جاسم الشمري

في عام ١٩٦٥ اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بشرعية كفاح الشعوب الخاضعة للحكم الاستعماري من أجل ممارسة حقها في تقرير المصير والاستقلال، وطالبت جميع الدول بضرورة تقديم المساعدة المادية والمعنوية لحركات التحرير الوطنية في الأقاليم المستعمرة.

وفي العام  1970، جاء في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (2734) (الدورة 25) المؤرخ في 16 كانون الأول (ديسمبر) 1970، ما يلي: ( وتؤكد الجمعية العامة من جديد شرعية كفاح الشعوب المضطهدة من أجل الاعتراف بحقوق الإنسان المملوكة لها وبحرياتها الأساسية ومن أجل تقرير مصيرها بنفسها)!

ومنذ أن وطئت قوات الاحتلال الأمريكية أرض العراق في العام 2003 برزت في العراق بوادر المقاومة الشعبية والوطنية للتواجد الأجنبي من أجل الخلاص من السطوة الأجنبية، وتحرير الإنسان والوطن.

وقد جوبهت تلك المقاومة بقسوة كبيرة من قبل الاحتلال والقوى (العراقية) المدنية والعسكرية، بل وقد وجهت لهم تهمة الإرهاب نتيجة عملهم الوطني والإنساني الذي تكفله الشرائع الأرضية والسماوية!

واليوم، ونحن في العام 2020، صرنا نسمع دعوات سياسية من غالبية المشاركين في العملية السياسية تطالب بخروج القوات الأجنبية من العراق، وذلك بعد أن انتهى شهر العسل بين حلفاء الأمس.

الرغبة الجديدة بخروج القوات الأجنبية من العراق جاءت للانتقام من  مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، و( أبو مهدي المهندس) نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي بعد أن استهدفتهما طائرة أمريكية بعدة صواريخ بعد خروجهما من مطار بغداد الدولي في بداية العام 2020، وكل ذلك بأوامر خارجية من (الطرف الثالث)!

وفي هذا الصدد أكد عضو ما يسمى (لجنة الأمن والدفاع النيابية في العراق) علي الغانمي، منتصف شباط/ فبراير الحالي” بدء انسحاب القوات الأميركية فعليا من 15 قاعدة عسكرية، وأن الولايات المتحدة تتمسك بالبقاء في قاعدتي (أربيل والأنبار)، لكن الضغط الشعبي والبرلماني يصر على انسحاب قواتها من جميع القواعد”.

القرار البرلماني والحكومي أكد على ضرورة إخراج القوات الأجنبية من العراق، وحكومة بغداد أعلنت الشهر الماضي أنها “لن تتراجع” عن قرارها بشأن إخراج القوات الأجنبية من البلاد، بعد الأزمة التي تصاعدت بين بغداد وواشنطن على خلفية مقتل سليماني.

وسبق لواشنطن أن ذكرت أن ” من يريدنا أن نغادر العراق عليه أن يدفع لنا تكلفة الحرب على العراق وبقية النفقات التي صرفت منذ العام 2003، وحتى اليوم”.

الدول الأوروبية ومنها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا أكدت من جانبها أنها عازمة على ( مواصلة العمل في التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في العراق، رغم قرار البرلمان العراقي بشأن مغادرة القوات الأجنبية. بيد أن دول التحالف تنتظر إشارة واضحة من بغداد بشأن بقائها أو رحيلها).

من جانب آخر، أعلن الحلف الأطلسي الثلاثاء 11/2/2020، سحبا مؤقتا لقسم من عناصره في العراق وذلك بعد تعليق مهمته في تدريب القوات العراقية، لكنه عاد ليؤكد أنه مستمر في نشاطه في العراق، وبموافقة الحكومة العراقية!

وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر أكد على ” أن بلاده تقوم بعملية إعادة تموضع في العراق ولكنها لن تنسحب من هذا البلد، وأنه لم يتخذ أي قرار بمغادرة العراق. نقطة على السطر”!

وفي تموز عام 2006 قال نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي في كلمة أمام الكونكرس الأمريكي: ” أشكركم على تصميمكم المستمر على مساعدتنا في الحرب ضد وباء الإرهاب، حيث نخوض معركتنا من اجل الدفاع عن ديمقراطيتنا الناشئة وشعبنا الذي يتطلع إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون”.

وختم المالكي كلمته بالقول” الأيام القادمة قد تكون صعبة والتحديات قد تكون جسيمة، العراق ودول العالم تحتاج إلى بعضها من اجل هزيمة الإرهاب الذي يحاول ابتلاع العالم الحر، بوقوفنا جنبا إلى جنب سنكون من المنتصرين لأننا لن نكون عبيدا للإرهابيين، فقد خلقنا الله أحرارا، ثقوا بان العراق سيكون مقبرة للإرهاب والإرهابيين دفاعا عن الإنسانية في كل مكان”!

الغريب أن الذين جاءوا بالمحتل الأمريكي بالأمس يدعون اليوم مقاومته وكذلك هم مصرون على ضرورة مغادرته للعراق.

وهكذا نلاحظ أن كل التصريحات الرسمية والمتعلقة بالتحالف تؤكد بقاء قوات التحالف الدولي في العراق، ورغم ذلك نتابع تصريحات ( غير صادقة) تطالب بخروج تلك القوات الأجنبية من العراق!

الخطاب الرسمي في عهد المالكي وغيره كان يسمي المقاومة العراقية (إرهابا)، واليوم حينما تغيرت العوامل الخارجية اللاعبة في المشهد العراقي صاروا يتحدثون بأنهم أجبروا قوات التحالف على الخروج من العراق نهاية العام 2011، وهم يعلمون جيدا أنهم وقفوا ضد المقاومة واليوم يحاولون جني ثمار مواقفها الوطنية، والتي أكدها الرئيس الأمريكي جورج بوش، بقوله (لو احتلت بلادي لقاومت المحتل)!

محاولات نكران دور المقاومة الشعبية العراقية في إجبار واشنطن على الرحيل من العراق بحجة “الاتفاقية الأمنية مع حكومة نوري المالكي” هو نوع من التزوير للتاريخ القريب، وهذا لا يمكن أن ينطلي على المواطنين والمؤرخين على حد سواء!

اليوم هنالك عشرات الآلاف من شباب العراق حكم عليهم بالإعدام والمؤبد بحجة مقاومة قوات التحالف الدولي، (الاحتلال الأمريكي) وهذا نوع من التضارب في الخطاب المستمر العراقي، وعليه يجب إطلاق سراح هؤلاء، وتكريمهم على اعتبار أنهم من الرموز الوطنية، وليسوا من الإرهابيين!

الحل في العراق يكمن ببناء دولة المواطنة التي تمتلك جيشا وطنيا ليس له أي ولاء إلا للوطن، وحينها لا نكون بحاجة لأي قوات أجنبية!

 

 

مقال خاص براسام