إن التصعيد العسكري في مدينة ادلب شمال سوريا  بين روسيا ،والنظام السوري، وايران ،وميليشياتها من جهة وبين تركيا ،والمعارضة السورية من جهة أخرى كان متوقعاً ،بسبب التعنت في مواقف كلا الطرفين ،كما إن تركيا طالما حاولت أن تلعب على توازنات معقدة في تعاملها في الملف السوري ،بسبب التدخلات الدولية وخاصة الولايات المتحدة الامريكية ،وروسيا ،وحلفائها في سوريا حتى وصلنا الى تقاطع المصالح بين هذه الاطراف، حيث حاولت روسيا إن تنقلب على الاتفاقات المبرمة مع تركيا وخاصة اتفاق سوتشي ، حيث قامت بتصعيد عسكري شمل السيطرة على الكثير من المناطق والقرى المحيطة بمدينة ادلب ،بما فيها مدينة ،النيرب ،وسراقب ،ومعرة النعمان ،مما جعل تركيا تقول بدفع تعزيزات عسكرية كبيرة ،وقامت بإنشاء نقاط مراقبة جديدة وصلت الى أكثر من(36)، نقطة مراقبة لإجبار جميع الاطراف على تثبيت وقف اطلاق النار ،وطالبت بانسحاب قوات النظام السوري الى ما كانت عليه قبل التصعيد ،وحسب الاتفاقات المبرمة في سوتشي ،وقد صعد الرئيس التركي في تصريحاته ضد النظام السوري وحدد مهلة نهاية شهر شباط الماضي كي يتم العودة الى الوضع السابق ،وطالبت روسيا بتنفيذ واحترام الاتفاقات وخاصة اتفاق ،سوتشي، عام2018،الذي وقع بين روسيا ،وتركيا ،وايران ،ولكن روسيا رفضت العودة الى الوضع السابق بسبب المعطيات الجديدة، التي تضمنت السيطرة على مناطق كثيرة بما فيها الطرق الدوليةأم4،أم5،مع عدد من المناطق المحيطة بها.

 

حاولت فصائل المعارضة السوري بالتنسيق مع الجانب التركي أن تقوم بعمليات عسكرية ،استطاعت فيها استعادة مدينة النيرب ،وسراقب مما جعل روسيا والنظام يحاولون وقف تقدم المعاضة السورية المدعومة من قبل تركيا ،حيث أقدمت طائرات النظام السوري على قصف رتل تركيا يتكون من أكثر من (72) جندي تركيا ممال أدى الى مقتل أكثر من (33) جندي تركي وجرح (32) آخرين بينما نجا (7) جنود من القصف الجوي والمدفعي، وقد نفت وزارة الدفاع الروسية قيام مقاتلاتها بتنفيذ ضربات في تلك المنطقة التي تتواجد فيها قوات عسكرية تركية ،وقالت: إن انقرة لم تبلغ روسيا بشأن هذه المواقع التي قصف فيها الرتل التركي، رغم تأكيدات الجانب التركي بتبليغ الروس بأماكن تواجد القوات التركية حسب تصريح وزير الدفاع التركي خلوصي أكار ،ولكن يبدو أن روسيا أرادت أن توصل رسائل متعددة بهذه الضربات الجوية رغم التنسيق الذي كان يجري بين الجانب الروسي، والتركي ،بما فيه تحديد الاماكن التي يتواجد فيه الجنود الاتراك ،وقد أكد وزير الدفاع ،خلوصي اكار، بأنه تم استهداف سيارات الاسعاف التي قامت بنقل الجرحى ،والشهداء ،رغم تبليغنا الجانب الروسي بذلك، لذا فأن روسيا كانت تريد أيصال الرسائل التالية:

أولا: تقدير قدرة الرد العسكري التركي ،ومدى جدية وقدرة القيادة السياسية التركية بالذهاب للخيار العسكري في سوريا ،كون تركيا هددت بإطلاق عملية عسكرية في الشمال السوري اذا لم يتم التوصل الى اتفاق ،ويجب على النظام إن يعود الى المناطق التي كان عليها قد بدء العملية العسكرية في الشمال السوري، أي الى اتفاق ،سوتشي، وقد حدد الرئيس التركي نهاية شهر فبراير/شباط كحد أقصى للتوصل الى اتفاق ،وألا ستكون جميع الخيارات مفتوحة بما فيها الخيار العسكري ،وهذا ما جعل روسيا تتقبل ردة الفعل التركية على مقتل جنودها.

