أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

كانت شؤون العراق من سنة 1921م وما بعدها تدار من قبل (دائرة الشرق الأوسط) التي أنشئت حديثا ضمن وزارة المستعمرات، وكان أول عمل أقدم عليه تشرشل بعد أن نقل من وزارة الحربية الى وزارة المستعمرات، هو أن يعقد مؤتمر في القاهرة، لكي يقرر دفعة واحدة وبصفة عامة، الكثير من القضايا المهمة في الشرق الأوسط.
وفي 12 آذار 1921 عقد مؤتمر القاهرة برئاسة (ونستون تشرشل) وزير المستعمرات، وحضر كبار موظفي الخدمة، وخبراء الخارجية والخزينة، ومستشارو تشرشل للشؤون الشرقية بما فيهم لورنس، كما حضره عن العراق، كل من السير برسي كوكس، الذي صحبه القائد العام للقوات البريطانية، الفريق هالدن، وجعفر العسكري (وزير الدفاع) وساسون حسقيل (وزير المالية) في حكومة عبد الرحمن النقيب الاولى، والمس بيل واثنان من مستشاري الوزارات.
كان منهاج المؤتمر فيما يخص العراق يشتمل على اختيار ملك للعراق، والتقليص المبكر للنفقات البريطانية في العراق، وانشاء القوات العراقية التي صممت لكي تضمن الدفاع عن العراق بعد جلاء الحاميات البريطانية عنه. وكان من جملة القرارات التي اتخذها هذا المؤتمر فيما يتعلق بالعراق، ترشيح الأمير فيصل بن الحسين (ملكا على العراق) بعد أن كانت بريطانيا قد رفضت عدة مرشحين.
فقد شغلت بريطانيا الرأي العام في العراق في قضية من سيتولى العرش في العراق بعد أن عرضت اسماء عدد من المرشحين، وكان هؤلاء عربا أو مسلمين وذوي ارتباطات مع بريطانيا ويتفاوتون في مراكزهم وامكانياتهم فعبد الرحمن النقيب له أنصاره في بغداد، لكنه كان طاعنا في السن، وعبد الهادي العمري وهو من اسرة موصلية معروفة وله شعبيته في الموصل، وطالب النقيب شخصية بصرية معروفة، وكان طموحا يسعى قبل الحرب العالمية الاولى لإقامة امارة عربية في جنوب العراق على غرار الامارات المجاورة كـ (امارة الكويت، امارة المحمرة)، وفيصل بن الشريف حسين (أمير سوريا المخلوع)، وأخوه عبد الله الذي رشحه المؤتمر العراقي الذي انعقد في دمشق في 8 آذار 1920 ليكون ملكا على العراق، والشيخ خزعل أمير المحمرة الذي له علاقات واسعة مع جنوب العراق، وأحد أنجال ابن سعود أمير نجد، والأمير التركي برهان الدين ابن السلطان عبد الحميد الثاني، وترددت أسماء اخرى منها أحد أفراد الاسرة المالكة في مصر.
ومن المفيد الإشارة الى ظهور تيار يدعو الى اقامة نظام جمهوري في العراق يسانده جون فيلبي مستشار وزارة الداخلية الذي استطاع أن يجمع بعض الشخصيات البارزة في العراق، أمثال توفيق الخالدي وفخر الدين جميل، وعبد المجيد الشاوي. ويذكر فيلبي أن الشعور العام في العراق كان ميالا بصورة (جازمة) الى الجمهورية وضد الملكية.
يلحظ هنا ان السيد طالب النقيب (وزير الداخلية) هدد في حفلة عشاء أنه سوف يعبئ القوات العشائرية التي تعد بالألوف، وسوف يستخدمها لمنع النفوذ البريطاني من أن يستخدم لصالح أحد من المرشحين. تبين لـ (كوكس) وجود تصميم لديه للحصول على عرش العراق، لذا وجد (كوكس) أن من الحكمة ابعاده عن المسرح، وعلى أثر ذلك اعتقلته السلطات البريطانية وأبعدته الى جزيرة سيلان. وبذلك أصبح موقف المندوب السامي والضباط البريطانيين في الحكومة لصالح قضية الأمير الشريف علانية.
اعتقدت بريطانيا أن الأمير فيصل حليف بريطانيا خلال الحرب، والذي خسر العرش في سوريا أصبح مستعدا لأن يقبل أي شيء يعرض عليه، وكانت المس بيل، سكرتيرة المندوب السامي قد كتبت تقول: “اني على اقتناع تام بأنه ليس هناك غير حل عملي واحد، وهو ترشيح أحد أنجال الشريف، واختياري الأول منهم الملك فيصل”.
قوبلت فكرة تأييد المرشح الهاشمي بالتأييد والمؤازرة في لندن، وانتدب اللورد كيرزن (وزير الخارجية) في 17 كانون 1920 ، كينهان كورنواليس أن يزور الملك فيصل الموجود في لندن لعرض العرش العراقي عليه. تحفظ فيصل في بداية الأمر لأن عرش العراق يعود لأخيه عبد الله، فطلب كيرزن من الكولونيل لورنس الاتصال بالأمير عبد الله واقناعه بالتنازل عن المطالبة بعرش العراق، وبالفعل وافق عبد الله على عدم الاعتراض.
