شاهو القره داغي

بعد مرور أكثر من شهرين على المظاهرات الشعبية في ساحة التغيير في بغداد و المحافظات الجنوبية ، وصل عدد ضحايا العنف الحكومي و الميليشيات إلى أكثر من (400) شهيد و (20) ألف جريح بينهم آلاف المصابين بالإعاقة الدائمية حسب مفوضية حقوق الانسان في العراق. بالإضافة إلى تسجيل عشرات حالات التهديد و الاختطاف و الاعتداء على الناشطين و الصحفيين وحملات التخوين و التخويف و الإرهاب .

وعلى الرغم من الحملة الأمنية القمعية ، إلا ان المظاهرات نجحت في تحقيق العديد من الإنجازات أهمها توحيد المجتمع و إنهاء الطائفية و زيادة الوعي لدى أفراد المجتمع و إعادة الثقل و القرار للمواطن العراقي. بالإضافة إلى قدرة المتظاهرين على تشكيل ضغط كبير على الأحزاب السياسية و المرجعية الدينية التي قررت التخلي عن رئيس الوزراء (عادل عبد المهدي) و دفعه لتقديم الاستقالة ليتحقق احد مطالب المتظاهرين ممن ينتظرون تحقيق المئات من المطالب الأخرى .

هذه التطورات في الشارع العراقي شكلت خوفاً حقيقياً لدى الأحزاب السياسية التابعة لإيران. حيث لا تخفي الطبقة السياسية خشيتها من انهيار المنظومة السياسية بالكامل في ظل استمرار المظاهرات ، وهذا ما دفع الطبقة السياسية الى تكثيف محاولاتها في القضاء على الثورة الشعبية بكل الوسائل، منها القمع بالرصاص والقوة ، او احداث الفتنة و الفوضى داخل الساحات عن طريق الدفع بالمخربين و مناصري الميليشيات الطائفية ليحتكوا بالمتظاهرين و يعتدوا عليهم و يسيطروا على الساحات للقضاء على المظاهرات الشعبية التي شكلت صداعاً حقيقياً للطرف العراقي و الإيراني.

وفي نفس الوقت تحاول الآلة الإعلامية للأحزاب السياسية تحويل استقالة رئيس الوزراء إلى انجاز كبير لإقناع المواطنين بأن مطالبهم تحققت بهذه الاستقالة ، و أصبحت القيادات السياسية تتحدث بنفس ثوري و إصلاحي لقطف الثمار و ركوب موجة المظاهرات و إعادة تشكيل الحكومة بناء على توافقات جديدة تضمن بقاء المحاصصة و الفساد و المحسوبية في مؤسسات الدولة ، مع الإعلان عن حزمة إجراءات إصلاحية بغية تخدير الجماهير دون المساس بمصالح و حصص الأطراف السياسية الحاكمة .

ولكن من الواضح أن المنظومة السياسية الحالية لا تحمل بذور الإصلاح ولا يمكن التعويل على إصلاح جزئي ليمتد ويتوسع لاحقاً ويتحول لإصلاح كلي في ظل بقاء ثالوث (الأحزاب الدينية ، الميليشيات، النفوذ الإيراني) ، وسيكتب الفشل لأي مشروع إصلاحي داخلي او خارجي في ظل هذه البيئة الملغومة و الملوثة و التي ترفض التغيير و الإصلاح  و تملك مقومات البقاء من المال و القوة و السلاح و الدعم الخارجي .

وما يؤكد هذه الفرضية هو انشغال الأحزاب السياسية بسيناريوهات الثورة المضادة و خلق مظاهرات مضادة للمظاهرات الشعبية لاختراق المتظاهرين و السيطرة على الساحات بهذه الطريقة. حيث نظمت ميليشيات كتائب حزب الله و النجباء و غيرها من الميليشيات الإرهابية تجمعاً لأنصارها رفعوا فيها شعارات النظام الإيراني (الموت لأمريكا والموت لإسرائيل ) ليؤكدوا مرة أخرى ان مشروعهم خارجي ولا يربطهم أي شيء بالشارع العراقي الذي ما زال يطالب ومنذ اكثر من شهرين بالتغيير و الحياة الكريمة و الحرية و الحقوق المسلوبة من قبل السلطة السياسية و الأحزاب الدينية .

هذه الالاعيب و المؤامرات المحبوكة من قبل الأحزاب السياسية و التدخلات الإيرانية المتمثلة بتواجد “قاسم سليماني” و “محمد كوثراني” مسؤول ملف العراق لدى حزب الله اللبناني للقضاء على الثورة الشعبية، تؤكد اقتراب تحقيق الكثير من المطالب في حال استمرار الثورة السلمية و عدم التراجع او السماح للثورة المضادة بالتغلغل داخل الساحات و السيطرة على المشهد الثوري لصالحها .

يقول الكاتب الألماني جورج بوشنر: من يقومون بثورة إلي منتصفها فقط، إنما يحفرون قبورهم بأيديهم! ومن الواضح فيما لو تراجعت المظاهرات في هذا التوقيت – لا سامح الله – فسيقضي هذا التراجع على آمال الملايين من العراقيين في الداخل و الخارج الذين عولوا على هذه الثورة  لإحداث تغيير حقيقي في الساحة السياسية و التخلص من الفساد و الفوضى. على ثوار تشرين ان يدركوا ان وعود الأحزاب السياسية هي وعود كاذبة كما فعلوا في كل الانتخابات الماضية ولم ينفذوا وعودهم ، وهم يدركون ان نجاح المظاهرات يعني خسارتهم لكل المكاسب والأموال التي سرقوها و دخولهم في السجون و وقوفهم امام المحاكم بسبب حجم الفساد. وبالتالي لديهم استعداد للقتال في سبيل البقاء في السلطة و القضاء على آمالكم و اخماد هذه الثورة التي قد تكون الفرصة الأخيرة للشعب العراقي .

التراجع بعد كل هذه التضحيات سواءا كانت استجابة للوعود و التعهدات الرسمية او قناعة بإمكانية الإصلاح يعني القضاء على الحراك الشعبي و على أمل الإصلاح مرة أخرى. لأن الأحزاب السياسية لا تملك نية الإصلاح وهم مجرد وكلاء للأصيل الإيراني الذي يتحكم بشؤون العراق. واي تغيير لا يشمل تحجيم النفوذ الإيراني يعتبر تغييرا تخديريا وليس حقيقيا.

 

مقال خاص براسام