أغلب البيانات و الخطابات و اللقاءات التي يتحدث فيها السياسيون في العراق يتمحور حول فكرة واحدة و أساسية وهو “التخويف من الفوضى ” و الحرب الأهلية و الصراع الداخلي و اندلاع الحروب و التدخلات الخارجية ، بشكل متكرر و مقصود لترسيخ هذه المفاهيم و التصورات داخل عقلية الشعب العراقي و جعله يعيش في حالة خوف دائم و قلق من المستقبل المجهول ، بدل الحديث عن تطوير منظومة الحكم و تحقيق الحوكمة في المجال السياسي و التطوير الاقتصادي و الرفاهية للعراقيين و توفير البيئة المناسبة لرؤية السلم المجتمعي و الانتقال إلى الأفضل بدل التخويف و التهديد من العودة للوراء.

ومنذ اندلاع مظاهرات تشرين/أكتوبر 2019 و خروج الآلاف من الشعب العراقي إلى الشوارع مطالبين بتغيير النظام السياسي و إنهاء فوضى السلاح و تنفيذ الوعود والتعهدات و توفير الخدمات للمواطنين و ضرورة استقالة حكومة القناصين (حكومة عبد المهدي) ومحاكمة المسؤولين عن عمليات القتل و القنص في ساحات التظاهر، خرجت فوراً من الأسبوع الأول العديد من البيانات و الخطابات للسياسيين واحداً تلو الآخر والتي تهدد من اندلاع الفوضى في العراق وذهابه نحو المجهول  في حال تقديم (عبد المهدي) الاستقالة دون تقديم بديل مناسب ينقل العراق إلى بر الأمان .

وللمفارقة و بعد استقالة (عادل عبد المهدي) استجابة لخطبة المرجعية الدينية ، خرجت نفس الأصوات السياسية و أكدت أهمية الاستقالة و أنها حالت دون ذهاب العراق نحو الفوضى و الانهيار!

واليوم وبعد تكليف (محمد توفيق علاوي) من قبل رئيس الجمهورية ، وهو مرشح (مقتدى الصدر) بالتعاون مع باقي الميليشيات الموالية لإيران ، هناك أصوات تهدد بذهاب البلاد إلى الحروب و الفوضى في حال تم تمرير كابينة علاوي في البرلمان العراقي، وهناك أصوات أخرى تهدد بالفوضى في حال لم تمر الكابينة و رفضها البرلمان ، في ظل خلافات عميقة بين الأطراف الشيعية و السنية على الحصص و المناصب و الامتيازات في هذه الحكومة المؤقتة التي لابد أن تركز على تهيئة الأجواء للانتخابات المبكرة وليس لتحصيل المكاسب كما يتقاتل عليها الأطراف السياسية اليوم .

السؤال الأهم : هل المظاهرات و رفض مرشحي الأحزاب و الإصرار على انتصار الثورة يأخذ البلاد إلى الفوضى ، أو يُخرج البلاد من الفوضى؟!

لم يشهد العراق الامن و الاستقرار منذ 2003 في ظل سيطرة الأحزاب الموالية لإيران مثل حزب الدعوة و الميليشيات الطائفية مثل حركة بدر و جيش المهدي و باقي التشكيلات المسلحة التي تجاوز عددها الثمانين فصيل و التي تسيطر على الجانب الاقتصادي و التجاري والأمني في أغلب المدن العراقية و تؤثر بشكل كبير على السياسات المحلية و تسيطر على المناصب الإدارية في مؤسسات الدولة.

منذ دمج عناصر الميليشيات الطائفية داخل المؤسسات الأمنية و العسكرية بدأت الفوضى الأمنية في العراق، و انشغلت هذه العناصر بممارسة الاجرام و الانتقام الطائفي و عمليات الاغتيال الممنهج مما تسبب بفقدان الاستقرار و اشتعال الحرب الاهلية التي أدت لمقتل الآلاف من العراقيين ، مع الأخطاء المقصودة للأجهزة الأمنية و العسكرية والتي أدت لظهور الإرهاب و اشتعال الحروب و تحول العراق لساحة صراع بسبب السياسات الخاطئة التي كانت تتبناها الحكومات العراقية السابقة وخاصة حكومة (نوري المالكي) والذي يتحمل المسؤولية الكاملة عن إدامة العنف و الفوضى .

في الوقت الحالي يتواجد في العراق أكثر من 80 ميليشيا مسلحة معظمها مرتبطة بإيران، والبعض الآخر منها مرتبط بشخصيات دينية في العراق، وهي لا تعترف بالمؤسسات الأمنية و العسكرية الرسمية بل و تمتلك نفوذاً أكبر من الناحية العملية ،  وسلاح الميليشيات شكلت بشكل دائم تهديداً مستمراً على المواطنين بسبب لجوء هذه الميليشيات إلى السلاح و العنف لتحقيق أهدافها و تصفية الخلافات الجانبية فيما بينها، بالإضافة إلى عرقلة المشاريع الاستثمارية بسبب رفض الجانب الأجنبي الاستثمار في العراق في ظل تواجد هذه الميليشيات التي تُهدد أمن الآخرين.

ومستقبلاً يبدو ان إيران باتت تعتمد بشكل رئيسي على ميليشيات كتائب حزب الله عن طريق التركيز الإعلامي المستمر على (أكرم الكعبي) و إطلاق يد كتائب حزب الله للسيطرة على المناصب الحساسة في الحكومة العراقية منها مكتب وزير الدفاع و رئيس اركان الجيش ومكتب مدير الاستخبارات العسكرية و الامن الوطني و مدير عمليات الامن الوطني ومدير عام التجسس في المخابرات وقاضي الإرهاب في المحكمة المركزية لتنفيذ مخطط لبننة العراق ، وتزامنت هذه التطورات مع ارتفاع تهديدات الكتائب للقوات الامريكية في العراق و التعهد بالانتقام لمقتل قاسم سليماني و أبو مهدي المهندس عن طريق إخراج القوات الامريكية ، وهذا ما دفعت واشنطن لوضع أحد قيادات الكتائب على قائمة الإرهاب، ما يعني المزيد من التأزم و المشاكل على الساحة العراقية في المستقبل.

جميع المؤشرات تؤكد ان الفوضى سوف تستمر في ظل هذه المنظومة السياسية المحكومة من قبل الأحزاب و الميليشيات الموالية لإيران ، وخاصة في المرحلة المقبلة والتي من المتوقع أكثر ان يتحول العراق لساحة صراع او صدامات مستمرة بسبب إصرار الميليشيات على المواجهة، بالإضافة إلى التدخلات المستمرة لميليشيات حزب الله اللبناني في الجانب الاقتصادي العراقي و الحكومة الجديدة .

استمرار التظاهرات الشعبية و رفض خيارات الأحزاب السياسية و انتصار الإرادة الشعبية سيساهم في إخراج العراق من الفوضى وليس الدخول في الفوضى لأن تحقيق مطالب الثوار يعني إنهاء كل عوامل الفوضى و البدء بتحقيق الاستقرار للبناء من جديد و فتح صفحة جديدة في تاريخ العراق .