لا يبلُغُ المجدُ شعبٌ فيِ مرابعهِ         يستأسد الذئبُ أو يسترأس الذنبُ

                                                                                                              شعيب موسى                                              

المقدمة:

إن المظاهرات التي انطلقت في25 تشرين هي امتداد لمظاهرات الاول من تشرين وهي أيضا امتداد لمظاهرات سابقة خرجت في السنوات الماضية بسبب الاهمال الحكومي ونقص الخدمات وخاصة في المحافظات الجنوبية والتي بلغت ذروتها عام 2018م بحيث حتى الماء الصالح للشرب لم يتوفر في مدينة البصرة . كما إن هناك مظاهرات انطلقت في المناطق السنية عام 2012م والتي قمعت بشكل وحشي من قبل حكومة المالكي. إذ ارتكبت القوات التابعة لحكومة المالكي مجازر في محافظة ديالى والحويجة والفلوجة والرمادي.  واليوم تأتي هذه المظاهرات في سلسلة متكاملة من الاحتجاجات والمطالبات بتغيير الوضع القائم حتى وصلنا الى مظاهرات نادى بها أصحاب الشهادات العليا والتي كانت المحرك الرئيسي لمظاهرات تشرين. لذا فمن الصعب قراءة الوضع العراقي بشكل دقيق بسبب تصاعد موجة العنف من قبل القوات الحكومية والتي قدمت مقاربة الحل الامني على الاصغاء لمطاليب المتظاهرين. ومع كل التجارب المريرة السابقة تم استخدام القوة في الاول من تشرين حتى وصل عداد الضحايا الى أكثر من(120)شهيد واكثر من (6)آلاف جريح، ومع هذا لم تتعلم الحكومة الدرس من مظاهرات الاول من تشرين. ولو كان العنف واستخدام القوة المفرطة يحسم الامر لما خرجت المظاهرات في يوم 25 تشرين. وهذا ما يجعلنا أن نقول إن هناك حملة عنف ممنهجة ضد المتظاهرين. وهذا نراه من خلال الاجراءات التي اتخذتها حكومة بغداد بدءا بفرض حظر للتجوال وإيقاف خدمة الانترنت وغلق القنوات الفضائية مرورا يالاعتقالات التي طالت الكثير من النشاطين في مجال حقوق الانسان وحرية الصحافة والتي جرت على نطاق واسع في مناطق بغداد والمحافظات الاخرى.

 

أتهام الشعب المتظاهر بانهم مجموعة من المندسين:

إن اتساع نطاق المظاهرات وتنوع الشرائح المنخرطة فيها والتي شملت المدارس والجامعات والنقابات والمعلمين والمحامين والعمال وجميع فئات الشعب الاخرى، أعطى زخم كبير لها بحيث دخلت مرحلة لا يمكن تسفيهها أو اعتبارها مؤامرة خارجية تريد أن تطيح بالنظام السياسي الفاسد الذي أوجد فجوة كبيرة بينه وبين الشعب الذي خرج للمطالبة بحقوقه المسلوبة والذي لا يمكن وصفهم بأنهم مجموعة من المندسين التابعين للخارج. لقد حاولت الحكومة شيطنة هذا الحراك من خلال ربطه بجهات خارجية وأنها مدفوعة الثمن من قبل اسرائيل والسعودية والامارات وغيرها وهذا يعني أن الحكومة تحاول أن تروج نظرية المؤامرة وتحاول أن تبرر استخدام العنف ضد المتظاهرين لاحتواء المظاهرات. فعندما تستخدم القوات الحكومية القوة المفرطة والغاز المسيل للدموع وتجري اعدامات ميدانية للمتظاهرين ماذا تظن أن يكون المشهد الميداني؟ فلكل فعل ردة فعل وهذا يعني إن الحكومة تحاول إخراج المظاهرات عن سلميتها. وهنا أنا أفسر طبيعة العنف الذي يجري في العراق لأن انزلاق المظاهرات للعنف وإخراجها عن خطها السلمي لا يخدم أهداف المتظاهرين وسيعطي مبرر للحكومة على استخدام القوة وسيدفعها الى مزيد من العنف. وهذا ما تحاول الكثير من الجهات الوصول اليه وهي أن تتحول المظاهرات السلمية الى مظاهرات مسلحة لأنها ستجد المبرر لقمعها وبقوة.  وهناك من يقول إن هناك عمليات حرق لبعض مؤسسات الدولة وهذا غير صحيح وبعيد جداً عن الحقيقة. فقد كانت عمليات الحرق ضد مقرات الاحزاب السياسية والميليشيات المسلحة الفاسدة والتابعة لإيران والتي فقدت شعبيتها في هذه المحافظات المنتفضة بعد أن حولتها الى إقطاعيات تابعة لأحزابهم وميليشياتهم المسلحة. فلم يهاجم المتظاهرون مدرسة أو جامعة أو مستشفى ولكن تم مهاجمة مقرات الفساد فقط كالمجالس المحلية في الاقضية والمحافظات ومقرات المحافظة نفسها .

