شاهو القره الداغي                                                                                                                                     

تحول “الفساد” في العراق الجديد الذي تشكل بعد عام 2003، من جريمة خطيرة تؤدي لانهيار واضعاف الدولة ، إلى ثقافة عامة و أمر مألوف عند الأحزاب السياسية التي تقاسمت كعكة السلطة فيما بينها ، وقدمت المصالح الشخصية و الحزبية و الخارجية على مصالح الوطن و المواطنين، حتى أصبح الفساد ظاهرة مستشرية داخل جميع مؤسسات الدولة العراقية ، وهي من أبرز أسباب خروج التظاهرات الشعبية ضد الحكومة و البرلمان و المنظومة السياسية المتوغلة في مستنقع الفساد.

فبحسب التقارير الرسمية الصادرة عن العديد من المؤسسات المعنية في المجال المالي ومكافحة الفساد ، تم إهدار أكثر من 312 مليار دولار ، إضافة إلى تهريب 300 مليار دولار من رؤوس الأموال العراقية بسبب الابتزاز و التهديد وفق بيانات البنك الدولي. وفي عام 2017 احتل العراق المرتبة الأولى كأخطر دولة في مجال تبييض الأموال والجريمة المنظمة وفق بيانات معهد بازل للحوكمة، مع انفاق 178 مليار دولار لعقود وشركات وهمية تتعلق بتنفيذ 6000 مشروع في البنية التحتية والخدمات ، مع انفاق 600 مليار دولار بدون ايصالات في زمن رئيس الوزراء الأسبق “نوري المالكي” كما صرح النائب السابق عادل نوري .

بالإضافة إلى هذه المعلومات، أعلن النائب في برلمان إقليم كردستان (علي محمد صالح) بأنه يمتلك أكثر من 320 صفحة من الوثائق التي تثبت تهريب أكثر من (330) مليار دولار إلى خارج العراق ، واستعداد النائب لتقديم الوثائق لأي جهة تعمل لمتابعة الامر والتحقيق فيه.

 

لماذا فشلت محاولات مكافحة الفساد؟

“مكافحة الفساد” كانت شعار الحكومات العراقية السابقة دائما. حيث أكد (نوري المالكي) على ضرورة مكافحة الفساد و تفعيل هيئة النزاهة لمعاقبة الفاسدين  ورغم ذلك كانت حكومة المالكي أكثر الحكومات فساداً وتورطاً في ضياع المليارات من الدولارات. بينما اعتبر (حيدر العبادي) مكافحة الفساد جزءاً رئيسياً من برنامجه الحكومي وشكل مجلساً لمكافحة الفساد، ولكنه عجز عن محاسبة حيتان الفساد طوال أربعة سنوات من فترة رئاسته وطالب بتمديد ولايته لأربعة سنوات أخرى لتحقيق اهدافه. أما رئيس الوزراء الحالي (عادل عبد المهدي) فقد اعتبر الفساد أخطر من الإرهاب ، وقام بتشكيل (المجلس الأعلى لمكافحة الفساد) ، دون ان ينعكس ذلك على الواقع عن طريق سياسات ملموسة وحقيقية تُحول الشعارات السياسية إلى برامج حكومية تساهم في تحجيم الفساد ومعاقبة الرؤوس الكبار لهذه المنظومة المافياوية.

السبب الأول لفشل كافة المحاولات الحكومية لمكافحة الفساد ، غياب الرؤية الاستراتيجية و الإدراك الحقيقي لمخاطر هذه الظاهرة داخل مؤسسات الدولة. فالأحزاب السياسية في العراق تعلن عن مكافحة الفساد كجزء من الشعارات الانتخابية لكسب الأصوات و دغدغة عواطف الجماهير وخداع المواطنين ، أو كمجرد ردة فعل على الاحتجاجات و المظاهرات الشعبية ، وبالتالي تلجأ للإعلان عن بعض الإجراءات لتخدير الشارع أو كتصفية سياسية بين الأحزاب الموجودة على الساحة.

السبب الثاني هو ارتباط ملف الفساد بالنفوذ الإيراني في العراق. حيث ساهم التدخلات الإيرانية في زيادة الفساد في مؤسسات الدولة العراقية لتمهيد السيطرة الإيرانية على المجال التجاري و الاقتصادي مثل المجال السياسي. وبالنظر إلى الطموحات الإيرانية لزيادة التبادل التجاري بين العراق وايران إلى (20 مليار) واحتكار قطاع الكهرباء و الغاز العراقي، بالإضافة إلى تأسيس الشركات و التعامل البنكي ، يظهر بوضوح السيطرة الإيرانية على العراق وتجاوز مرحلة المصالح المشتركة بين البلدين إلى مرحلة استنزاف العراق بشكل علني لتحقيق المصالح الإيرانية. وهذا السبب يمنع تحقيق أي مكافحة للفساد لأنه سيؤثر على المصالح الإيرانية وخاصة في ظل العقوبات الاقتصادية الامريكية و تحويل العراق لساحة خلفية و سند اقتصادي لطهران .

 

مكافحة الفساد كاستراتيجية وطنية شاملة

عندما وصل “لي كوان يو” الأب المؤسس لسنغافورة الحديثة ، قرر البدء بحملة استراتيجية لتنقية البلاد من كل اشكال الفساد من مرحلة الانتخابات إلى تشكيل الحكومة و المراحل الأخرى. لأنه وحسب (لي كوان يو) فإن الحكومة النظيفة يبدأ أساسا من مرحلة الانتخابات، وكلما كان المال القذر هو مصدر المنصب السياسي كلما كان الفساد أكبر في الحكومة، لأن التكلفة المرتفعة للانتخابات والمناصب السياسية تدفع الأحزاب التي تصل للسلطة لاستعادة المال التي تم صرفه للحصول على المنصب وتجهيز مال جديد للحملة المقبلة عبر استغلال النفوذ والتقرب من المسؤولين و التأثير عليهم عبر الصفقات القذرة، ونتيجة لهذه السياسات نجحت هذه الحملة و انعكست إيجابياً على الدولة وتحولت إلى أكثر الدول تطوراً في المنطقة والعالم.

أما في العراق، فوجود الأحزاب السياسية الحالية والهيمنة الإيرانية على الساحة السياسية تمنعان من إيجاد الاستراتيجية الشاملة لمكافحة الفساد و تحقيق النزاهة و الشفافية في مؤسسات الدولة ، باعتبارها من ابرز مطالب المتظاهرين و الثوار ممن خرجوا في وجه الفساد و الظلم و الطائفية و يحاولون تغيير الواقع وضمان مستقبل الأجيال القادمة .

 

مقال خاص براسام