د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مدخل :

تعرضت الموصل الى أكبر مجاعة في خريف (1336ه-1917م)، واعتبرها المؤرخون من أعظم الخسارات والمصائب، وشهدت الموصل غلاء لم تشهده من قبل ومن شدة الجوع بات الأهالي يبحثون عن أي شيء يملأ بطونهم ومن لم يتحمل الجوع يرمي بنفسه من مكان مرتفع أو في النهر، كما لجأ الناس الى أكل الجيف في الطرقات جنبا الى جنب مع الكلاب الضالة.

الجوع والغلاء قاد الفقراء الى التوحش، لجأوا الى حلول لا يتصورها عقل، فخطفوا الأطفال من الشوارع وأكلوا لحومهم لسد جوعهم.

فيما كان العثمانيون يصادرون محاصيل الأغنياء وأغلال التجار لبيعها لأصحابها بضعف ثمنها، بل كان يعيد الكرة مرتين، فحصلت مجاعة عام 1917م ولم تنته الا بحصد ارواح مئات الآلاف من الناس حتى احتل الموصل.

أين القوت وأين ذهبت ؟

            الموصل تعرضت الى أكبر مجاعة في خريف عام 1917م، اذ اعتمد الجيش العثماني عليها في التموين والاعاشة، ولم يكن انتاجها الزراعي فادر على تلبية احتياجات الجيش العثماني الكبير المرابط من سامراء الى الموصل والسكان في آن واحد. فقررت السلطنة أن يكون التموين والاعاشة للجيش أولا.

الضابط العربي في جيش السلطنة محمد باشا العمري طلب من قائد الجيش السادس المرابط في العراق (خليل باشا) أن يجلب الحبوب من ديار بكر لتفادي الكارثة، لكنه لم يعبأ لذلك بل لجأت الحكومة الى نظام المبايعات ومصادرة الحاصلات لقاء مبلغ قدر حسب هواها.

ومن الجدير بالذكر أن مذكرات العمري تكشف أنه نادى أثناء المجاعة الى ضرورة ضم ألوية ديار بكر في اعاشة الجيش مع الموصل لأنها غير قادرة وحدها على اعاشة الجيش والأهالي معا. لكن الأتراك ردوا بأن “الموصل مستودع ذخائر العراق” ولا حاجة لجلب مساعدات من الأناضول”.

العملة العثمانية خسرت 90% من قيمتها ولم ينتفع الأهالي بالأموال التي كان يدفعها الترك لقاء الأغلال، والأموال والأنفس، وغدى أوراقا بلا قيمة.

حاول الأهالي اخفاء حبوبهم خوفا من المصادرة، لكن السلطنة لجأت للتعذيب وفرض الغرامات والسجن لجمع أقوات الموصل زاد الأمر سوءا هجرة الكثير من أكراد (الأناضول) الى الموصل ووصول أفواج من الأرمن، وكانوا مصابين بوباء التيفوس فنقلوا المرض الى الموصل ومنها الى جيوش السلطنة.

الجبوب التي صادرها الأتراك بقيت في مخازنها، ولم يوزعوها على الناس للتخفيف من بؤسهم وشقائهم، حتى قلصوا حصة الجندي الى الربع.

المجاعة من أعظم المصائب :

الأسعار ارتفعت الى حدود مرعبة، لاسيما بعد تزايد أعداد الأرمن والأكراد القادمين من الأناضول، حيث شهدت المدينة غلاء غير مسبوق، وبات الأهالي من شدة الجوع يبحثون عن أي شيء يملأ بطونهم، وحدثت حالات ممن لم يتحمل الجوع كان يلجأ الى الانتحار.

مجاعة 1917 من أعظم المصائب التي تعرضت لها الموصل، الجوع ساهم في تفشي مرض لم تعرفه المدينة من قبل وهو (التيفوس) الى جانب الكوليرا. وكان الضابط العربي (محمد باشا العمري) شاهد عيان على المأساة ووثقها في مذكراته، : ” …كنت أرى الفقراء والمساكين يطوفون بالشوارع والأزقة من الصبح حتى الغروب ويستغيثون مستعرضين : ” خاطر الله جوعان …وفيهم من لم يتمكن من المشي للتسول فينبطح على قارعة الطريق طلبا للمساعدة من كل المارين والعابرين”.

