أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

اتسعت الثورة الى المناطق الجنوبية لنهر الفرات الى حد كبير، وأصبحت فصائل الثورة تسيطر على المنطقة الممتدة من كوت الحي الى خط السكة الحديد الذي يصل اور حتى هور الحمار، وامتد نشاط الثوار حتى شمل منطقة البصرة.
استدعي الشيخ شعلان أبو الجون (زعيم عشيرة الظوالم) في 30 حزيران 1920، الى السراي الحكومي لبلدة الرميثة في مدينة السماوة، وقد لبى الشيخ شعلان طلب الاستدعاء صباح اليوم التالي، وقد أبدى الشيخ كثيرا من الشراسة في مقابلته مع معاون الحاكم السياسي في الرميثة (الملازم هيات)، مما دفع الأخير الى حجزه وتوقيفه في السراي بقصد ارساله الى السماوة، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، وعند هذا التفت ( الشيخ شعلان) الى أحد مرافقيه الذي جاء معه طالبا منه اخبار ابن عمه (الشيخ غيث الحرجان)، بانه بحاجة الى عشرة ليرات عثمانية وانها يجب أن ترسل قبل موعد القطار، ولما وصل الخبر الى الشيخ غيث فهم ان الشيخ شعلان بحاجة الى عشرة رجال أقوياء من العشيرة بدلا من الليرات العشر، بعث الرجال الى السراي بغية تحرير شعلان، فهاجم رجاله سراي الحكومة وقتلوا بريطانيين وأنقذوا شيخهم.
المس بيل في كتابها الموسوم “فصول من تاريخ العراق الحديث” ” ان هذه الحادثة كانت الشرارة الاولى للثورة”. كانت أسلحة الثوار بدائية وقديمة وبالبنادق فقط، مع وجود أغلبية لا تحمل السلاح، أما القوات البريطانية في العراق فكانت بقيادة السير ايلمر هالدين، تضم (133) الف جندي، منهم (4200) بريطاني والباقي من جنسيات مختلفة، وكانت هذه القوات مدربة تدريبا جيدا، امتدت الثورة بسرعة الى مناطق العراق المختلفة، فأعلنت الثورة في النجف يوم (2 تموز) ورفع علم الثورة العربية على سراي الحكومة، واسرع الناس للجهاد في سبيل الله ثم الوطن.
وتمكن الثوار في الرميثة من قطع السكة الحديد ومقاتلة القوات البريطانية التي زحفت نحو الرميثة، وحاصروها حصارا شديدا، وعلى الرغم من قصف الطائرات البريطانية، الا ان القوات البريطانية اضطرت الى التراجع نحو الحلة، وفي الشامية استطاع الثوار السيطرة على المدينة وتم قتل (الحاكم السياسي في الشامية) النقيب ج.س.مان (الذي ألف كتابا عن العراق بعنوان (اداري في دور التكوين 1883 – 1920م) وأجبرت الحامية الانسحاب الى الديوانية، وقد شجعت هذه الانتصارات مناطق العراق الاخرى لإعلان الثورة.
ويذكر الاستاذ الدكتور علي الوردي في مؤلفه الموسوم (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) الجزء الخامس، انه في الحادي عشر من تموز 1920، اجتمعت عشائر الفرات الأوسط في مضيف الشيخ عبد الواحد الحاج سكر، وقرروا البدء بإعلان الثورة، وبالفعل في اليوم التالي أعلن قيام الثورة ورفعت رايتها، وتم حصار أبو صخير، وفي السابع عشر من الشهر نفسه تم عقد مؤتمر الكوفة لعقد هدنة لمدة أربعة أيام بين الثوار والانكليز، لحين تحقيق مطالب الثورة التي قدمت للجانب البريطاني وهي :
ا – اقامة حكومة وطنية مستقلة.
ب – العفو عن جميع العراقيين.
ج – اطلاق صراح المعتقلين.

