32 امرأة مدمنة في سجن إصلاح النساء بأربيل!

 

مؤشرات الخطر

اصبح من المألوف اعلان القوات الأمنية عن اعتقال تجار و متعاطي المخدرات بشكل يومي في مدن الإقليم ، بينما كان الامر نادراً في الماضي. ومن الممكن تفسير هذا الامر من خلال عدة نقاط :

أولا:

يبدو ان الازمة المالية في ايران قد ساهم في زيادة تدفق هذه المواد للإقليم، فالمواطنون في الطرف الإيراني يبحثون عن أي وسيلة لكسب الاموال بشكل سريع عن طريق ادخال وتهريب هذه المواد لمدن الاقليم وبيعها او تصديرها من هناك الى تركيا او أوروبا او الدول العربية واتخاذ الإقليم كممر للعبور، وأصبحت تجارة المخدرات مصدراً للدخل لكثير من الإيرانيين.

ثانيا:

ارتفاع نسبة البطالة في إقليم كردستان العراق و غياب فرص العمل لدى الشباب وتراجع الوضع الاقتصادي من الأسباب التي تدفع هذه الشريحة للتورط في تعاطي المخدرات دون إدراك كامل لمخاطر هذه المواد.

ثالثا :

غياب الرقابة الكافية في المنافذ الحدودية وخاصة مع إيران ، حيث انتشرت هذه الظاهرة بعد عام 2003 مع التدخل الأمريكي في العراق وتسليم البلاد الى حلفاء طهران وانفتاح العراق على إيران دون رقابة .

رابعا:

تدفق هذه الكميات الهائلة من المخدرات للإقليم يؤكد ان العمل خرج عن الاطار الفردي بل اصبح هناك مجموعات كبيرة تعمل مثل المافيا و أصبحت تتاجر بالمخدرات ، وضمنت دعم سياسي من بعض الأطراف و الشخصيات السياسية التي توفر الحماية لهذه الشبكات في سبيل الحصول على حصة من هذه التجارة المربحة.

 

الخطوات الضرورية لمكافحة المخدرات

على حكومة الإقليم ان تبدأ بمكافحة المخدرات عن طريق تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية مع إيران ، و التضييق على المهربين و تجار المخدرات – حيث ان 90% من المخدرات مصدرها إيران – و معاقبة هذه الشبكات بعقوبات قاسية وشديدة تكون رادعة لغيرهم، و الكشف عن الأطراف السياسية او الشخصيات التي تتساهل مع هذه الشبكات.

من الواضح ان نشر المخدرات استراتيجية إيرانية لإغراق وتدمير المجتمعات،  كما تفعل ايران في المناطق الكردية في ايران لتخدير المواطنين و منعهم من الانخراط في الحركات السياسية المعارضة للحكومة. ويتم تنفيذ هذه السياسة في كل الدول التي تخضع للنفوذ الإيراني سواءا في العراق او لبنان او سوريا او غيرها من دول المنطقة. وعلى المؤسسات الحكومية في الإقليم إدراك حقيقة كون انتشار المخدرات عمل ممنهج ذات أهداف اقتصادية و سياسية لكثير من الأطراف سواءا في العراق او ايران، وأن مكافحة هذه الظاهرة تتطلب استراتيجية متكاملة تبدأ بتشريع قوانين عصرية تتناسب مع حجم الظاهرة، بالإضافة إلى بناء المؤسسات الإصلاحية لتأهيل المدمنين و توفير المستشفيات و الادوية اللازمة لمعالجة المرضى .

ازدياد تجارة المخدرات و تعاطيها في إقليم كردستان العراق دليل على ضعف الإجراءات الحكومية و الأمنية في مكافحة هذه الظاهرة وفشلها في خفض هذه النسبة . وهذا يعني ضرورة إجراء تغيير شامل في السياسات الحكومية و تكاتف اكبر بين المؤسسات المعنية لمكافحة المخدرات. و نشر الوعي الكامل بمخاطر هذه الآفة لدى افراد المجتمع لبناء حماية ذاتية عند الافراد في حال عجزت الحكومة عن مواجهة المهربين وتدفق المخدرات من الحدود الإيرانية.

 

 

مقال خاص براسام