 

صمت الطبقة السياسية على استهداف المتظاهرين :

مع تدهور الاوضاع في العراق وسقوط الشهداء والجرحى بسبب القمع الحكومي لم يكن للمرجعية موقف واضح وصارم مما جرى ويجري من أحداث. وحاولت أن تنتقد الاداء الحكومي مع اشارة الى كون استخدام القوة غير مقبول. كما أننا لم نسمع الاصوات التي استنكرت وتباكت على المتظاهرين الشيعة في البحرين وصمتوا على قتل المتظاهرين العراقيين من ابناء جلدتهم. كما إن الذين يتباكون الان على حرق بعض المقرات في بعض المحافظات لم نسمع أصواتهم عندما أحرقت الوزارات لإخفاء ملفات الفساد وخاصة في وزارة النفط. ولم نسمع أصواتهم عندما أحرقت صناديق الاقتراع لإخفاء عمليات التزوير التي جرت عام2018م. ولم نسمع أصواتهم عندما أحرقت محاصيل الحنطة بأوامر من ايران لكي يبقى العراق بحاجة الى استيراد الحنطة من ايران وكذلك حرق المعامل. كما أننا لم نسمعهم عندما قطعت ايران الانهار التي تنبع من اراضيها وتسير باتجاه العراق. ولم نسمع منهم من يستنكر اطلاق المياه المالحة الايرانية باتجاه شط العرب لتلويث المياه. ولم نسمع أصواتهم عندما تم بيع ميناء خور عبدالله للكويت لقد صمتوا صمت القبور. ولكن عندما تحرق مقرات الفساد في المحافظات فهذا “ارهاب” على حد زعمهم بحجة كونه مالا عاما. وكأن المال العراقي مصان بعد الاحتلال! ولم يقولوا لنا أين ذهبت أموال العراق التي وصلت الى أكثر من ترليون دولار وفوق ذلك أصبح العراق مديونا بأكثر من(120)مليار دولار بسبب سوء الادارة والتخطيط والفساد الذي ينخر مؤسسات الدولة.

 

عندما يمنح رئيس الوزراء راتبا قدره (175)الف للذين لا توجد لديهم مرتبات وعاطلين عن العمل وبنفس الوقت يستلم أدنى شخص من الدرجات الخاصة (10) مليون دينار أين العدالة الاجتماعية في هذا؟

الحكومة غير قادرة على الاصلاح:

يمر العراق اليوم بأوضاع صعبة على كافة الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية بسبب انسداد الافق السياسي الحكومي. فهناك عجز حكومي وبرلماني واضح في عدم القدرة على التعاطي والاستجابة الى المطالب الشعبية بسبب الفساد الحكومي وبنية النظام السياسي. وهذا سيجعلها تلجأ الى العنف لاحتواء المظاهرات. فالحكومة غير قادرة على تنفيذ مطاليب المتظاهرين على المستوى السياسي القائم ولا حتى على مستوى الاقتصاد. فالعراق مديون بأكثر من120 مليار دولار  بالإضافة الى الفساد المالي والاداري الذي ينخر مؤسسات الدولة ونظامها السياسي. فرئيس الوزراء لا يمكنه المضي في الاستجابة الى مطالب المتظاهرين لعدة اسباب منها:

أولا: أنه يفتقد الى شرعية الشعب. والشعارات المرفوعة في المظاهرات واضحة “نريد اسقاط النظام”.

