طالما تكلمنا عن المخالب الايرانية التي تعمل منذ زمن بعيد على تنفيذ مشروع ايران في العراق والمنطقة ،والمتمثلة بالميليشيات الطائفية المسلحة التي تعمل خارج اطار الدولة، وتدين بالولاء للولي الفقيه في ايران والتي تعمل على بناء مؤسسات دولة موازية لمؤسسات الدولة المركزية وتعمل على تقويضها ،والتي استغلت سيطرة تنظيم الدولة على المدن السنية عام2014،لتظهر وكأنها القوة الوحيدة المدججة بالسلاح والقادرة على الحماية للعراق والدفاع عنه، مما جعلها تتغول في مؤسسات الدولة وتسطير عليها الواحدة تلو الاخرى ،مع توطأ حكومي لجميع الحكومات السابقة التي سمحت بوجود تنظيمات مسلحة خارج اطار الدولة ،بل قسم من هذه الحكومات رعتها ،وقدمت لها الدعم القانوني واللوجيستي ،وخاصة في حكومة المالكي الثانية، حتى وصلت الاوضاع بالعراق بأن هذه  الميليشيات هي من تسيطر  وتدير المشهد السياسي ،والامني ،والاقتصادي، مع وجود دولة ضعيفة وحكومة شكلية خاضعة بالكامل لقرارات هذه الميليشيات ،حتى وصلنا اليوم الى أننا أمام دولة تديرها الميليشيات بشكل كامل ،مع صمت كامل للطبقة السياسية الفاشلة والفاسدة، وما جرى من ارتكاب المليشيات المسلحة لمجزرة النجف في 5فبراير/شباط الجاري خير دليل على ما نقول حيث انتشرت هذه الميليشيات التي يطلق عليها سرايا السلام ،والقبعات الزرق، أمام مرأى ومسمع من القوات الامنية التي وقفت تتفرج على ما يحدث من قتل للمتظاهرين الابرياء.

تئآمر الجميع على قتل المتظاهرين:

يبدو أننا نعم أمام توطأ كامل على جريمة النجف المروعة التي يمكن أن تلتحق بها ساحات أخرى مالم يجري وقف هذه الميليشيات المنفلتة والخارجة عن القانون ،فقد حصلت جريمة مروعة أدت لقتل المتظاهرين السلميين بمدينة النجف ،وقد اشتركت فيها جميع الطبقة السياسية بما فيها النظام السياسي الحاكم من رئاسة الجمهورية ،الى البرلمان ،وحكومة تصريف الاعمال برئاسة عادل عبد المهدي ،والاجهزة الامنية والميليشيات المسلحة ،ومحافظ النجف ،ومدير الشرطة المحلية بما فيها القضاء الذي صمت ووقف عاجزاً عن اتخاذ أي اجراءات قانونية ضد المجرمين الذين ارتكبوا هذه المجزرة البشعة ،ولكن يبدو أن هناك قرار تم أتخاذه من قبل قادة الميليشيات والصدر بفض هذه الاعتصامات والمظاهرات بالقوة ،ومن يراقب ردود الفعل وخاصة الامنية يجد أنها لا ترقى الى مستوى الحدث وأبسط الاجراءات التي يمكن أتخاذها أمام هذه الهجمة البربرية، لذا نجد إن هناك صمت شبه كامل للطبقة السياسية وخاصة البرلمان، مع إجراءات حكومية شكلية وبطيئة لا ترقى لمستوى الجريمة المرتكبة.

الموقف المخزي لحكومة تصريف الاعمال:

لقد طالب رئيس الوزارة الجديد محمد علاوي توفيق رئيس حكومة تصريف الاعمال عادل عبد المهدي بحماية المتظاهرين لحين تشكيل حكومته، حيث تعامل الاخير مع هذه الاحداث كانه يريد أن يختم فترة حكومته (تصريف الاعمال) ولسان حاله يقول لقد كنتم سبباً في تقديم استقالة حكومتي ،لذا سأجعلكم تواجهون مصيركم بدون تدخل يمكن أن يحقن دمائكم ،ونسمع بأن حكومته شكلت لجنة تحقيقية كي تضاف الى اللجان السابقة التي شكلها في الفترة الماضية، من قبل جهات هي متهمة بارتكاب هذه الجرائم ،ولا أحد يعرف الى ماذا توصلت هذه اللجان والتي عملت على طمس الحقيقة أكثر من إظهارها ،ولم تتخذ أي إجراءات حولها عدا إجراءات شكلية لذر الرماد في العيون ،وكأنه يريد التخلص من المسؤولية  بتشكيل هذه اللجان ،وأصبح من المعلوم لدى العراقيين بأن معالم طمس أي جريمة ترتكب تبدأ  من تصريح رئيس الحكومة بتشكيل لجنة تحقيقية؟.