لقد توفى الالوف من المهاجرين الفقراء وأهل الموصل الضعفاء في المساجد الخرابات. وبلغ سعر الوزنة من القمح (13كغم) 3 ليرات ذهب. وسرى الجوع على الحيوانات، فماتت الدواب وامتدت الأيدي جنبا الى جنب مع الكلاب الجائعة.

مجاعة عام 1918م :

اشتد الغلاء والجوع عام 1918م، وبلغ الأمر بالبعض الى خطف الأطفال وذبحهم وأكل لحومهم، وشملت المجاعة حتى بحيرة وان.

ويذكر السياسي العراقي عبد العزيز القصاب في مذكراته، كشاهد عيان : “…شاهدت في قرية دمير قبو بين حلب والموصل جثث البشر ملقاة على جانبي الطريق بكثرة لا يمكن وصفها، الجياع غير قادرين على الحراك بصورة تفتت الأكباد… وتحلق حول جيفة زهاء خمسين جائعا…”.

الشاعر ابراهيم الواعظ قال :

“… المجاعة بلغت حدا جعل الكثيرين يأكلون لحم الكلاب والقطط كما شربوا دم الذبائح…وشاهدت بأم عيني هرا يهرب راكضا من دار الى اخر والناس يركضون ورائه حتى أمسكوا بيه وأكلوه…”.

كان جياع الموصل نفسها منتشرين في الشوارع والأسواق بكثرة، وكان البعض منهم يختفون تحت دكاكين الخبازين والبقالين، فاذا جاء أحد لشراء شيء من الطعام خرجوا اليه فجأة واختطفوا الطعام من يديه وأكلوه، وقد يخطفها من يده صاحبه ليضعها في فمه بأسرع من لمح البصر.

كما شاهد عبد العزيز القصاب، مأموري البلدية يتجولون في كل صباح ومساء معهم الحمالون ليجمعوا جثث الموتى كأنهم يجمعون الحطب والنفايات.

ومن آثار المجاعة التي حصلت بالموصل انتشار ظواهر النهب والسطو على أموال الأهالي وممتلكاتهم، وخصوصا عند شيوع الأخبار بأن بعض التجار احتكروا المواد الغذائية ولذلك تشكلت عصابات منظمة للسطو على مخازن المواد الغذائية أو على بيوت التجار لغرض الحصول على الغذاء. كما فقد الأمن في المدينة ولذلك عمد أصحاب الأموال والمواد الغذائية، على حراسة أموالهم سواء الموجودة منها في بيوتهم أو في دكاكينهم للتصدي لتلك العصابات التي تريد السيطرة على الأموال ونهب المواد الغذائية.

كما انعكس الوضع الأمني المضطرب على تمرد أهالي القرى الخارجة عن النطاق الجغرافي في مدينة الموصل عن طريق عدم دفع الضرائب للعثمانيين جراء تللك المجاعة، فقد امتنع الأيزديون القاطنون في منطقة سنجار عن دفع الضرائب والعشور منذ عام 1917، فحصلت مواجهات مع القوات العثمانية للقضاء على تمردهم عام 1918م.

كما برزت ظاهرة نهب المسافرين وتسليمهم (وخصوصا بعد لجوء الأرمن الى مناطق الايزدية، وقد حددت هذه الحالة عن طريق برقية بعث بها الناظر طلعت باشا الى مركز ولاية الموصل في شهر كانون الثاني 1917).

وفي استعراض لمدى ارتفاع الأسعار والغلاء الذي ساد مدينة الموصل في فترة المجاعة، يمكن الاشارة الى ان اسعار المادة الأساسية المتمثلة بالخبز ارتفعت أثمانها الى ثلاثة أضعاف، اذ أن الحنطة بلغت من الندرة والشحة بحيث أصبح بيعها حسب الأوزان التي يعتمدها العطارون في بيع موادهم وارتفع ثمن رغيف الخبز الواحد الى أكثر من قرش واحد.