ثانيا: يفتقد الى شرعية البرلمان التي تمكنه من أجراء اصلاحات. لأن رئيس الوزراء لا ينتمي الى كتلة سياسية ولم تشكل الحكومة من خلال الكتلة الاكبر في مخالفة واضحة للدستور. وجاء ترشيحه بالتوافق بين كتلة سائرون التي يقوده التيار الصدر بقيادة مقتدى الصدر وبين كتلة الفتح التي يقودها هادي العامري. وهذا ما يجعل الحلول التي يطرحها رئيس الوزراء غير مدعومة بشكل كامل بسبب تعارضها مع مصالح هذه الكتل والاحزاب. علماً إن كتلة سائرون تخلت عن دعمه وطالبت رئيس الوزراء بتقديم استقالته.

ثالثا: يفتقد عبد المهدي الى شرعية المنجز  فلا يوجد ماء صالح للشرب ولا توجد كهرباء ولا توجد فرص عمل لذا فرفع الصبات غير مقنع وليس منجز. فهو لم يستطيع إكمال كابينته الوزارية الا في بداية الشهر الماضي أي بعد مرور أكثر من سنة ونصف. ولم يستطيع ارجاع النازحين الى مناطقهم بسبب رفض الميليشيات، والمحافظات المدمرة على حالها، والفساد مستشري بلا رقيب ولا محاسبة. لذا فنحن نسمع وعودا وبرامجا وتوزيعا للأراضي ورواتبا ومنحا وكأنه يوزع هبات بدون تخطيط استراتيجي وبرامج حقيقية تستند الى قراءة دقيقة للواقع العراقي. فعندما يمنح رئيس الوزراء راتبا قدره (175)الف للذين لا توجد لديهم مرتبات وعاطلين عن العمل وبنفس الوقت يستلم أدنى شخص من الدرجات الخاصة (10) مليون دينار أين العدالة الاجتماعية في هذا؟ وهذا يبين العقل السياسي العراقي الحاكم الذي يعيش انفصال كامل عن الواقع العراقي والذي أعتمد على اسلوب التوظيف النفعي في الدولة، الأمر الذي أدى إلى «ترهل الجهاز الوظيفي بشكل كامل مما شكل عبئا كبيرا على ميزانية الدولة.

رابعا: يفتقد رئيس الوزراء الى الاقناع في طروحاته لاحتواء المظاهرات ومخاطبة الشعب. لذا لا تجد أي تفاعل مع خطاباته، بل على العكس فهم يرونه ضعيفاً وغير قادر على مواجهة المؤسسات الموازية لمؤسسات الدولة. لذا فهو الان بمواجهة الشعب بسبب فساد وهيمنة الاحزاب السياسية وميليشياتها المسلحة التي حولت المحافظات التي تتواجد فيها الى ملكية خاصة تابعة للحزب ، كما فعلوا في الوزارات منذ عام 2003م والى يومنا هذا. فلذلك نجد إن المحافظات الجنوبية تعاني من إشكال حقيقي بسبب الطبقية التي اسستها الاحزاب والميليشيات المسلحة مما جعل الشعب ينقلب على هذه الميليشيات التي كانت تسمى في فترة ماضية بالمقدسة. خاصة وأن  هذه المناطق تعتبر الحاضنة الاجتماعية لها. ولكننا نرى الجماهير اليوم يحرقون مقرات هذه الاحزاب والميليشيات ويهتفون ضدهم وضد ايران التي دعمتهم وشكلتهم لانهم أصبحوا يرعوا المصالح الايرانية على حساب مصالح الشعب العراقي المظلوم.

خامسا: إن دعوة مقتدى الصدر لرئيس الوزراء الى الاستقالة والدعوة لانتخابات مبكرة رفضتها الحكومة وأصبحت لا تلبي مطاليب المتظاهرين الان، لأنهم فقدوا الثقة بجميع الطبقة السياسية. كما إن دعوة هادي العامري لسحب الثقة عن الحكومة هي دعوة يحاولون من خلالها احتواء الموقف الحالي لأن من شكل هذه الحكومة هم الفتح بقيادة هادي العامري وسائرون بقيادة مقتدى الصدر لذا فلن تنفع الحلول الترقيعية أبداً.

