الكاتب: نظير الكندوري

لم تخف الكتل السياسية الكردية اعتراضها على قانون الانتخابات الجديد، والذي جاء على خلفية الضغوط الكبيرة التي سلطها الشارع العراقي المنتفض منذ أكثر من شهرين. وبنفس الوقت هي لم تخف اعتراضها وامتعاضها من الحراك الشعب الذي ساد شوارع المدن العراقية منذ بدايته قبل أكثر من شهرين، والذي شكل ثقلا كبيرا عليها. ذلك لان كل المطالب التي نادى بها المتظاهرون، سوف تتقاطع بشكل سلبي مع المخططات الكردية، وستؤثر سلبا بالمكتسبات التي حصلت عليها تلك الأحزاب من العملية السياسية التوافقية منذ 2003 ولحد الان، بالذات من الحكومة العراقية الأخيرة برئاسة عادل عبد المهدي.

وصل الرفض الكردي لقانون الانتخابات الجديد للحد الذي قاطع جميع النواب الكرد الجلسة المخصصة للتصويت عليه. وترجع أسباب الرفض الكردي لهذا القانون إلى عدد من النقاط التي أعلن الساسة الكرد عن بعضها صراحة، وأحجموا عن الإفصاح عن البعض الاخر. ذلك لأن القانون الانتخابي الجديد لم يأت وفق التطلعات الكردية  والمضي فيه بالنقاط التي تم إقرارها سيجرد الكرد من أحد أهم أوراقهم داخل العملية السياسية الراهنة منذ تأسيس النظام السياسي الحاكم في العراق اليوم.

وما أعلنه الساسة الكرد لتوضيح أسباب اعتراضهم على هذا القانون وعدم مواقفتهم على اقراره، هو ما جاء على لسان أكثر من نائب ومسؤول حزبي كردي، حيث قال النائب عن الديمقراطي الكردستاني ماجد شنكالي: ” إن ‏إنسحاب الكتل الكردية من جلسة التصويت هو بسبب مخاوفها من إثارة الصراعات والنزاعات في المناطق المتنازع عليها”، منوها الى أن الكتل الكردية ستقدم طعنا لدى المحكمة الاتحادية بخصوص مواد القانون. أما النائب الكردي هوشيار عبدالله فإنه اتهم الأحزاب الكبيرة بخداع الشعب بهذا القانون، لأنه سيصب في مصلحتها نظرا لامتلاكهم المال ‏والسلاح الذي سيجعلهم يفوزون في الانتخابات. ووصف عبدالله القانون الجديد بـ “القانون المفخخ”، لأنه يعتبر الفائز بالدائرة الانتخابية هو صاحب الأصوات الأكثر عددا وليس الذي يحصل على أكثر من خمسين بالمئة. أما النائب جوان ‏احسان رئيسة كتلة الاتحاد الوطني بالبرلمان فقد عدَّت أن ما حدث في جلسة تمرير القانون بأنه انتزاع بالغصب ودون مراعاة التوافق. واضافت ” إن اصرار المشرعين على تجاوز النص الأصلي قبل تعديله يمثل إرادة ‏واضحة لعدم اجراء انتخابات مبكرة، بسبب التعقيدات الفنية والمشاكل التي تتعلق بهوية ‏عشرات الاقضية على مستوى العراق، وإن الاصرار على اعتماد العد والفرز الالكتروني ‏والاعتماد على البطاقة الالكترونية دون البايومترية، يمثل اشارة واضحة لنية التلاعب والتزوير لإرادة ‏الناخبين”. ولم تكتف الكتل السياسية الكردية بالاعتراض على الفقرة 15 من القانون، بل اعترضوا على الفقرة التي تضمنت حرمان حاملي الجنسية المزدوجة من تسنمهم أية مسؤولية بالدولة العراقية وفق القانون الانتخابي الجديد، وهذا ما أكده النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني بيار طاهر.

