شاهو القرةداغي    

عملت إيران خلال الفترة الماضية على ربط مصير العراق بمصيرها من كل الجوانب كالجانب السياسي و الاقتصادي و التجاري و العسكري و الثقافي عبر اتخاذ عدة خطوات بهذا الخصوص. وقد نجحت في تحويل العراق إلى دولة ضعيفة فاقدة للاستقلال و السيادة الوطنية و خاضعة للإملاءات و القرارات الإيرانية دون الاكتراث بمصالح العراقيين و مصير العراق كدولة .

لقد أكد وزير الدفاع الإيراني بأن “العلاقات الدفاعية بين طهران و بغداد متنامية ولا حدود في تعزيز هذه العلاقات ” في محاولة لربط الجانب الدفاعي العراقي أيضاً بإيران .

ويبدو أن القيادة السياسية في العراق تقبل بهذا المخطط الإيراني وتقدم كل التسهيلات لربط العراق و إخضاعه بإيران. و ظهر هذا الامر بوضوح في تصريح السفير العراقي في طهران أثناء مشاركته في مناسبة في جامعة (الخميني) عندما قال: ” إن زعزعة الاقتصاد الإيراني  هي إحدى أدوات أمريكا ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية و أن العراق و إيران دولتان في جبهة واحدة).

 التصعيد الإيراني في ظل الاحتجاجات

على الرغم من المظاهرات الشعبية في العراق و الغضب الشعبي الواسع ضد التدخلات الإيرانية، إلا ان طهران استغلت هذه الأجواء لنقل الصواريخ الباليستية الى العراق. حيث أكدت معلومات لصحيفة “نيويورك تايمز” الامريكية عن قيام طهران ببناء ترسانة خفية من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى في العراق .

تنظر إيران إلى الاحتجاجات في العراق و لبنان على أنها جزء من الصراع مع الولايات المتحدة الامريكية. و منذ اليوم الأول لانتفاضة تشرين في العراق ، خرج المرشد الإيراني (علي خامنئي) بالإضافة إلى قائد الحرس الثوري الإيراني ورئيس البرلمان ليؤكدوا وجود مؤامرة أمريكية – إسرائيلية داخل العراق ضد (محور المقاومة) و تستهدف العلاقات الإيرانية – العراقية. وهذا الوهم الراسخ لدى صانع القرار الإيراني يدفعه الى التمسك بالعراق وتعزيز تواجده العسكري دون الاكتراث بالمطالب الشعبية التي تطالب بتحجيم النفوذ الإيراني ومقاطعة المنتجات الإيرانية كعقوبة لطهران على سياساتها في العراق و تقديم الدعم المستمر للأحزاب الفاسدة و المتورطة بقتل المتظاهرين.

تخشى إيران من خسارة العراق في ظل وجود مؤشرات قوية على خسارتها للحاضنة الشعبية الشيعية في العراق. وأصبحت طهران عاجزة عن استخدام الورقة الطائفية لإثارة مشاعر الشيعة و دفعهم للاحتماء بإيران خوفاً من السنة. حيث نجحت المظاهرات في إغلاق باب الطائفية و توحيد شرائح المجتمع خلف مطالب مشتركة وهذا الأمر يشكل خطرا حقيقيا على إيران و وكلائها في العراق، وتدفع طهران للتشبث بالعراق كعمق استراتيجي و سياسي و جغرافي للنفوذ الإيراني في المنطقة.

وفي ظل الاحتجاجات الشعبية وجهت طهران الميليشيات التابعة لها في العراق للقيام بهجمات على المواقع و المراكز والقواعد الامريكية في العراق. وقد تم تسجيل أكثر من 10 هجمات على الأهداف الامريكية خلال الأسابيع الماضية في إشارة واضحة على التصعيد الإيراني و محاولة نقل العراق من حالة الثورة الشعبية إلى حالة الصدام بين الميليشيات و القوات الامريكية أو عن طريق تفعيل ورقة داعش والتي ظهرت نشاطاتها في الفترة الأخيرة بعد الثورة الشعبية.

الثورة العراقية وفرصة انعتاق العراق من النفوذ الإيراني

إن ربط مصير العراق بإيران حولت العراق إلى دولة مستهلكة وعاجزة عن الإنتاج، و أصبح العراق سوقا كبيرة للمنتجات الإيرانية تدر ملايين الدولارات على الاقتصاد الإيراني. و أصبحت طهران تسيطر على السوق العراقية وقطاع الطاقة. ولأن الكهرباء تأتي من إيران فهي قادرة على قطعها حسب مصالحها عن اغلب المحافظات العراقية وإحداث ازمة طاقة في العراق. بالإضافة الى تحويل العراق الى خط دفاعي عن مصالح إيران و جسر لمرور السلاح و الميليشيات الى سوريا ولبنان. ونتيجة لذلك سيكون العراق في قلب العاصفة في حال وجود أي قرار امريكي او دولي ضد إيران. لأن مصير العراق اصبح مرهونا بمصير (محور المقاومة) الذي تقوده إيران التي تقوم باستغلال و استنزاف العراق دون ان يكون لدى هذا المحور أي فوائد للمواطن او الدولة العراقية .

الحراك الشعبي يشكل فرصة أخيرة لانعتاق العراق عن المشروع الإيراني و إعادة السيادة و الاستقلالية للقرار العراقي. وتحقيق هذه النقطة الجوهرية سيجنب العراق مخاطر الحرب وسيبعده عن التحول الى ساحة صراع و التعرض للعقوبات أمريكية بسبب ارتباطها الوثيق بإيران. وفي نفس الوقت تحاول طهران استغلال ما يجري في العراق لصالحها عن طريق تعزيز النفوذ العسكري في مقابل خسارته للشارع و العمل على إحداث فتنة طائفية لإعادة الشرخ الطائفي بحجة الدفاع عن المكون الشيعي.

يجب ان لا تقتصر مطالب المتظاهرين على التغييرات الشكلية و التخديرية التي تقوم بها الأحزاب المسيطرة على العملية السياسية، بل عليهم التركيز على تحجيم و انهاء النفوذ الإيراني و انهاء رهن العراق بهذا المحور المنبوذ إقليميا و دوليا، و إعادة فتح العلاقات الطبيعية مع دول المنطقة و العالم لتأسيس بناء جديد بعيد عن سطوة الميليشيات الموالية لإيران و الأحزاب الدينية التي فشلت في الحكم حتى الآن في ظل فقدانها لمشروع وطني وتبنيها لمشاريع أيديولوجية عابرة للحدود أدخلت العراق في الفوضى و الصراعات الإقليمية و الدولية.

 

مقال خاص براسام