كان تشرشل مقتنعا بأن فيصل هو المؤهل لعرش العراق، أما المندوب السامي الى بغداد في (19 نيسان 1921) بعد انتهاء مؤتمر القاهرة أذاع بيانا عما تم في المؤتمر، وبدأ على الفور باتخاذ الترتيبات اللازمة لإنجاح ترشيح فيصل، وأصدر بلاغا أوضح فيه أن الحكومة البريطانية تعد الأمير فيصل مرشحا موفقا، بل هو في الواقع أفضل مرشح..
وصل الأمير فيصل الى البصرة على ظهر الباخرة البريطانية، (تورت بروك) في (3 حزيران 1921)، وقد وصف فيلبي فيصل لحظة وصوله بقوله : “وكانت تلوح على فيصل بلباسه العربي، وكان بجانبه كينهان كورنواليس والحاشية.
استقل فيصل القطار من البصرة الى بغداد، وزار في طريقه مدن السماوة، الناصرية، الديوانية، كربلاء والنجف واجتمع مع أعيانها، كما عقد بعد وصوله الى بغداد اجتماعات متعددة مع ممثلي مختلف المناطق والعشائر.
وفي (11 تموز) قرر مجلس الوزراء المناداة بالأمير فيصل ملكا على العراق، على أن تكون حكومته دستورية نيابية مقيدة بالقانون. وابلغ هذا القرار الى المندوب السامي الذي اقترح على الحكومة اجراء استفتاء عام لمعرفة رأي الشعب في اختيار العاهل، وقد جرى الاستفتاء وحصل فيصل على 96% من الاصوات.
تم تنصيب الأمير فيصل بن الحسين في صبيحة اليوم الثالث والعشرين من شهر آب 1921 في احتفال رسمي كبير ( ملكا على العراق)، حضره أقطاب الحكومة وكبار الموظفين البريطانيين، ومتصرفو (محافظو) الالوية. وصل فيصل بصحبة برسي كوكس وايلمر هالدن ومحمود النقيب ابن رئيس الوزراء، وحسين أفنان سكرتير مجلس الوزراء الذي قرأ مرسوم اعلان الملكية. وقد رد فيصل بكلمة شكر فيها الشعب العراقي على مؤازرته والحكومة البريطانية على اعترافها به ملكا للدولة العراقية المستقلة وقال:
“إن أول عمل سأقوم به هو مباشرة الانتخابات وجمع المجلس التأسيسي. ولتعلم الامة أن مجلسها هذا هو الذي سيضع بمشاورتي دستور استقلالها على قواعد الحكومات الدستورية السياسية الديمقراطية ويعين أسس حياتها السياسية والاجتماعية، ويصادق نهائيا على المعاهدة التي سأودعها له فيما يتعلق بالصلات بين حكومتنا والحكومة البريطانية العظمى، ويقرر حرية الأديان والعبادات بشرط أن لا تخل بالأمن وبالأخلاق العمومية ويسن قوانين عدلية تضمن منافع الأجانب ومصالحهم وتمنع كل تعرض للدين والجنس واللغة وتكفل التساوي في المعاملات التجارية مع كافة البلاد الأجنبية…”.
وبعد حفل التتويج قدم عبد الرحمن النقيب استقالة حكومته، فعهد له الملك فيصل بإعادة تأليف الوزارة للمرة الثانية في (10 أيلول 1921) وفي 12 أيلول 1921 تشكلت الوزارة النقيبية الثانية واستقالت في 19 آب 1922، وكانت التشكيلة الوزارية كما يلي :
– عبد الرحمن الكيلاني النقيب رئيسا لمجلس الوزراء
– الحاج رمزي بيك وزيرا للداخلية
– ساسون حزقيل وزيرا للمالية
– ناجي السويدي وزيرا للعدل
– جعفر العسكري وزيرا للدفاع
– حنا خياط وزيرا للصحة
– عزت باشا الكركوكلي وزيرا للأشغال العامة والمواصلات
– عبد اللطيف باشا منديل وزيرا للتجارة
– عبد الكريم الجزائري وزيرا للمعارف
اعتذر فاختير بدلا عنه
محمد علي هبة الله الشهرستاني
– محمد علي فاضل وزيرا للأوقاف
بعد اجتماع مجلس الوزراء في 27 أذار 1922 استقال عدد من الوزراء بسبب مشاكل عديدة، وهم : ناجي السويدي، الحاج رمزي بيك، عبد اللطيف منديل، عزت باشا والدكتور حنا الخياط، أما ساسون حسقيل فرفضت استقالته.
وعين بدل الوزراء المستقيلين كلا من :
– توفيق الخالدي وزيرا للداخلية
– صبيح نشأت وزيرا للأشغال والمواصلات
– عبد المحسن بيك السعدون وزيرا للعدل
– محمد جعفر أبو التمن وزيرا للتجارة
أما وزارة الصحة فقد ألغيت وجعلت مديرية عامة تابعة لوزارة الداخلية.

واجه الملك فيصل الأول بعد تتويجه مهاما عديدة أهمها تخليص العراق من الانتداب البريطاني.
الى هنا تنتهي حلقات فترة الإحتلال البريطاني… وسوف نواصل الحديث عن العهد الملكي في حلقات مستقلة إن شاء الله.