 

تعامل الحكومات بنفس طائفي:

لقد استخدمت الحكومات المتتالية على حكم العراق بعد عام 2003م النفس الطائفي في التعامل مع الخصوم  بسبب المحاصصة الطائفية التي كانت الاساس الذي بنيت عليه العملية السياسية مما جعل البلد ينقسم بشكل طائفي بسبب بنية النظام السياسي والذي أعتمد على تقاسم السلطات والوزارات بعد عام2003م.  فالمناطق السنية تعاني من دمار وخراب كبير بالإضافة الى أزمة المهجرين والنازحين التي ترفض الميليشيات عودتهم الى مناطقهم. لذا فخروجهم اليوم قد يؤدي الى تبرير استهداف المتظاهرين واستخدام القوة ضدهم. وذلك بسبب الطائفية الحكومية التي يتعامل فيها النظام الحاكم ضد هذه المناطق ولكي لا تستهدف هذه المظاهرات بحجة البعثية والإرهاب وأنها تابعة لجهات خارجية لذا فهي مع المتظاهرين قلباً وقالبًا في الظاهر. علماً إن هذه المحافظات تعتبر هذا الحراك في المحافظات الجنوبية قد تأخر كثيراً في معرفة طبيعة النظام السياسي الحاكم والتابع لإيران.

 

من مميزات هذا الحراك الشعبي:

من أهم مميزات هذا الحراك الشعبي هو خروجه من الهوية الطائفية الضيقة الى الهوية العراقية الجامعة. فهم يرفعون شعارات تقول “نريد وطن”، وهنا الدعوة صريحة الى استعادة القرار السيادي العراقي وهذا يعيد المشروع السياسي الذي جاء به الاحتلالين الامريكي والايراني الى المربع الاول. كما أنه من الملفت للنظر إن الفئة العمرية التي تتظاهر تراوحت أعمارها ما بين 15 الى 25 سنة هو بعيد جداً عن كل التهم التي يمكن أن تلصق بهم من ارهاب وبعثيين وتابعين للخارج .كما إن أغلب المتظاهرين من المثقفين وأصحاب الشهادات ومن حاضنة معينة ومعروفة. وهذا يعني إن هناك وعيا شعبيا لما يجري في العراق. فقد كسر حاجز الخوف وانتهت مسرحية الحاضنة الطائفية التي كانت تراهن عليها الاحزاب السياسية الفاسدة وميليشياتها المسلحة التي تعمل كجزء تابع للحرس الثوري الايراني والتي كانت تقتات على التخندق الطائفي للوصول الى أهدافها الطائفية المقيتة التي دمرت العراق وأوصلته الى ما هو عليه الان من فساد وتخلف. حيث لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من توفير وخلق فرص عمل للعاطلين من أبناء الشعب العراقي رغم الثروة النفطية الهائلة التي يملكها العراق.

 

تواطئ الجميع على قتل المتظاهرين حكومة – برلمان – أحزاب سياسية:

إن نتائج لجنة التحقيق التي شكلها رئيس الوزراء برئاسة وزير التخطيط تعكس التخبط الحكومي الذي لم يرتق لمستوى المسؤولية القانونية تجاه دماء الابرياء التي سفكت من قبل القوات الحكومية والميليشيات المسلحة والتي حاولت قمع المظاهرات بالقوة. لذا فهي لم تتوصل لمعرفة الجهات المسؤولة والتي أعطت الاوامر بقتل المتظاهرين بالإضافة الى الجهات التي نفذت الامر بما فيها الاشخاص المتورطين في مداهمة القنوات الفضائية في حملة واسعة للتضيق على الحريات الصحفية والشخصية وحرية التظاهر السلمي بما فيها تقديم القتلة للقضاء. فلو كانت هذه اللجنة توصلت الى ادق التفاصيل وقدمت المتورطين للعدالة لما وصلنا الى تكرار حوادث قتل المتظاهرين في 25 تشرين الأول ولكنهم يبدو أنهم يعملون ضمن منظومة فساد متكاملة يشترك فيها الجميع ولا يريدون تغيير الوضع السياسي القائم. لذا فهناك تواطئ في قتل المتظاهرين لأنه لا أحد يطالب بدمهم لا حكومة ولا برلمان ولا أحزاب سياسية ولا مرجعية فالجميع يتواطأ على طمس الحقائق والتعمية على الحقيقة. وهذا نراه واضحاً جلياً في الاجراءات الحكومية التي اتخذتها ضد المتظاهرين. والمستغرب إن القوات الحكومية تقتل المتظاهرين السلميين ثم تقوم الحكومة بإصدار قرارات تعتبر فيه قتلى المتظاهرين شهداء وتعين شخص من ذوي الشهيد في دوائر الدولة وهذا يعني إن الحكومة تقوم بشراء دماء العراقيين بمال العراق.  