علاوي من رشحك للوزارة هو من قام بالجريمة:

إن أحداث النجف جعلت رئيس الحكومة الجديد الذي تم تكلفيه بتشكيل الوازرة في موقف لا يحسد عليه ،لذا فانا أنصحه بتقديم استقالته ،لأنه لن يستطيع أن يقدم شيء مع وجود هذه الميليشيات التي تسيطر على الاوضاع الامنية والسياسية بشكل تام، ألا أذا كان متفق معهم وجزأً منهم ،واذا كان غير راضي حسب كلمته التي ألقاها بعد احداث في النجف وكربلاء ،فعليه أن يعرف أن السبب الرئيسي لرفض الشارع العراقي المنتفض لترشيحه كونه ينتمي لهذه المنظومة الفاسدة ،وكونه مرشح هذه الاحزاب السياسية الفاسدة و الميليشيات المسلحة التي تقوم بعمليات الحرق والقتل خارج اطار الدولة ،وعدم رضاه هذا قد يصعب عليه تمرير كابنته الوزارية ألا أذا كان متفق معهم على ما يجري الان ، فالشعب واعي ويعرف كيف تدير الطبقة السياسية الفاسدة الاوضاع في العراق ،وكيف يجري تدوير هذه الشخصيات في حكم العراق ،لذا عليك أن تختار أما أن تكون في خندق الميليشيات والطبقة السياسية الحاكمة ،وأما أن تكون مع الشعب في ساحات التظاهر.

دولة الميليشيات من قامت بالجريمة:

إن تطور الاحداث في العراق تعطي دلالة واضحة على أن الدولة الشكلية قد انتهت، ونحن الان أمام دولة ميليشيات بكافة تفاصيلها ،وما جرى مع وزير الداخلية الذي منع من دخول مدينة النجف ألا بعد مفاوضات مع الميليشيات التي تسيطر على الوضع هناك يعطي صورة واضحة عن المنظومة الحاكمة في العراق، فعدم السماح له بالوصول الى مديرية الشرطة يبين سيطرة وهيمنة الميليشيات على الوضع السياسي والامني ،ولا توجد سيطرة لمؤسسات الدولة ،علماً أنه طالب قبل يوم من أحداث النجف بحماية المدارس والمؤسسات التعلمية ،ولا أعرف لماذا لم يؤمن الحماية اللازمة لساحات التظاهر الذين تعرضوا لهجمة شرسة من قبل عصابات تسمى بسرايا السلام والقبعات الزرق ،فهل أصبح البناء أهم من الانسان يا سيادة الوزير؟ ولا أعرف ما هي الصفة القانونية لهذه الميليشيات؟ وهل ما قامت به في النجف هو من واجبهم أم من واجب القوات الامنية؟ ولماذا يسمح لهذه الميليشيات أن تعمل بهذه الصورة ؟وما هو ارتباطها بالمنظومة الامنية ؟وما هي صفتهم القانونية كي تتحكم بمجريات الامور ؟ وأين قوات الشرطة المحلية والاجهزة الامنية الاخرى وأين رئيس اللجنة الامنية في المحافظة التي يمثلها المحافظ مما يجري؟ أين القانون الذي يجب أن يطبق على الجميع ؟أم إن القانون يطبق على الفقير فقط في دولة الميليشيات ودولة القائد الجعفري؟ ولماذا تصمت الحكومة ووزارة الدفاع والداخلية؟.