وفي عام 1918 ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسب عالية جدا بحيث أصبح سعر وزن الحنطة بنسبة (260%)، كما ارتفع الرز (التمن) بنسبة (250) والشعير بنسبة (160%). وفي ذات الوقت ارتفعت أسعار السكر والشاي الى ثلاثة أضعاف، ووصل سعر الحنطة الموصلية الى (20 مجيدي)، وبلغ سعر الطن الواحد من الحنطة قبيل انسحاب القوات العثمانية من الموصل قرابة (400 ليرة ذهبية)، وتجدر الاشارة الى أن التجارة بالحنطة كانت تتسم بالسرية وذلك للخشية من معرفة الجهات العثمانية التي غالبا ما كانت تصادرها، وفضلا عن ذلك فان البضائع التجارية من داخل الموصل أو خارجها قد تعرضت الى السلب من قبل قطاع الطرق، وهذا يوضح مدى الفوضى التي حصلت أواخر العهد العثماني في عدم القدرة على توفير الحماية اللازمة للتجارة.

وللإيضاح على سبيل المثال، كان تجار الملح مضطرين الى دفع رسوم تستحصل بشكل غير رسمي من قبل قبيلة شمر. اذ كانوا يستوفون رسم مقداره ألف وخمسمائة قرش مقابل كل قافلة تحمل الملح تحت مسمى (الخوة) التي تعني استخدام القوة في الحصول على رسوم تجارية غير قانونية من قبل بعض العشائر العراقية.

وفق شواهد المعاناة التي كابدها أهل الموصل في فترة المجاعة ما بين عامي1917-1918م، حين لجأ مسؤولي الادارة العثمانية الى اسلوب التعسف في تحصيل الضرائب فغالبا ما كانوا يسيطرون على المؤن الغذائية في حالة عدم دفع ضرائبها، اضافة الى أن العثمانيين فرضوا ضريبة المجهود الحربي منذ بداية الحرب العالمية الاولى عام 1914م، التي بلغت نسبتها 50% على الأملاك العقارية و 25% على الأراضي والعشور، كما انهم فرضوا على أثرياء الموصل رسوم وضرائب نقدية، وفي حالة عدم أو امتناع دفع تلك الضرائب، يتعرضون الى اجراءات قاسية وشديدة، ناهيك عما كان يفعله جباه الضرائب الذي يستحصلون الأموال من الأهالي، وهذا ما أثار استياء معظم الأهالي بالموصل والتي عبر عنها عبد المنعم الفلاحي الذي كان شاهد عيان، قائلا: “…ما كنا نمر في طريق أو نستقر في مكان الا ونسمع أنواع الكلام المنبعث عن التذمر من تلك الحالة السيئة…” .

مما يظهر ان الصعوبات التي واجهها الأهالي في العهد العثماني، توقعوا تغيرا عند دخول المستعمر البريطاني، لكن حصل العكس كما سنرى. اذ اتخذ البريطانيون اجراءات اقتصادية سريعة ساعدت على استمرار حالة العوز المادي لدى أهالي الموصل. حيث طبق البريطانيون شروطا قاسية على حركة البضائع والسلع التي يقصد تجارها مدينة الموصل والوافدة من مناطق عدة عن طريق فرض رسوم على كل بضاعة تدخل مدينة الموصل، وفي حالة شحن البضائع والسلع من مدينة الموصل الى بغداد كان على التاجر أن يظهر الوثائق في دائرة الرسوم وهذا يعني رسوم اضافية على البضائع مما يؤدي الى ارتفاع أسعار الواد الغذائية.

وعلى أثر سياسة المستعمرين البريطانيين الاقتصادية ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمستلزمات المنزلية الى ثلاث أضعاف عما كان عليه عام 1913م. ولم يقتصر الأمر على أوضاع الموصل المعاشية في عهد الاحتلال البريطاني، بل عانى الموصليون من سوء معاملة قوات الاحتلال- كسائر مدن العراق- كما سنرى.