لا شك إن التيار الصدر يتمتع بنفوذ كبير في العراق يتمثل بحراك سياسي باسم التيار الصدري، وميليشيات مسلحة عرفت باسم جيش المهدي المتهم بقيامه بتنفيذ عمليات خطف ،وقتل ،وتعذيب ،وتهجير ،وتطهير عرقي ،وقتل على الهوية ،وحرق لكثير من المساجد السنية في مدينة بغداد وبقية المحافظات الجنوبية بعد تفجيرات سامراء عام2006، ليقوم الصدر بعدها بإصدار أمراً بحل جيش المهدي ،ثم عاد في عام2008،ليشكل ميليشيا جديدة أطلق عليها تسمية لواء اليوم الموعود ، وفي عام 2014،أعلن الصدر عن تشكيل سرايا السلام لحماية المراقد المقدسة ،ليعود في عام2015، ليقوم بتجميد سرايا السلام، ولواء اليوم الموعود الى أجل غير مسمى، وجميع هذه الميليشيات كانت على مرأى ومسمع من الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق ،حتى وصلنا الى عام2019،ليقوم بتصفية بعض قيادته التي خرجت عن طاعته بحجة تنقية وتطهير التيار من الفاسدين والتي تمت أيضاً خارج أطار مؤسسات الدولة ،بحيث وقفت الحكومة عاجزة عن الوقوف بوجهه ومحاسبته أو محاسبة ميليشياته المسلحة ،فتم حرق بعض المولات في مدينة النجف واعتقال بعض الاشخاص ،لذا فهو جزء من المنظومة المسلحة التي تعتبر نفسها دولة داخل الدولة، ولديه جناح عسكري يتمثل بعدد من التسميات التي تمثل ميليشيات مسلحة متهمة بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وتعمل خارج إطار الدولة ومنها (جيش المهدي، لواء اليوم الموعود، سرايا السلام، القبعات الزرق).

أما على المستوى السياسي فقد شارك التيار بجميع الحكومات التي تشكلت بعد عام2003 ، وكان لديه نواب ووزراء في حكومة المالكي الاولى ،وكذلك عندما تصالح مع المالكي مرة أخرى ويكون له الفضل في حصول المالكي على ولاية ثانية في عام2010،مقابل الحصول على حقائب وزارية وامتيازات عدة لتياره السياسي ،وكذلك شارك في تشكيل حكومة العبادي عام2014،ثم حكومة عادل عبد المهدي عام2018 ،بعد الاتفاق الذي تم بين كتلة سائرون بزعامة مقتدى الصدر وكتلة الفتح بزعامة هادي العامري ،واليوم هو طرف رئيسي في صفقة تشكيل الحكومة الحالية بزعامة محمد توفيق علاوي ،لذا فهو جزء من النظام السياسي الفاسد والحاكم في العراق ،وقد شارك بجميع الحكومات التي شكلها الاحتلال بعد عام 2003، ورأس من رؤوس الفساد الكبيرة التي دمرت دوائر ومؤسسات الدولة وحولتها الى ريع اقتصادي يعود لمصلحة الأحزاب الحاكمة. 

لقد كشفت الاحداث الاخيرة في العراق الوجه الحقيقي للتيار الصدري الذي يقوده المعمم الشيعي مقتدى الصدر الذي يمتلك تيار سياسي وميليشيات مسلحة ،وقد بدأ بتسخيرها الان بشكل علني لخدمة المشروع الايراني في العراق ،بعيداً عن مبدأ التقية الذي أستخدمه لإخفاء حقيقته التي حاول إخفائها طوال الفترة الماضية ،والتي حاول خلالها أن يقدم نفسه كتيار عروبي بعيداً عن الاصطفافات الطائفية والحزبية التي تجري في المنطقة، وكان يحاول أن يضع بينه وبين ايران مسافة ثابتة ، ولكنه بالحقيقة لا يختلف عن باقي الميليشيات المسلحة التابعة لطهران.