إجراءات متأخرة لوزارة الداخلية:

إن الاجراءات التي قامت بها وزارة الداخلية في مدينة النجف خجولة ،وتافهة مثل الانتشار الكثيف للقوات الامنية ،والذي جاء بعد يوم من الاحداث التي أدت الى سقوط الكثير من القتلى والجرحى والذي وصل عددهم الى ما يقارب(170)،بين شهيد وجريح ،كما تم حرق الكثير من خيم المتظاهرين، لذا فإجراءات نشر القوات قد جاءت متأخرة جداً ولا قيمة لها ،وكان يجب أن تكون هذه الاجراءات أنية ،وسريعة وفي ساعتها ،خصوصاً وأن الاحتقان كان موجود في الشارع قبل أن تتطور الاحداث وتصل الى ارتكاب هذه المجزرة ،وكان يجب أن تعمل القوات الامنية على فض الاشتباك بين الطرفين على الاقل ،وهنا لا  أقول يجب عليها محاسبة الطرف المسلح والذي يريد فرض ارادته السياسية بالقوة على ساحات التظاهر ،كوني أعرف أنها عاجزة عن ذلك ،ومخترقة وغير قادرة على ذلك.

مواقف المجتمع الدولي من مجزرة النجف:

لا زالت المواقف الدولية والاقليمية ،ومواقف المجتمع الدولي لا ترقى لمستوى الاحداث في العراق ،وهي تميل الى الانحياز في تعاملها لصالح الطبقة السياسية والحكومة العراقية ،والدليل أنها لم تتخذ أي اجراءات ضد التنظيمات والشخصيات التي تسببت في قتل المتظاهرين ،ولا يكفي أن تصف الهجمات التي جرت بالشنيعة والفضيعة ،علماً إن السفارة الأمريكية قالت في بيان لها “إن الولايات المتحدة تدين الاعتداء الوحشي على المتظاهرين السلميين في النجف الأشرف” وانه “من المؤسف أنه لا يزال يُسمح للجماعات المسلحة بانتهاك سيادة القانون بالعراق مع الإفلات من العقاب ضد المواطنين السلميين الذين يمارسون حقهم الديموقراطي في حرية التعبير، بما في ذلك مطالبهم بالإصلاح السياسي والاقتصادي” وحمّل البيان الحكومة العراقية وقواتها الأمنية مسؤولية “وضع حد لهذه البلطجة التي تشمل خطف واغتيال الناشطين المدنيين والصحفيين، وكذلك الضرب واستخدام الذخيرة الحية وحرق الخيام “وقد أدانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة جينين بشدة أعمال العنف الدامية في مدينة النجف جنوبي العراق، مشددة على وجوب حماية المتظاهرين في كل الأوقات وليس “بعد فوات الأوان أما مواقف الجامعة العربية والدول العربية فقد صمت جميعها عما يجري في العراق ،وهذه ليست جديدة وهي مواقف معيبة جداً ومخزيه ولا نتوقع منهم أكثر من ذلك ،وندعو المجتمع الدولي أن تكون له وقفة جادة من تطور الاحداث في العراق ،وأن يهدد بفرض عقوبات على الحكومة وعلى الشخصيات التي ارتكبت هذه الجرائم ،ويمكن أن يكون هناك تدخل دولي أذا استمر الوضع على ما هو عليه.

إن تطور الاحداث في العراق جعل المنظومة الامنية والعسكرية في حرج شديد واشكال كبير ،والتي شكلت لتأمين الحماية للمواطن العراقي وحماية العراق من المؤامرات الخارجية ،ولكن ما يجري من سيطرة الميليشيات على الوضع وتحكمها في مفاصل الدولة أفقد هذه المؤسسات هيبتها وقدرتها على فرض القانون وهيبة الدولة ،وهذا سيفقدها رصيدها في الشارع العراقي اذا استمرت على مواقفها هذه ،علماً إن رئيس اركان الجيش الغانمي تعهد بحماية ساحات التظاهر ولكنه لم يفي بوعده ،كما إن صمت المرجعية على تطور الاحداث يجعلها في حرج كبير أيضاً ،خاصة وإن هناك ميليشيات مسلحة لا تعمل بتوجيهاتها ،وقد سفكت الدم العراقي التي قالت عنه المرجعية أنه خط احمر ودعت لحماية المتظاهرين ،لذا ستستمر هذه الفوضى في العراق الذي بات يحكم من قبل ميليشيات ومراكز قوى غير معروفة الولاء ،وستبقى الاوضاع هكذا طالما بقية الحكومة ضعيفة وفاقدة لقرارها السيادي ،وطالما بقية المؤسسة الامنية غير قادرة على مواجهة هذه الميليشيات.