ثانيا: حاولت روسيا ايصال رسالة عسكرية قوية بأنها قادرة على فرض الحل العسكري في سوريا ، بما فيها فرض شروطها على تركيا التي لن تكون قادرة على التصعيد العسكري ضدها ،ويجب على تركيا أن تقبل بالوضع الميداني الجديد والشروط الروسية الجديدة ،وأنها لن تسمح بعودة الامور الى على ما كانت عليه ،ويجب على تركيا أن تقبل بالأمر الواقع، وإن التصعيد العسكري سيجابه بموقف روسي حاسم وقوي أذا أضطر الامر.

ثالثا: روسيا تحاول الاستفراد بتركيا من خلال معرفة ردة الفعل الامريكية ودول حلف الناتو ،وموقفهم الحقيقي من التصعيد العسكري ضد تركيا في الشمال السوري ،وهل ستقدم الدعم لتركيا بما فيها تقديم الدعم السياسي ،والعسكري ،في أي مواجهة مقبلة ،وهذه ستكون مهمة في وضع الاستراتيجية العسكرية الروسية القادمة ،في التعامل مع المناطق التي لا زالت خارج سيطرتها في سوريا وهنا لا بد أن نشير الى إن الموقف الامريكي كان داعماً لتركيا حسب تصريحات وزارة الخارجية وحسب الاتصالات التي جرت مع مستشار الامني القومي الامريكي، ومع وزير الدفاع الامريكي بالإضافة الى الاتصالات بين الرئيس الامريكي والرئيس التركي.

رابعا: وضع حد للعميات العسكرية التي تقوم بها المعارضة السورية المدعومة من قبل تركيا والتي تحاول استعادة المناطق التي سيطر عليها النظام وروسيا وخرجت عن سيطرتها ،لأن تقدم المعارضة السورية واستعادة المناطق التي سيطر عليها النظام المدعوم من روسيا ،وايران ،والميليشيات العراقية ،واللبنانية ،والافغانية ،والباكستانية يهدد بتغير الوضع الجديد في الشمال السوري ،والتي لا تريد روسيا والنظام الرجوع اليه ،بما فيه اتفاق سوتشي فقد تم استعادة السيطرة على مدينة النيرب ،ومدينة سراقب الاستراتيجية، التي يعتبر السيطرة عليها يعني السيطرة على عقدة مواصلات رئيسية ومهمة للطرق الدولية أم 4،وأم5،واذا استمر الوضع على ما هو عليه يعني أن روسيا ستخسر الكثير من المناطق التي استعادتها فأرادت إن تضع حد لهذه العمليات العسكرية المدعومة من قبل تركيا استخبارياً ،ولوجستياً بما فيها تقديم اسلحة مضادة للدبابات ، وقصف صاروخي ،ومدفعي مما يعني تغير في قواعد الاشتباك بين الطرفين ،حيث تتهم روسيا ،تركيا بدعم المعارضة ،ولكنها تتغاضى عن دعمها الجوي والعسكري والاستشاري والاستخباري لقوات النظام السوري ،وايران وميليشياتها وهنا نقول لماذا الدعم الذي تقدمه روسيا مقبول والدعم التركي غير مقبول.