لقد أمتاز زعيم التيار الصدري بتخبطه السياسي ،وتقلبه في المواقف ،فتارة يعلق العمل العسكري ويجمد ميليشياته ثم يعود لتشكيلها مرة أخرى ،ثم يقدم على أغلاق المكاتب السياسية لتياره ثم يتراجع عن قراره بعد ذلك ،ثم يقول أننا لن نشارك في تشكيل الحكومة ثم يعود ويشارك فيها ،ثم يقوم بسحب المتظاهرين التابعين له ثم يعود لنصب الخيم والعودة الى الساحات التظاهر ،لذا نحن أمام شخصية مزاجية متقلبة وغير ثابتة تتقاذفها الاحداث والتطورات تميل الى الارتباك والتنطط بالمواقف وتغلب عليها العاطفية في اتخاذ القرارات المصيرية.

لقد حاول الصدر بعد انطلاق الحراك الشعبي الهادر بالعراق في بداية اكتوبر الماضي إن يكون جزء من الحراك الشعبي ،ليس لتحقيق أهداف الحراك التي ينادي بها كونه جزء من النظام الفاسد وأحد أعمدته التي يستند عليها في تشكيل الحكومات، ولكن مشاركته كانت لأهداف أخرى منها ليستطيع التحكم فيه والسيطرة عليه عندما يحين الوقت المطلوب لذلك ،فقال أننا سنقوم بحماية المظاهرات وساحات التظاهر ،ودفع الكثير من اتباعه للانضمام الى هذا الحراك الشعبي الذي نجح بأسقاط الحكومة التي قادها عادل عبد المهدي ،والتي جاءت بالاتفاق بين كتلة سائرون التي يقودها الصدر وبين كتلة الفتح التي يمثلها هادي العامري ،وهذا يبين أن الصدر كان يمارس لعبة مزدوجة وكان يمسك العصا من المنتصف فهو مع الحكومة من جهة ومع الحراك من جهة أخرى.

إن التغيير الحقيقي في مواقف التيار الصدري جاءت بعد مقتل سليماني وأبو مهدي المهندس ،الامر الذي أحدث خلل كبير في موازين القوى الداخلية والخارجية وخاصة الاقليمية منها ،الامر الذي جعل ايران تستخدم كل ما لديها من اوراق في العراق بشكل مكشوف وعلني ،بعد أن فشلت الميليشيات في أنهاء الحراك أو السيطرة عليه رغم استخدام القوة المفرطة في مواجهة المتظاهرين ،ثم جاء اجتماع قم الايرانية ليشكل انتقاله كبيرة ومهمة حيث تغيرت المواقف فجاءةً بشكل كبير واتخذت العديد من الخطوات التصعيدية منها:

 الخطوة الاولى: الدعوة لمظاهرة مليونيه ضد التواجد الامريكي في العراق التي أعتبرها الصدر أولوية في هذا الظرف الصعب الذي يمر به العراق ،علماً إن التواجد الامريكي ليس وليدة الساعة والموقف ،بل هو موجود منذ عام2003،والى يومنا هذا فما الذي تغير وتبدل الان في مسألة وجود القوات الاجنبية التي جاءت بطلب من حكومة المالكي عام2014، وكانت هذه الخطوة الاولى لخلط الاوراق في الساحة العراقية وكانت بداية التصعيد ضد الحراك الشعبي.

 الخطوة الثانية: انسحاب أنصار الصدر من ساحات التظاهر لإخماد الحراك: حيث دعا الصدر المتظاهرين الذي ينتمون الى تياره السياسي بالانسحاب من ساحات التظاهر ،ظناً من الصدر بأنه يمتلك مفاتيح الشارع ،وإن هذه الخطوة ستكون كفيلة بأنهاء الحراك الشعبي وأضعافه ،فرفعت الخيم من جميع ساحات التظاهر ،ولكن المتظاهرين اثبتوا للطبقة السياسية وخاصة للصدر بأنهم مستقلون ،وإن هذه المظاهرات مستمرة وهي أكثر قوة وتماسك ،ولم يتغير شيء مما جعل الصدر ينتقل الى خطة التهديد باستخدام العنف ،وينتقل بذلك الى خطوة تصعيدية جديدة.