 

فالبرلمان لا يمتلك الصلاحيات لإصدار مثل هذه القرارات إلا من خلال قوانين تشرع ويتم مناقشتها وإصدارها بقانون. فلا يحق لأي جهة ألغاء مجالس المحافظات المنتخبة مالم تشرع بقانون علماً إن فترتها الانتخابية انتهت منذ مدة وهي فاقدة للشرعية أصلاً

استخدام القوة لوقف المتظاهرات:

إن خروج هذه المظاهرات السلمية العارمة في العراق لم تشفع لها سلميتها لأن استخدام القوة ضد المتظاهرين كان بشكل متعمد من قبل القوات الحكومية وهذا يعني إن هناك نية لإيقاع الضرر على المتظاهرين وهي تحمل رسائل متعددة منها أنهم لن يسمحوا بتغيير الوضع السياسي القائم في العراق لأنهم مستفيدين من هذا الوضع ولا يريدون تغييره، لذا ارادوا اسكات المتظاهرين بالقتل لوقف المظاهرات إما باحتوائها أو باستخدام القوة وفق مبدأ “حرق البلد على الجميع”. وما جرى في مدينة كربلاء أو المنطقة الخضراء هو خير دليل على ذلك فهم يحاولون أن يجعلوا منها عبرة لغيرهم وهم يقولون هذه مدينة كربلاء بما تحمله من قدسية ارتكبت فيها مجزرة مروعة. وحسب وكالة رويتر فقد وصلت أعداد الشهداء الى  (20)شهيدا وهي في تزايد. بينما بلغت أعداد الجرحى (835)شخصا. لذا سنضرب بيد من حديد كل من يخرج ضدنا في أي مكان لذا فمن باب أولى ضرب بقية المظاهرات الاخرى في بقية المحافظات المنتفضة. وهنا لا بد من الاشارة الى القيادات السياسية كيف اختفت وصمت اذانها عن عمليات القتل التي تجري في العراق.

 

ثورة ضد النفوذ الايراني في العراق:

لقد كشفت المظاهرات عمق النفوذ الايراني في العراق من خلال الهتافات والشعارات التي رفعها المتظاهرين والاستياء العام. فهناك جيل ثائر على فساد الاحزاب السياسية والميليشيات المسلحة التابعة لإيران ورأينا كيف احرقت القنصلية الايرانية في كربلاء وكيف ثارت بغداد والمحافظات الجنوبية على الفساد الذي تديره بغداد من خلال احزابها السياسية بعد أن ضاق الشعب ذرعا بسيطرة ايران على مقومات الدولة العراقية. لذا فهي ثورة ضد النفوذ الايراني الذي بدأ متخوفاً مما يجري في المنطقة وخاصة في العراق ولبنان لأن تغيير الوضع القائم يعني نهاية مشروعها الاقليمي الطائفي في المنطقة كما أنها رسالة واضحة من الشيعة العراقيين تقول بأنهم غير ملزمين بالذين أصبحوا تبعاً لإيران من الشيعة وخاصة شيعة السلطة.

 

قرارات البرلمان لامتصاص النقمة واحتواء المظاهرات:

لقد أصدر مجلس النواب العراقي مجموعة من القرارات والاصلاحات التي تعتبر لا قيمة لها على المستوى القانوني والدستوري. فالبرلمان لا يمتلك الصلاحيات لإصدار مثل هذه القرارات إلا من خلال قوانين تشرع ويتم مناقشتها وإصدارها بقانون. فلا يحق لأي جهة ألغاء مجالس المحافظات المنتخبة مالم تشرع بقانون علماً إن فترتها الانتخابية انتهت منذ مدة وهي فاقدة للشرعية أصلاً كما أنه سبق وان تم الغاء منصب نائب رئيس الجمهورية في حكومة العبادي أثناء خروج المظاهرات عام2018م ثم تراجعوا عنها بعد ذلك فهم يكذبون ويحاولون كسب الوقت لإيجاد مخرج لهم من المأزق السياسي الذين هم فيه الان. يضاف الى ذلك إن المطالبات الان باستقالة الحكومة وحل البرلمان وهذا يعني أنه فقد شرعيته في إصدار أي قرارات أو قوانين.

