د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

خضع العراق للإدارة البريطانية بعد انتهاء الأعمال العسكرية بعد أن امتدت زهاء أربعة أعوام (1914 – 1918)، واتبع المحتلون الانكليز اجراءات خاصة لضمان الأفضلية لحاجاتهم العسكرية، كما اتبعوا نهجا اداريا يتماشى وخبرتهم المعمول بها في الهند، ويمكن تلخيص الاسس التي قامت عليها الادارة البريطانية المحتلة في الامور الآتية :

أولا : العمل على تأمين الحاجات التي يتطلبها الاحتلال، بالاستيلاء على بعض الأراضي والممتلكات، وتشغيل العراقيين بالإكراه المعروفة (بالسخرة) لخدمة المجهود الحربي البريطاني .

ثانيا : التخطيط لجعل الجزء الجنوبي من العراق، مستعمرة هندية تمهيدا لضمه للهند تحقيقا للسياسة الاستعمارية الطامعة في جنوب العراق.

ثالثا : محاولة التقرب من العشائر، والاهتمام بإقامة العلاقات مع بعض رؤسائها والعمل على زيادة نفوذ هؤلاء الرؤساء بمدهم المال، ومنحهم الاقطاعيات الكبيرة لضمان الولاء للسلطة المحتلة.

رابعا : العمل على ايجاد نظام اداري تتركز فيه السلطات الاساسية في أيدي الحكام السياسيين ومعاونيهم وهم من الانكليز عادة مع العمل على مشاركة العراقيين في الوظائف الثانوية.

خامسا : وضع نظام قضائي جديد يهدف الى استبدال القوانين العثمانية بقوانين هندية في الشؤون المدنية والتجارية والعقابية وفي المسائل المادية والاصولية، وكيفية تشكيل المحاكم فضلا عن تشريع نظام دعاوى العشائر.

سادسا : العمل على وضع نظام مالي يساعد في توفير الاموال اللازمة لمتطلبات جيش الاحتلال.

وهكذا طغت على أساليب سلطات الاحتلال الادارية القساوة والشدة، بحيث لم يكن تطبيقها مستساغا بشكل كلي وواضح، وبوجه عام يمكن القول بأن موقف الجيش البريطاني كان عدائيا صريحا للشعب العراقي، مما أجج السخط والنقمة لدى العراقيين، وأوقد فيهم جذوة المشاعر الوطنية، خصوصا بعدما تبين لهم كذب تنفيذ الوعود البريطانية.

فما هي هذه الوعود ؟

كان العراقيون يأملون بعد انتهاء الحرب، اقامة حكومة عربية مستقلة طبقا للوعود البريطانية للشريف حسين، واستنادا لبيان الجنرال (ستانلي مود) الذي أصدره بعد دخوله بغداد في (19آذار 1917)، وزعم فيه ان الجيوش البريطانية لم تدخل مدن العراق وأراضيه بصفة “قاهرين أو أعداء بل بصفتهم محررين”. وزعم أيضا ” جئنا نحميكم من الظلم والغزو ونضمن حرية تجارتكم”، وأكد الجنرال (وليم مارشال) الذي خلف الجنرال مود بعد وفاته في قيادة الجيش البريطاني في نفس هذه المبادئ في اجتماعه مع أعيان بغداد يوم (11 تشرين الثاني 1918)، وكررت بريطانيا وفرنسا المبادئ ذاتها في تصريحيهما المشترك الذي أعلن في (7 تشرين الثاني 1918)، ومما جاء فيه :

“…ان الغاية التي ترمي اليها كل من فرنسا وبريطانيا العظمى من خوض غمار الحرب في الشرق……. هو تحرير الشعوب ….وتأسيس حكومات وادارة وطني تستمد سلطاتها من رغبة السكان الوطنيين ومحض اختيارهم …”.

كما تضمنت بنود الرئيس الأمريكي (ولسن)، وبخاصة البند الثاني عشرة الدعوة الى اعطاء حق تقرير المصير للشعوب. وخلافا لتلك الوعود دأبت الادارة البريطانية على اقامة نظام احتلال استعماري أصبحت فيه السلطة المطلقة بأيدي القيادة العسكرية البريطانية، أما الادارة البريطانية فكانت خاضعة لحكومة الهند البريطانية، وترأس هذه الادارة السير برسي كوكس الموظف القديم في الخدمة البريطانية الاستعمارية والمقيم البريطاني في الخليج العربي.

لقد أثاروا بعملهم هذا سخط واستياء العراقيين، مما اضطر الانكليز الى استبدال اساليبهم الادارية بأخرى أقل وطأة بعد أن اعتقدوا خطأ بأن بإمكانهم تجاهل واقع العراق وشعبه وظروفه المحلية، فعمدت الى اجراء ما سمي ب(الاستفتاء) لتزييف ادارة الشعب العراقي، فما هو هذا الاستفتاء، وماذا يتضمن؟ كما سنرى.

 

 

المصادر المعتمدة :

1 – فليب ويلارد ايرلاند، العراق دراسة في تطوره السياسي، ترجمة جعفر الخياط ، (بيروت، 1949).

2 – عبد الرحمن البزاز، العراق من احتلال الى استقلال، ط2 (القاهرة 1960) .

3 – غانم محمد الحفو، الحركة الوطنية في الموصل منذ 1921حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، موسوعة الموصل الحضارية، ج5 (الموصل 1992) .

4 – محمد بديع شريف وآخرون، دراسات في تاريخ النهضة العربية الحديثة، (القاهرة).

5 – لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديثة، ترجمة عفيفة اسكندر البستاني، (موسكو، 1971).