أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

سياسة فرق تسد :
اتبع البريطانيون سياسة فرق تسد لإضعاف قوى الثورة وشجعوا القبيلة واثارة الخصومات بين قادة الثورة، الأمر الذي حال دون وحدة القيادة العسكرية. وقاموا في الوقت نفسه بتعزيز قواتهم في العراق ومهاجمة مناطق الثوار. وقد وصل السير بيرس كوكس الى بغداد لتولي منصب المندوب السامي البريطاني في العراق في (11 تشرين الأول 1920)، وأصدر بعد وصوله بيانا موجها الى الشعب العراقي في (26 تشرين الأول) ، حاول فيه تعطيل شعبية الثورة، وتظاهر بعدم معرفته الأسباب التي دعت اليها، جاء فيه : “….ان فخامة نائب الملك، السير بيرس كوكس يعلن ان حكومة بريطانيا العظمى، انتدبته ليعود الى العراق، لتنفيذ مقاصد الحكومة الثابتة بمساعدة رؤساء الامة، ولتشكيل حكومة وطنية في العراق، بنظارة حكومة بريطانيا، وقد يصعب جدا على فخامته تنفيذ منويات الحكومة البريطانية ما دامت بعض أقسام العشائر تعادي الحكومة .. ولا يعلم فخامته غرض العشائر الذين يشغلون أنفسهم بالحرب، فاذا كان هناك سوء مفهومية يمكن ازالتها، ويسر فخامته أن يبلغ العشائر بواسطة أقرب حاكم سياسي اليهم …” .
خفت حدة المعارك العسكرية، بعد فترة قصيرة من وصول كوكس، واعتبرت الثورة منتهية بعد المفاوضات التي أجرتها بريطانيا مع الثوار في الرميثة – آخر معاقل الثورة – وتوقيع الاتفاق معهم في (20 تشرين الثاني 1920).
تعهدت فيه بريطانيا بأن تكون للعراق حكومة عربية مستقلة، وعدم مطالبة الثوار بالخسائر التي لحقت بالحكومة البريطانية مع الاعفاء من الضرائب لسنة الثورة، على أن يتعهد الثوار بتوطيد الأمن والنظام في مناطقهم وأن يأخذوا على عاتقهم المحافظة على السكة الحديد المارة في مناطقهم وأن يسلموا الحكومة البريطانية ألفين وأربعمائة بندقية.
وفي تقييم للثورة، لابد من القول انها ثورة وطنية وقومية هدفها الحصول على الاستقلال التام وتشكيل دولة عراقية مستقلة شاركت فيها جماهير واسعة من مختلف فئات الشعب. وكانت ثورة منظمة ولها برنامج واضح وقيادة وطنية، ولها صحافة عبرت عن أهدافها، وكانت جريدة الفرات التي صدرت بالنجف (6 آب 1920) الناطقة بلسان الثورة، قد فضحت في أعدادها سياسة بريطانيا الاستعمارية واوضحت أسباب الثورة وأكدت انها ثورة فجر بركانها الضغط، وأضرم نارها الاستبداد ووسعها القضاء على الحرية والتجاوز على الحقوق، وقد نفذ صبر الامة لما تلاقيه من جور حكام الاحتلال، وأدرك العراقيون أن المطالبة القانونية والمظاهرات السلمية لا تجدي نفعا ولا تسترجع حقا.
كما شاركت جريدة “الاستقلال” التي صدرت في النجف أيضا في (3 تشرين الأول 1920)، زميلتها الفرات في نشر مظالم المحتلين والرد على أضاليلهم وتوضح مطالب الامة المشروعة لدى الرأي العالم العالمي.
أما البريطانيون فقط نظروا الى الثورة على انها قلاقل واضطرابات قامت بها العشائر ضد السلطة المحتلة، متجاهلين الدوافع الحقيقية للثورة. فالسير (أرنولد ولسن) نائب الحاكم الملكي العام خلال الثورة، لم يستطع اخفاء عواطفه المناهضة للثورة عندما كتب عنها واصفا العراقيين بأوصاف بعيدة عن الواقع ومنافية لأبسط قواعد التعامل. لكنه اضطر تحت ضغط الحقيقة أن يعجب بدوافع القبائل الوطنية والدينية لمقاومة السلطات البريطانية عند قيام الثورة.
أما الجنرال (هالدن)، القائد العام للقوات البريطانية في العراق ابان الثورة، فقد هاجم الثوار ووصفهم بأوصاف تقترب من أوصاف (ولسن)، ويتردد في الثناء على الثوار في بعض المناسبات التي تستوجب الثناء.
في حين كانت الثورة بالنسبة للعراقيين حربا وطنية من أجل الاستقلال، برهنت على قوة العمل الوطني الموجود في تحدي القوات البريطانية التي خرجت (مظفرة) من الحرب العالمية الاولى. ودلت الثورة على أن الوعي الوطني العراقي كان قوة يحسب حسابها، وان السياسة المؤسسة على القسر باهظة التكاليف، وربما معدومة الجدوى.
وأطلق لونكريك على ثورة العشرين كلمة (التمرد) أو(العصيان) بدلا من كلمة ثورة، وذلك بقصد التضليل من المقاومة المسلحة التي جوبه بها المحتلون الانكليز من قبل الشعب العراقي.
لكن الحقيقة تقول أن ثورة العشرين كانت من الثورات الحقيقية الشعبية حقا. اذ شاركت فيها جماهير الشعب من مختلف الطبقات والمراتب، وكشفت عن مدى بغض الشعب لسيطرة الاجانب واستعداده لتقويض تلك السيطرة. فهو لم يكن متخلفا في هذه المقاومة عن بقية الشعوب الاخرى التي شهد العالم نضالها ضد الاحتلال ولا سيما خلال الحرب العالمية الثانية في الأقطار التي احتلتها المانيا وايطاليا واليابان.
أما كوتلوف فذكر ان القوى الوطنية في العراق قد حافظت على التقاليد ثورة العشرين التحررية، التي اعتبرها حربا وطنية عظمى من أجل التحرر وأصبحت المآثر البطولية للثوار توحي للجماهير الشعبية في العراق بالاستمرار في النضال من أجل الاستقلال الوطني والتقدم الاجتماعي.
فبالرغم من التنكيل الشديد للمساهمين في الثورة الوطنية التحريرية فإن المحتلين الانكليز لم يستطيعوا القضاء على اصرار الشعب العراقي ورغبته في تحقيق الأهداف العادلة التي يناضل من أجلها.
ومهما يكن من أمر فان ثورة العشرين كانت نقطة تحول اساسي في سياسة بريطانيا في الشرق الأوسط، وكانت السبب في تغيير سياستها ازاء العراق وفي قيام الدولة العراقية الحديثة.
– كما سنرى –

المصادر المعتمدة :
1 – عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي،ج1، (صيدا، 1928).
2 – عبد الله الفياض، الثورة العراقية الكبرى سنة 1920 (بغداد،1963).
3 – فيليب ويلارد ايرلند، العراق، دراسة في تطوره السياسي، ترجمة جعفر الخياط، (بيروت،1949).
4 – ستيفن همسلي، لونكريك، العراق الحديث من سنة 1900 الى سنة 1988).
5 – ر. ن. كوتلوف، ثورة العشرين التحريرية في العراق، ترجمة عبد الواحد كرم، (بغداد،1985).