خامسا: إن روسيا تتهم تركيا بعدم تطبيق بنود سوتشي ،ومنها عدم فصل الفصائل المعتدلة ،عن الفصائل المتشددة ،ولكنها لم تقل لنا لماذا لم تنفذ روسيا والنظام سحب الاسلحة الثقيلة للنظام ،وفقرات الانتقال السياسي للسلطة ،واخراج المعتقلين ،وارجاع المهجرين ،ولماذا روسيا لا تنفذ قرار مجلس الامن الرقم(2254)،ولماذا لا تنزع روسيا سلاح الميليشيات الايرانية ،والعراقية ،واللبنانية، والافغانية ،والباكستانية بما فيها خروجها في سوريا ،كما إن الذي يريد أن يعيد انتاج النظام للحكم مرة أخرى عليه أن يتعامل بأسلوب مختلف عن الفترة السابقة ،وأن يعطي ضمانات بعدم تهجير المدنيين ،وأن يطمئن الناس كي يثبت لهم بأن الامور اختلفت عن السابق ،وإن استعادة الارض مع فقدان الانسان لا يعني شيء، ولكننا نجد أن هناك اصرار على القتل ،والتهجير لأربعة مليون من الشمال السوري ،وهذه يعطي دلالة قاطعة بأن روسيا تريد الاسد أن يحكم سوريا على حساب تهجير الشعب السوري ومعاناته الانسانية حتى لو هجر جميع الشعب السوري.

 

إن من يراقب الساحة السورية والتصعيد العسكري فيها يستنتج بأن الطرفين الروسي ،والتركي ،لا يريدون الذهاب الى المواجهة المباشرة في سوريا ،وهناك الكثير من الادلة على ذلك منها:

أولا: تركيا تحدد نهاية شهر شباط للتوصل لحل سياسي قبل أن تتخذ خيارتها بما لافيها الخيار العسكري وهذا يعني أنها وسعت له طوال الفترة الماضية لإيجاد حل سياسي وقد عملت على الحل السياسي في الاستانة ،وسوتشي ،وأنها لن تلجأ الى الحل العسكري مالم تكن مضطرة اليه ، وانها ستجبر النظام على العودة عن المناطق التي سيطر عليها.

ثانيا: لقد دفعت وحشدت تركيا الكثير من التعزيزات العسكرية منذ بداية شهر شباط والى يومنا هذا ،وكان هذا يجري على مرأى ومسمع القوات الروسية ،والنظام ،ولكنهم لم يجرؤ على منع هذه التعزيزات ،فضلاً عن استهدافها ،وهذا يعطي دلالة واضحة بأن روسيا أيضاً لا تريد التصعيد العسكري ضد تركيا وتريد التوصل لحل سياسي ،وألا لأقدمت على استهداف التعزيزات العسكرية التركية.

ثالثا: من يراقب ردة الفعل الروسية بعد ضرب الرتل التركي ،وتصريح وزارة الدفاع الروسية التي تقول: “بأن موسكو فعلت ما بوسعها لضمان وقف اطلاق النار” وأنها ساعدت على دخول سيارات الاسعافات ،وسمحت لتركيا بنقل الجثث ،من مكان الحادث واكمال إجراءات الاخلاء ،والانقاذ وهذا يعني أن روسيا لا تريد التصعيد العسكري مع تركيا.

رابعا: إن الرد العسكري التركي الذي قالت عنه الرئاسة التركية الرد بالمثل ،قد تم من خلال توجيه ضربات جوية ،وصاروخية ،ومدفعية ،شملت أكثر من (200)،هدف عسكري لقوات النظام حيث لم تحاول روسيا الرد على هذه الضربات ،وهذا يعطي دلالة أخرى على أن روسيا لا تريد الذهاب الى المواجهة العسكرية مع تركيا ،وتحاول أن تحتوي التصعيد في الشمال السوري.