 الخطوة الثالثة: العودة الى ساحات التظاهر ونصب الخيم مرة أخرى ،ليرسل رسالة مفادها بأن الحراك منقسم بين طرفين أحدهم يمثله الصدر والميليشيات المسلحة والذي لا يمكن تجاوزه في أي قرار قادم ،وبين ساحات التظاهر التي تعمل بشكل مستقل عن تياره ،لذا فقد قاموا أنصاره بالسيطرة على بناية المطعم التركي وطرد المتظاهرين بالقوة ،وانتشرت ما يسمى بميليشيا القبعات الزرق التابعة له في ساحات التظاهر وخاصة في بغداد ،ليعلن الصدر عن البقاء في هذه الساحات حتى تشكيل الحكومة القادمة.

 الخطوة الرابعة: التصعيد ضد الحراك الشعبي  باستخدام القوة لأنهائه ،وقد صرح الصدر قائلا: “إن فرض السلام والسلمية واجبنا بالتنسيق مع القوات الامنية الوطنية ،وعلى السلميين طرد المخربين” وهذا يعني أنه ينسق ويتفق مع القوات الامنية كما تفعل قوات التعبئة الاحتياطية (الباسيج الايراني) بالتعامل مع المظاهرات الايرانية، ولا أعرف من أعطاه الحق بذلك ،بحيث كشر عن انيابه وحقده على ساحات التظاهر الذين وصفهم بالمخربين حسب المقاس الايراني ،مما يعني أن القرار قد اتخذ بالاتفاق مع الصدر بأنهاء المظاهرات بالقوة وتشكيل الحكومة. 

إن الصدر كان جزء من صفقة تشكيل حكومة عادل عبد المهدي، وهو من طالب باستقالتها أيضاً ،واليوم هو جزء من صفقة تكليف علاوي بتشكيل الحكومة القادمة التي باركها بالاتفاق مع كتلة الفتح ،وبنفس الوقت يعمل الصدر على أنهاء الحراك الشعبي ،ويمهد الطريق كي تنال حكومة علاوي الثقة في البرلمان ،وهذا يعني إن رئيس الوزراء هو مرشح الاحزاب السياسية الحاكمة وليس مرشح ساحات التظاهر  ،وهناك اتفاق بين جميع الاطراف على تمرير حكومة علاوي بما فيها رئاسة الجمهورية والبرلمان رغم معارضة الشارع العراقي لها ،وهذا يعني أنه لا تغير في قواعد اللعبة السياسية في العراق وإن السلاح والقوة كانت هي الحاكمة في تشكيل هذه الحكومة.

لذا ستستمر الفوضى في الشارع العراقي المنقسم بين مؤيد ورافضاً لهذه الحكومة التي جاءت خارج الضوابط التي وضعتها ساحات التظاهر ،والتي فرضتها الإرادة السياسية للأحزاب الحاكمة ،ولن تستطيع هذه الحكومة أن تقدم شيء مختلف عن الحكومات التي سبقتها بسبب بنية النظام السياسي في العراق ،الذي يرفص أي إجراءات إصلاحية تتعارض من مصالحه الحزبية والفئوية ،وسيبقى العامل الخارجي مؤثر بشكل كبير بسبب تبعية الاحزاب السياسية الحاكمة للخارج ،وستبقى ساحات التظاهر واصرارها على التغيير هي القوة التي لا يمكن تجاوزها ،ويجب استعادة القرار العراقي المسلوب من قبل قوى تابعة للخارج، وستبقى ساحات التظاهر تشكل مشكلة كبيرة وتهديد للنظام الحاكم في العراق ،الذي لا يريد التغيير .