د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

بعد أن انتهت هدنة مودروس الحرب بين الدولة العثمانية وبريطانيا في 30 تشرين الأول 1918م، أصبح العراق كله تحت السيطرة العسكرية البريطانية، وبدأت مهمة جديدة من مراحل الادارة البريطانية من حيث التخطيط والتنفيذ الاداري.

لقد شرعت الادارة البريطانية عقب الحرب العالمية الاولى بتقسيم العراق الى مناطق لا تختلف كثيرا عن تقسيمات الادارة العثمانية مع بعض التحويرات التي تقتضيها الضرورات الادارية والعسكرية الملحة. وعلى هذا الأساس كانت الادارة البريطانية خلال مرحلة الاحتلال العسكري تجمع ما بين الانظمة العثمانية والهندية والبريطانية.

أصبح ارنولد ويلسن على رأس الجهاز الاداري في العراق بصفته (وكيل الحاكم المدني العام). وكان لشخصيته الطموحة وتجاربه السابقة في الهند أثرا ملحوظا في الادارة البريطانية فضلا عن فضاضته المزعجة وغروره وشدة عناده نتائج مهمة على صعيد الادارة الداخلية. وكان يساعد (ويلسن) من نهاية الحرب حتى عام 1920م مجموعة من الضباط الذين كانوا يشرفون اشرافا تاما على سير الامور بجوانبها كافة، يعاونهم عدد من الموظفين البريطانيين والهنود العاملين في شتى مراكز الادارة المدنية. ولم تكن لهؤلاء الخبرة اللازمة في شؤون الادارة المستقرة، لذلك عينت الادارة البريطانية مجموعة مساعدين من بعض موظفي حكومة الهند الذين تلقوا أنماط الادارة المستقرة التي تتميز بشدة التمسك بالتعليمات الرسمية والروتين، كما لم تكن لأغلبهم خبرة سابقة بطبيعة العراق على نمط الخط العام الذي تعلموه وعملوا به في الهند.

فكان من الصعب عليهم التمييز بين الامور المهمة التي يجب اعطاؤها أهمية خاصة وأسبقية في التنفيذ والمسائل الأقوى التي تمثل أهمية ثانوية. واحتفظت الادارة البريطانية من خلال هذه المرحلة بصفتها العسكرية لتواصل ممارسة أساليبها العسكرية. لأن الادارة العرفية كانت هي السائدة، فكانت تمارس نظاما عسكريا صارما، وما كان معظمهم يعرفون اللغة العربية ويفتقرون الى المرونة والتساهل وتنقصهم الحكمة والبصيرة.

وعلى ما يبدو أن خبرة الاداريين البريطانيين المستمدة من تجاربهم السابقة في الهند ومعلوماتهم الاستخبارية عن العراق والموقف الصلب للقبائل العراقية خاصة ولأبناء الشعب العراقي عامة يعد من الامور الصعبة ما لم تكن لهم قاعدة مضمونة يمكن الاعتماد عليها لتنفيذ مخططاتهم الاستعمارية.

لقد جابه العراقيين حكم المحتلين بشتى الوسائل، مما اضطرت الادارة البريطانية الى اتباع أساليب شتى للحفاظ على مصالحها الحيوية، فتقلبت سياستها الادارية في العراق تقلبات عديدة وارتدت أثوابا مختلفة وطرقت ابواب عدة مشاريع كمشروع (الاستفتاء العام)، فما هي حقيقة الاستفتاء؟

أصدرت سلطات الاحتلال البريطاني قرارا في 30 تشرين الثاني 1918م يقضي بإجراء استفتاء عام بين الناس لمعرفة رأي البلاد في تأسيس حكومة عربية تضم البصرة وبغداد والموصل ويرأسها أمير عربي. وقد استهدفت هذه السلطات بشكل أو بآخر التخفيف من حدة توتر مشاعر العراقيين الذين رفضوا الاحتلال.

حددت طبيعة (الاستفتاء العام) شكل ومستقبل الحكم في العراق بالأسئلة التالية :

أولا : هل يفضلون دولة عربية واحدة تقوم بريطانيا بإرشادها، تمتد من ولاية الموصل الشمالية الى الخليج العربي؟.

ثانيا : وفي هذه الحالة هل يرون ان الدولة الجديدة يجب أن يكون على رأسها أمير عربي؟.

ثالثا : واذا كان الأمر كذلك من الذي يفضلون تنصيبه رئيسا للدولة؟.

والحقيقة التي يجب أن تقال أن هذا الاستفتاء لم يمثل رأي الشعب العراقي المناهض للاحتلال، لذا عمل الى تنظيم نفسه لمقاومة الاحتلال والمطالبة بالاستقلال، من خلال مجالين أساسيين :

الأول : اتباع المقاومة السلمية.

الثاني : تبني الصيغة العسكرية والكفاح المسلح واتخاذه طريقا لمقاومة الغزاة الانكليز- كما سنرى لاحقا.

 

المصادر المعتمدة :

1 – محمد مظفر الأدهمي، المجلس التأسيسي العراقي، الجزء الأول،(يغداد 1989).

2 – محمد طاهر العمري، تاريخ مقدرات العراق السياسية، الجزء الثالث، (بغداد 1925).

3 – المس بيل، فصول من تاريخ العراق، ترجمة جعفر خياط، ط2، (بيروت  1947).

4 – فيليب ويلارد ايرلاند، العراق دراسة في تطوره السياسي، ترجمة جعفر الخياطـ، (بيروت  1949).