 

تحاول تركيا التسلح بدعم سياسي ،وعسكري من خلال طلب تقدمت به تركيا لحلف الناتو ،الذي اجتمع في بروكسل لمناقشة طلب تركيا بتفعيل المادة الرابعة للحلف ،والتي تنص على أنه “يمكن لأي عضو من الحلف أن يطلب التشاور مع الحلفاء عند شعوره بتهديد حيال وحدة ترابه أو استقلاله السياسي أو أمنه” ،وقد قال أمين عام الناتو ينس ستولتنبرغ عقب الاجتماع مع سفراء الحلف(29) أنهم يدينون الغارات الجوية العشوائية من جانب النظام السوري وروسيا، وأعرب عن تضامنه مع تركيا، ولكن أذا تطورت الاحداث وحصل صدام مباشر ،فعندئذ يمكن أن تطلب تركيا تفعيل المادة الخامسة، التي تخص معاهدة الدفاع الجماعي ،وعنده سيكون الحلف أمام معادلة جديدة يجب أن تستخدم فيها الادوات اللازمة لتحقيق التوزان مع موسكو ،علماً بأن هناك تسريبات وضغوطات تمارس على تركيا لفك ارتباطها بروسيا من خلال إلغاء صفقة الدفاعات الجوية(أس400) مقابل الحصول على دعم امريكي ،ودعم حلف الناتو بما فيها ارسال بطاريات باتريوت ،لدعم العمل العسكري التركي في شمال سوريا ،وعودتها الى مشروع طائرات(أف35)، كما إن على تركيا أن تعود الى الاتفاقات السابقة بما يخص تدفق اللاجئين الى أوروبا.

 

لاشك أن فتح الحدود التركية أمام اللاجئين السورين ،والسماح لهم بالهجرة الى الدول الاوروبية ،سيشكل ورقة ضغط على الدول الاوروبية ،وعلى الامم المتحدة ،التي أخلت بوعودها مع تركيا وإن على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته ،حيث تشير التقارير والمعلومات بان الاعداد الكبيرة للاجئين السورين لن تكون تركيا واوروبا قادرة على استيعابها ،مما سيجعل الجميع امام تحديات كبيرة ،بما فيها المنظمات الانسانية ،وقال المتحدّث باسم الامين العام للأمم المتحدة ستيفان دوغاريك في بيان إنّ “الأمين العام (أنطونيو غوتيريش) يجدّد دعوته إلى وقف فوري لإطلاق النار ويعبّر عن قلق خاصّ إزاء خطر المواجهات العسكريّة المتصاعدة على المدنيّين” في إدلب.

 

لقد انتهت الاجتماعات الروسية التركية في انقرة بالاتفاق على خفض التصعيد في ادلب ،ولكن الحقيقة بان الساحة لا زالت مشتعلة ،ولا زال التصعيد مستمر، ولكن هناك بوادر اتفاق بين الرئيس الروسي والرئيس التركي على عقد قمة في روسيا الاسبوع المقبل، كما إن ايران دخلت على الخط وهي ترغب في استضافة قمة تجمع روسيا وتركيا لحل الخلافات، حيث ستتحدد هذه اللقاءات الخيارات لكلا الطرفين في الشمال السوري، فأما الاتفاق على حل سياسي يضمن مصالح الامن القومي التركي بحيث يكون الجانبين ضامنين لالتزام جميع الاطراف بهذا الاتفاق ،على إن يكون حل طويل الامد، أو إن يكون هناك اتفاق وحل عن طريق الامم المتحدة ،وهذا ما ترفضه روسيا ،وقد يكون الخيار الاخير هو الخيار العسكري المحدود والذي لا يريده الجانبين الروسي والتركي ،لذا أعتقد بأن تركيا ستعمل خلال هذه الفترة على تعزيز وتنظيم القدرات العسكرية للمعارضة السورية، وكذلك تعزيز نقاط المراقبة التركية ، وقد طلبت تركيا من الولايات المتحدة الامريكية بتزويدها ببطاريات صواريخ باتريوت مع محاولة لفرض منطقة أمنة في الشمال السوري، لمواجهة الكارثة الانسانية التي ستشكل ضغط دولي كبير على روسيا والنظام لذا ستبقى جميع الخيارات مفتوحة ،ولكن الجانبين التركي ،والروسي يدركون بأن الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة لا يصب في مصلحة الطرفين ،لذا سيكون الخيار السياسي مطروح بقوة في قمة الرئيسين المقبلة.