د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

أدركت الحركة الوطنية هدف السياسة البريطانية في استمرار السيطرة المباشرة، وعدم تنفيذ الوعود التي اعطيت للعرب في الحصول على الاستقلال والوحدة، فقامت بتصعيد المقاومة ضد الاحتلال ورموزه بغية الحصول على الاستقلال التام. وساعدت الأوضاع العربية آنذاك العراقيين على تصعيد مقاومتهم للاحتلال. فقد انتفضت مصر بقوة ضد بريطانيا في عام 1919 وشملت الانتفاضة مصر كلها تقريبا، وكلفت البريطانيين الخسائر الكثيرة. يقول المؤرخ محمد طاهر العمري في الجزء الثالث من مؤلفه (تاريخ مقدرات العراق السياسية): ” إن للثورة المصرية أثرا في تشجيع العراقيين على الثورة ضد البريطانيين، وان اطلاع العراقيين على انتصارات المصريين على البريطانيين قوّى عزائمهم فأخذوا يستخفون بالإنكليز وبمقدراتهم الحربية، وانتعشت الروح الوطنية انتعاشا هائلا …”.

أما قيام الحكومة العربية في دمشق (1918 – 1920)، وانتخاب فيصل بن الحسين ملكا دستوريا مستقلا في (6 آذار 1920) فقد شجع العراقيين الموجودين في دمشق على عقد مؤتمر عراقي في (8 آذار)، قرروا خلاله ضرورة استقلال العراق وتنصيب الأمير عبد الله وهو أخو الأمير فيصل بن الحسين. وقد طبع هذا القرار بمنشور خاص بعث به الى جميع أنحاء العراق، ومما جاء فيه: “..فنحن أعضاء هذا المؤتمر الذي يمثل الشعب العربي في العراق تمثيلا قانونيا صحيحا رأينا الآن نجهر بإرادته ونخرج البلاد من هذا الموقف الحرج والحال المبهم المضطرب. وبصفتنا ممثلي الشعب المكلفين بالإعراب عن ارادته أعلنا الآن بإجماع الآراء استقلال البلاد العراقية … بحدودها المعروفة من شمالي ولاية الموصل الى الخليج العربي استقلالا لا شائبة فيه”.

ومن المفيد الإشارة الى ان الموظفين في الحكومة العربية في الشام من العراقيين استفادوا من مراكزهم المهمة في تلك الحكومة فأخذوا يعملون على ادارة الحركات الوطنية الرامية لإنقاذ وطنهم من أيدي السلطات البريطانية التي كانت تسيطر على العراق حينذاك.

كما انتشرت الشائعات بين العراقيين بأن الدولة العربية في الشام قد أصبحت قوية، وان رجالها – وفي مقدمتهم الملك فيصل – قد عزموا على تحرير العراق من الاستعباد. وقد كان لهذه الشائعات أثرها في دفع المواطنين الى التحفز للثورة ضد الاحتلال.

 

ما هو رد الفعل البريطاني.. وهل استجاب للمطالب الشعبية لمنح حق تقرير المصير ؟ 

بدلا من الاستجابة للمطالب الشعبية لمنح حق تقرير المصير سارعت بريطانيا وحلفاؤها الى الاجتماع في سان ريمو في ايطاليا في (25 تيسان 1920) ووزعوا الانتدابات على الممتلكات الآسيوية التي انسلخت عن الامبراطورية العثمانية. فأنيط انتداب العراق وفلسطين وشرق الاردن ببريطانيا، وانتداب سوريا ولبنان بفرنسا. وقد جاء توزيع الانتدابات حسبما اتفق عليه الحلفاء سابقا في معاهدات واتفاقيات سرية أثناء الحرب وأهمها اتفاقية سايكس- بيكو في (16 مايس 1916)، فضلا عن الظروف التي فرضتها نتائج الحرب.

لقد تكونت لائحة الانتداب البريطاني على العراق من عشرين مادة، أوجبت المادة الاولى منها على المنتدب أن يضع خلال تاريخ لا يتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ تنفيذ الانتداب قانونا أساسيا للعراق – دستور – يعرض على مجلس عصبة الامم للمصادقة عليه ونشره سريعا. على أن يسن هذا القانون بمشورة الحكومة الوطنية وتبين فيه حقوق الأهالي الساكنين في البلاد ومنافعهم ورغباتهم. فضلا عن مواد تسهل تدرج العراق وترقيه ليكون دولة مستقلة. وفي المدة السابقة للعمل بالقانون الأساسي تجري ادارة البلاد طبقا لروح الانتداب. كما نصت المادة الثانية على تأمين المنتدب حرية الضمير والعبادة للجميع، على أن لا يخل ذلك بالأمن العام والأدب، ولا يميز بين الناس بسبب الجنسية والدين، أو لغة، وأن يشجع التعليم.

كما أعطت المواد الاخرى الحق لبريطانيا الاحتفاظ بقوة عسكرية في العراق لأجل الدفاع عنه، مع تأليف جيش محلي بإشراف بريطانيا هدفه العمل لإقرار الأمن الداخلي والدفاع عن البلاد. ويحق لبريطانيا في كل وقت استعمال الطرق والسكك الحديد والموانئ العراقية، لتحريك القوات المسلحة ونقل الوقود والأرزاق. كما بينت اللائحة أن بريطانيا تقوم بإدارة علاقات العراق الخارجية. ويفهم من هذا أن على الدولة المنتدبة، واجب تكوين نظام الدولة العراقية الحديثة، يستند الى الأساس الدستوري.

اذيع خبر الانتداب البريطاني على العراق في بغداد يوم (3 أيار 1920) ببيان أصدره أرنولد ولسن وكيل المندوب السامي، فأعلن الشعب معارضته واستنكاره ورفضه لكل انتداب أو وصاية أو حماية، خاصة وأن كلمة انتداب لفظة بغيضة غير مألوفة في نظر الشعب العراقي كما عد احتلالا بثوب جديد.

ما هي الاجراءات العملية التي قام بها الشعب العراقي عند رفض الانتداب البريطاني؟ هذا ما سنجيب عليه في الحلقة القادمة إن شاء الله .

 

المصادر المعتمدة :

1 – محمد طاهر العمري، تاريخ المقدرات السياسية، الجزء الثالث، (بغداد،1925).

2 – مجيد خدوري، نظام الحكم في العراق، (بغداد،1974)، ويوضح حزوري في ص2 وص3 الانتداب ويقول : بأنه استعمار في صيغة جديدة، وصاحب هذه الفكرة الجنرال سمطس، الذي اقترح الفكرة لتسوية الخلافات والمصالح المتضاربة للحلفاء.

3 – عبد الرزاق الحسيني، تاريخ العراق السياسي، الجزء الأول، (صيدا،1948).

4 – فاضل حسين، الفكر السياسي في العراق المعاصر، 1914 – 1958)،(الكويت،1984).

5 – هنري فوستر، تكوين العراق الحديث، ترجمة عبد المسيح جويدة، (بغداد،1945).