ومع ما تحمله نقاط الاعتراض الكردية من وجهة نظر في بعض اعتراضاتها، وتقاطعت إيجابيا مع ما اعترض عليه المتظاهرون في ساحات الاعتصام وبالأخص في موضوع احتساب الفائز بالدائرة الانتخابية من الحاصل على اعلى الأصوات وليس الحاصل على أكثر من 50% من الأصوات، إلَّا أن الأسباب الخفية – والتي لم يعلنها الساسة الكرد حسب اعتقادنا-  هي الأسباب الحقيقية التي تجعل الكتل السياسية الكردية تعترض على صيغة القانون الانتخابي الجديد بالإضافة إلى الطريقة التي تم إقرارها  فيه بالأغلبية دون مراعاة التوافقية التي كانت معتمدة في السابق. فهذه المرة الأولى التي يقوم بها البرلمان العراقي بتمرير قانون دون مراعاة التوافق بين الكتل، وبالأخص التوافق بين الكتل السياسية الشيعية والكردية. حيث ان القانون الأخير تم تمريره بالأغلبية  دون مراعاة اعتراض الساسة الكرد عليه والذين تركوا الجلسة اعتراضا عليه. وقد عبر النائب بالحزب الديمقراطي الكردستاني ريبين سلام على ذلك بأنها سابقة خطيرة تتنافى مع مبادي تأسيس الدولة العراقية بعد 2003، والتي اعتمدت على التوافقية في إدارة الحكم وإقرار القوانين. ووصف التصويت على قانون الانتخابات بـانها ذبح لعملية التوافق وهدم للعراق الفيدرالي. بل إنه لم يحجم عن إبداء امتعاضه من التظاهرات التي أدت إلى هذا الموقف حينما قال: ” أن ما ضحى به الكرد خلال 70 عاما وقدموا آلاف التضحيات من أجله، تم ‏هدمه بتظاهرات لم تستمر سوى لمدة 60 يوما”. والموقف الأخير الذي أبداه النائب ريبين سلام يشير بدقة إلى الأسباب الحقيقية لرفض الساسة الكرد لهذا القانون – بالإضافة إلى أسباب أخرى احجم الكرد عن الإعلان عنها بشكل واضح – تتلخص بأن حقيقة اعتراض الكتل السياسية الكردية على موضوع تقسيم المحافظات إلى دوائر انتخابية متعددة والإصرار على جعل العراق عبارة عن دائرة انتخابية واحدة عائد إلى أن هذه الطريقة بالتقسيم ستجعل تلك الكتل تخسر أصوات الكردية المتواجدة في المناطق المتنازع عليها، وكذلك تخسر أصوات الأكراد المتواجدين في بغداد، مما سيؤثر بشكل مؤكد على عدد مقاعدها بالبرلمان. وهذا السبب الأساس الذي يجعل الكرد يصرون على جعل العراق كدائرة انتخابية واحدة ورفضهم  للدوائر المتعددة.

إن ما يجعل الساسة الكرد محجمين من تقديم التنازلات في هذا الموضوع، هو رؤيتهم للتظاهرات الحالية التي تعم شوارع المدن العراقية بأنها غير موجهة إليهم، إنما هي موجهة للكتل السياسية الشيعية بالتحديد، والإقليم لم يشهد مثل هذه التظاهرات التي تستدعي موافقة الأحزاب الكردية على مثل هذه التنازلات التي تقدمها الكتل الشيعية للمتظاهرين. كما وأن هناك تخوف كردي أخر كبير يتمثل في كون هذا القانون سيكون المفتاح الذي يفتح الباب على مصراعيه لتعديل نظام الحكم بالعراق وجعله رئاسيا بدلا من كونه نظاما برلمانيا كما هو معمول به اليوم. وبالتالي فإن الرئيس المنتخب القادم سيكون واسع الصلاحيات ومن الأغلبية العربية. الأمر الذي يبقي الكتل السياسية الكردية في حالة من تخوف خشية عودة نظام يغير تعامله مع الأكراد بشكل سيئ.

وفي الوقت الذي أعلن النواب الكرد بأن هناك اجتماع حاسم للأحزاب الكردية سيعقد للخروج بموقف كردي موحد من القانون الجديد، فإن الكرد الفيلية لم ينتظروا طويلا وقاموا بتقديم طعن بقانون الانتخابات الجديد للمحكمة الاتحادية، والتي قبلته للنظر فيه، بذريعة أن القانون الجديد لم ينصف المكون الكردي الفيلي بالدرجة ذاتها التي أنصف فيها المكون المسيحي والصابئي والمندائي.

وبالعودة إلى الحراك الشعبي الذي هو المحرك الأساس في جعل مثل هذا القانون يرى النور، فقد أعرب المتظاهرون في شعاراتهم الجديدة عن كون القانون ليس بالمستوى الذي يرضي طموحاتهم. ما جعلهم يعلنون ببيانات صادرة عنهم، عن رفضهم للقانون بالكامل بسبب ما تضمنته من فقرات تجعل فوز المرشح بأكثرية الأصوات وليس بنسبة 50 % زائد واحد كما كانوا يريدون.

ورغم التوقعات المتفائلة بان صدور هذا القانون الانتخابي الجديد سيكون خطوة مهمة في تحقيق متطلبات المتظاهرين العادلة، إلا إن هذا القانون مع الأسف لا يزال يحمل في طياته من الإشكالات والاعتراضات عليه الكم الكبير ويجعله مرة أخرى موضع اعتراض من قبل المتظاهرين ومن قبل بعض الكتل السياسية. ولا نظن أننا على مقربة من الخروج من الازمة السياسية الحالية التي يمر بها العراق.

 

مقال خاص براسام