جاسم الشمري

الميثاق في كل أمة من الأمم هو الرابط القائم على جملة من القيم القانونية والإنسانية والأخلاقية التي يجمع عليها جماعة من الناس في زمن ما، ومكان ما.

وجاء في قاموس المعاني أن كلمة ميثاق: (اسم)، الجمع: مواثيق، ومَياثيقُ، ومياثِق.

والمِيثَاقُ: مَوْثِق؛ عَهْد.

والمِيثَاقُ: (القانون) وما يتعاهد أو يتحالف عليه رسميًّا شخصان أو أكثر أو رابطة تتألّف من أجل عمل مشترك.

ويقال ميثاق حقوق الإنسان: أي (القانون) قانون الأفراد، وخلاصة الحقوق الأساسيّة لمجموعة من النّاس.

ومِيثَاقُ الأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ: وَثِيقَةٌ سِيَاسِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ مَبَادِئَ الأُمَمِ وَالقَوَاعِدِ الأَسَاسِيَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ احْتِرَامِهَا فِي الْمُمَارَسَةِ.

وهكذا يظهر لنا أن كلمة الميثاق تدل على التحالف والتناصر والتآزر والتعاون والتلاحم وكل المعاني الدالة على الوحدة ونبذ الخلاف.

وعلى هذا الأساس فإن الأديان صورة من صور المواثيق العقائدية، وكذلك سائر القوانين والدساتير، والأنظمة الضابطة لتصرفات المواطنين في كل دولة، والموظفين في المؤسسة.

والمراحل المزعجة والمؤلمة والمظلمة والضبابية التي مرت في العراق منذ العام 2003، وحتى اليوم دفعت الأخيار من العراقيين باتجاه تنظيم صفوفهم وأوراقهم كواجب أخلاقي وقانوني ووطني تجاه أهلهم وشعبهم ووطنهم، ومن هنا كانت ولادة (الميثاق الوطني العراقي).

انطلاقة الميثاق الوطني العراقي كانت قبل عام تقريبا، وتحديدا في آذار 2019. حيث اجتمع بعض القوى والأحزاب والشخصيات العراقية المستقلة، ومعهم بعض منظمات المجتمع المدني ليؤسسوا ميثاقهم الوطني، بعد أكثر من عامين من المشاورات داخل العراق وخارجه!

وقبل فترة ليست ببعيدة، وتحديدا في يومي 10-11 كانون الثاني 2020 انعقد المؤتمر الأول للميثاق في مدينة اسطنبول التركية، بحضور أعضاء اللجنة العليا للميثاق الممثلين للقوى المكونة له.

وبعد يومين من المشاورات أكد المؤتمرون في بيانهم الختامي على جملة من النقاط الجوهرية ومنها:

  1. يؤكد المؤتمر التزامه بغايات وأهداف ومبادئ (الميثاق الوطني العراقي) لما فيه من رؤية واضحة وشاملة لبناء عراق حر كريم موحد، واستعادة سيادته.
  2. يدعو الميثاق الوطني العراقي شعبنا الذي ما زال يعاني من أوضاع مأساوية؛ إلى الاستمرار بمساندة (ثورة تشرين)، وتصعيد التظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات في جميع المحافظات العراقية.
  3. يجدد الميثاق الوطني العراقي دعوته جميع القوى العراقية المناهضة للعملية السياسية إلى الشروع في حوار جاد؛ لإنضاج صيغةٍ وطنيةٍ لعمليةٍ سياسيةٍ سليمةٍ، تضم الجميع دون إقصاء أو تهميش، وبعيدًا عن أي تدخل خارجي، وبما يحقق أمال وتطلعات الشعب العراقي في حياة حرة كريمة.
  4. يطالب الميثاق الوطني العراقي الدول العربية والمجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية والدولية؛ بالتعامل الجاد مع مطالب العراقيين، وفق المعايير الإنسانية؛ ولا سيما بعد تصاعد القمع الحكومي للتظاهرات السلمية وسقوط مئات الضحايا وآلاف الجرحى والمعتقلين والمغيبين قسرًا على يد الأجهزة القمعية للحكومة ومليشياتها.

الحالة القائمة في العراق اليوم تتطلب من جميع الأخيار سواء أكانوا أفرادا أم مؤسسات العمل على تنظيم أوراقهم للبحث عن مخرج للأزمة المتنامية في بلاد تفتقر لقيادة وطنية تقودها لمرحلة الأمن والعطاء والبناء.

هذا المخرج لا يمكن أن يكون إلا عبر خطوات عملية دقيقة ومدروسة ومنها:

  • التسامي على الشعارات الجانبية، والتمسك بالشعارات المركزية العليا، ومنها وحدة العراق، والابتعاد عن الخطابات الطائفية التقسيمية التخريبية التدميرية للوطن والمواطن.
  • التسامح مع الجميع، عدا القتلة والمجرمين والمستمرين في تنفيذ نظرية خراب العراق، وفتح صفحة جديدة من العلاقات العراقية – العراقية. لأننا اليوم بحاجة لكل المواقف السياسية والعلمية والثقافية الداعمة لنهضة العراق من حالته المرضية القائمة، التي دخلت مرحلة الإنعاش، ولا نتمنى أن تصل إلى مرحلة الموت السريري ثم إعلان الوفاة.
  • تشكيل مجلس حقيقي من قيادات فاعلة لقيادة العراق في المرحلة الراهنة لحين تنظيم الحال في البلاد بعد التغيير المرتقب وبالذات مع مظاهرات تشرين التي نأمل أن تقود العراق إلى مرحلة وردية بعيدا عن الصور السوداوية القاتمة الحالية.
  • ضرورة التواصل مع أكبر قدر ممكن من شرائح العراقيين وبالذات مع الطبقات الشبابية والعلمية  الأكاديمية والرياضية والثقافية، وفتح الباب واسعا من أجل تفعيل دورهم في الميثاق.
  • الانفتاح على القوى والجمعيات العربية والإقليمية للاستفادة من خبراتهم في مجالات التعاطي مع الجماهير والعمل الإعلامي والثقافي وغير ذلك من الجهود التي يمكن أن تساهم في تعزيز مكانة الميثاق في الداخل العراقي.

النجاح الحقيقي للميثاق هو في الاقتراب من هموم الناس ومشاكلهم والعمل على أن تكون أولوياته إنهاء معاناة الوطن والمواطن، وأن يكون العمل هو الشعار العملي بعيدا عن الشعارات الورقية والإعلامية التي لا يراها المواطن على ارض الواقع كما تفعل غالبية القوى الأخرى التي أثبتت الأيام عدم فاعليتها وفشلها.

الأمل كبير في أن يكون “الميثاق” الأرضية الصلبة لبناء كيان وطني سياسي عراقي يسعى لترتيب البيت العراقي، وأن يكون خيمة لكل العراقيين، وأن يساهم في إنهاء الحالة السلبية، وأن يحسم الخلاف حول الكثير من الكوارث الوطنية التي ظهرت على سطح العراق بعد العام 2003 وفي مقدمتها الحفاظ على وحدة العراق، وهويته، وشعبه، وكيانه، وثرواته، وأصالته.