الا ان الهدنة لم تدم فبعد ثلاث أيام انهارت، ليتسع نطاق الثورة ويشمل مدن الفرات الاوسط والجنوب، ويشمل مدن ديالى وكركوك والموصل واربيل وسليمانية – كما ذكرنا سابقا-
وتمكن الثوار من احراز نصر كبير في موقعة الرارنجية (الرستمية) عندما هاجموا قوة بريطانية كبيرة مجهزة بالأسلحة الحديثة عند قناة الرستمية، قرب الكفل، يوم 24 تموز، فاضطرت القوات البريطانية الى التقهقر نحو الحلة بعد أن فقدت (318) جنديا، وغنم الثوار (40) رشاشا ومدفعا واحدا.
وفي المنتفك ارغم الحكام السياسيين البريطانيين في كل من الشطرة وقلعة سكر وسوق الشيوخ اخلائها، فأصبح مركز المحافظة (الناصرية) وأقضيتها وقصباتها يديرها الثوار وخالية من تواجد المحتلين، وقاموا بقلع سكة الحديد والسيطرة على القطار، كما كان لدى الانكليز في الناصرية خمس سفن، ثلاث منها حربية هي : (عزين فلاي)، (شو فلاي)، ( ستون فلاي)، الى جانب سفينتين عاديتين كانت كل واحدة منها تسحب جنبتين، وقد تحركت هذه القافلة بقيادة الملاح (سفولك) من الناصرية في 26 آب 1920 متجهة الى السماوة، فشرع الثوار يمطرونها بالرصاص قرب (الخضر)، وقد أصاب العطب محرك احدى السفينتين فجنحت الى الشاطئ فهاجمها الثوار وقتلوا أكثر جنودها وأسروا الباقي، ثم غنموا ما فيها من ضمنها كانت مجهزة بمدفعين واثنى عشر رشاشا، وكان الثوار استخدموا المدفع الذي خسروه في معركة الرارنجية بعد أن أصلحوه واستعملوه بمهارة. ثم أحرقوا النار فيها، وكانت هذه الباخرة هي ( عزين فلاي).
وفي مناطق العراق الاخرى، عمد الثوار في السماوة الى تدمير سكك الحديد لعرقلة ارسال النجدات للقوات البريطانية، كما تمكنوا من اسقاط طائرة تحطمت وقتل قائدها، كذلك أقض الثوار مضاجعهم، مما اضطر الانكليز الى الجلاء عن السماوة.
بعد أن وصل الثوار قرب المسيب وعطلوا سكة الحديد بين بغداد والحلة وهاجموا المحمودية، مما اضطر قائد بغداد العسكري الى القيام بإنشاء الحصون والمعاقل استعدادا للدفاع عنهم.
بقي الثوار يقاتلون حتى العشرين من شهر تشرين الثاني 1920، ولا ننسى مكانة الشعر الفصيح والشعبي والأهازيج الحماسية – كما سنرى عن مكانة الشعر خصيصا –. حيث ان الشعراء والشاعرات والمهاويل كانوا يرافقون الثوار، وكانوا يمثلون وسيلة الاعلام المؤثر بين صفوف الثوار ويحركون في أعماقهم مشاعر الحماسة الوطنية.
ومن الجدير بالذكر ان أخبار انتصار الثوار في العراق، استأثرت باهتمام الرأي العام العربي والعالمي، وأعلنت بعض الشعوب الرازخة تحت نير الاستعمار تضامنها مع النضال البطولي الذي يخوضه الشعب العراقي، كما واجهت الحكومة البريطانية معارضة داخلية نتيجة لحرب الابادة التي شنها ضد الشعب العراقي، والخسائر المادية والبشرية التي مني بها البريطانيون في العراق. وكتبت جريدة التايمز اللندنية، تقول :
“أنه يجب أن يوضع حلا لهذه الحماقة، ويجب على الحكومة تغيير سياستها في الشرق الأوسط …”، كما طالبت بعودة بيرسي كوكس المندوب البريطاني الى العراق وتأسيس دولة عربية مستقلة.
– كما سنرى –

المصادر المعتمدة
1 – ارنولد ولسن، الثورة العراقية، علق عليه وترجمه جعفر الخياط (بغداد،1971)
2 – نيكولا . ن . كوسكوف، انتفاضة عام 1920، الوطنية التحررية في العراق، ترجمة الدكتور بد الواحد كرم، (بغداد،1971).
3 – علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء الخامس.
4 – عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى ، (صيدا، 1935).
5 – علي البازركان، الوقائع الحقيقية في الثورة العراقية لسنة 1920، (بغداد،1971).
6 – عبد الله الفياض، الثورة العراقية الكبرى سنة 1920، (بغداد،1963).