 

مستقبل المظاهرات في العراق:

إن تواصل نزيف الدماء في الشارع العراقي قد يحول المشهد العراقي لساحة تصفية الحسابات بين الاطراف الشيعية كما حصل في بعض المحافظات الجنوبية بين سرايا السلام وعصائب أهل الحق. مما يحرف المظاهرات عن أهدافها التي خرجت من أجلها بما فيها تغيير النظام السياسي الحاكم وتغيير الوضع القائم. وهذا يجعل من احتمالية التدخل الايراني الرسمي تزداد بشكل كبير للحيلولة دون تغيير الوضع في العراق علماً إن لديهم وجود كبير الان وهذا ما نلمسه من خلال تصريح المسؤولين الايرانيين الذين ينادون بالمطالبة بحقوقهم عن طريق الهياكل القانونية للدولة وإن ما يجري هو مؤامرة امريكية – إسرائيلية – سعودية. لذا فلو تطلب الامر سفك الدماء بين الاطراف الشيعية للحيلولة دون تغيير الوضع فلا مشكلة لدى النظام الايراني في ذلك. كما إن دعوة الصدر لأجراء انتخابات مبكرة رفضت من قبل الحكومة علماً أنها قد تكون هي الخطوة الاولى على طريق احتواء المظاهرات التي خرجت في البداية للمطالبة بتحسين الخدمات العامة، وتوفير فرص عمل، ومكافحة الفساد، قبل أن يرتفع سقف مطالبهم إلى إسقاط الحكومة وهذا يجعل الحكومة وأحزابها وميليشياتها المسلحة أمام خيارات قليلة وصعبة. فالقبول بتغيير الوضع القائم يعني خسارتهم للامتيازات التي حصلوا عليه طوال الفترة الماضية وظهور احزاب جديدة ستشكل بعيداً عن الطائفية التي تريدها ايران والولايات المتحدة الامريكية لتسويق مشروعها في العراق والمنطقة. وهذا يعني إن النفوذ الايراني والامريكي مهدد بالزوال أيضاً وهذا يفسر التجاهل والصمت الدولي والامريكي خاصة لمجريات الاحداث في العراق ولكن الشيء الذي سيكون حقيقة ملزمة للجميع ولا يمكن القفز عليها هو إن الاوضاع في العراق بعد شهر تشرين لن تعود على ما كانت عليه سابقاً ويجب على الجميع التعاطي مع هذا المتغير وألا سيكون خارج مجريات الاحداث كما حصل في التعاطي مع الاحزاب السياسية وميليشياتها المسلحة ومرجعياتها الدينية شاء من شاء وأبى من أبى.

 

التجربة السودانية يمكن الاستفادة منها:

إن خيار التجربة السودانية قد يكون هو الحل الامثل للوضع العراقي القائم لأن جميع الذين شاركوا في العملية السياسية هم جزء من المشكلة وليس جزء من الحل في العراق لذا فتشكيل مجلس رئاسي من عدد من الشخصيات العسكرية والمدنية قد يكون هو الحل الانجح في العراق على إن يقوم هؤلاء باختيار حكومة انتقالية من شخصيات وكفاءات مستقلة لا يسمح لهم بالترشيح لأي منصب في الفترة والحكومة القادمة وهذا يتزامن مع حل البرلمان وتعديل الدستور وإجراء انتخابات مبكرة و فتح ملف الفساد المالي والاداري لأن الموجودين حالياً لا يستطيعون فتح هذا الملف لأنهم جزء من الفساد الحاصل بالدولة. كما يجب أعادة أموال العراق المنهوبة وتفعيل ديوان الرقابة المالية وتقليص رواتب الدرجات الخاصة والغاء المناصب التي تعتبر حلقات قيادية زائدة مع حصر السلاح بيد الدولة وإلغاء الميليشيات.

 

الخاتمة:

لقد هزت المظاهرات العراقية أركان الحكومة في بغداد والبيت الشيعي بأحزابه السياسية وميليشياته المسلحة ومرجعياتها الدينية فلا تراجع عن مطاليب الشعب في التغيير الكامل للنظام السياسي الفاسد الذي جاء به المحتل الامريكي- الايراني. لذا فصوت الرصاص الحي سيزيد المتظاهرين إصراراً على المضي في طريقهم وفاءً لدماء الشهداء الذي روت دمائهم أرض العراق فالطريق الى الحرية يحتاج الى تضحيات وقد أثبت الشعب العراقي بأنه  لن يتراجع مهما بلغت التضحيات ويجب أن تحكم البلاد من قبل أهلها.

  

                                                                                             بقلم

                                                                                    حاتم كريم الفلاحي

                                                  باحث بمركز الرافدين للدراسات السياسية والاستراتيجية (راسام)