أ‌. د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

 

بقي ستة أشهر وتأتي الذكرى السنوية المئوية لثورة العشرين الكبرى ضد الاحتلال البريطاني. حيث خرج العراقيون عن بكرة ابيهم وبكل مكوناتهم في مظاهرات سلمية ضد الاحتلال والمطالبة بالاستقلال وسرعان ما تحولت المظاهرات السلمية الى ثورة مسلحة عارمة بدأت من شمال العراق من تلعفر في 4 حزيران لتتوج يوم 30 حزيران 1920 بإعلان الثورة العراقية الكبرى – كما سنرى في الحلقات القادمة -.

ونرى ان سوء الادارة العسكرية وتعسف الحكام السياسيين في التعامل مع الشعب العراقي تكون صحيحة. ولكن هناك حقيقة ثابتة وهي : ان الشعب العراقي فيه سجايا خاصة عندما يرى كرامته تنتهك لاسيما من الغرباء ينتفض ويرفض الذل والهوان.

توتر الجو السياسي في العراق، وعقد زعماء الحركة الوطنية سلسلة من الاجتماعات السرية، وقرروا تحشيد الجماهير وراء الأهداف الوطنية الكبرى للحصول على الاستقلال التام، وشكلوا هيئة من خمسة عشر زعيما لعرض المطالب الوطنية.

وعقدت الاجتماعات المعروفة (بالمواليد) في شهر رمضان (في 16 أيار) اشترك فيها الخطباء والمثقفون. فتحولت الى مهرجانات شعبية تطالب بالاستقلال وتندد بالانتداب. لكن تلك الاجتماعات قوبلت بسياسة الشدة من قبل سلطات الاحتلال، بما فيها اطلاق النار واستخدام السيارات المسلحة لتفريق التجمعات الجماهيرية.

كما حدثت مظاهرة جماهيرية كبرى في يوم (2 حزيران) عندما قابل ممثلو الحركة الوطنية وكيل الحاكم الملكي، وطالبوا بالاستجابة للمطاليب الآتية :

أولا : اطلاق حرية الصحافة

أصدرت الحكومة البريطانية بلاغا في (2 حزيران) ردا على المطاليب، موضحا شروط (وكالة حكومة بريطانيا في العراق)- التي سبقت الاشارة اليها- وزعم البلاغ ان بريطانيا ستمهد مسالك الرقي للعراق بصفة حكومة مستقلة تتمكن من الوقوف بنفسها، وحينئذ تنهى الوكالة. ولتحقيق هذا الهدف كلفت الحكومة البريطانية السير برسي كوكس بتنفيذ هذه المهمة على أن يعود الى بغداد في الخريف القادم ويصبح الممثل الأعلى للحكومة البريطانية في العراق بعد انتهاء الادارة العسكرية – حسب زعم الإنكليز -،  وسيخول السير برسي كوكس صلاحية تنظيم مؤقت لـ :

ا – مجلس شورى تحت رئاسة عربية.

ب – مؤتمر عراقي ينتخب أعضاؤه من قبل أهالي العراق، ويكون واجبه الأول اعداد القانون الأساسي (الدستور).

وعلى ما يبدو ان (أرنولد ولسن) كان يأمل من هذا البيان وقف نشاط الحركة الوطنية، لكن بيانه لم يحقق أغراضه لأن روح الثورة أصبحت منتشرة في مناطق العراق المختلفة ووضعت الخطط لها، وعقدت الاجتماعات في بغداد والموصل وكربلاء والنجف والناصرية وغيرها.

وانتفض العراقيون وظهرت امارات السخط على المستعمرين في كل مكان من العراق لتتوج بإعلان الثورة.

كما سنرى لاحقا انها ثورة تكاد تكون شاملة شارك فيها كل أبناء الشعب العراقي من شماله الى جنوبه.