جاسم الشمري

بعد عدة ساعات من فشله في تمرير حكومته داخل أروقة مجلس النواب العراقي حلق محمد توفيق علاوي صوب بلده الأهم بريطانيا بعيدا عن العراق الذي لم يفلح في تشكيل حكومته في أرجائه، ولينهي كل الدعايات التي قيل فيها إنه تخلى عن جنسيته البريطانية.
العراق بعد علاوي دخل مجددا في الماراثون السياسي لترتيب الحكومة الجديدة، وظهرت حالة التناحر السياسي على حقيقتها!
بموجب المادة 81 من الدستور العراقي المادة (81):
أولاً:- يقوم رئيس الجمهورية، مقام رئيس مجلس الوزراء، عند خلو المنصب لأي سببٍ كان.
ثانياً:- عند تحقق الحالة المنصوص عليها في البند ” أولاً ” من هذه المادة، يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشحٍ آخر بتشكيل الوزارة، خلال مدةٍ لا تزيد على خمسة عشر يوما، ووفقا لأحكام المادة(76) من هذا الدستور.
هذا الإطار القانوني لم يطبق حيث إن عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء المستقيل، حتى الساعة يقوم بمهام رئيس حكومة تصريف الأعمال، وهذه الترتيبات مخالفة لنص الدستور السابق.
وفي هذا السياق ذكر تقرير لمركز “أتلانتك كاونسل” للدراسات والبحوث الدولية ومقره واشنطن، بقلم الباحث البارز في المركز أنتوني فاف، وهو أيضا أستاذ في معهد الدراسات الإستراتيجية بكلية الحرب العسكرية بالولايات المتحدة، أن” علاوي اتخذ الخيار الصحيح عندما اعتذر عن تشكيل الحكومة، فهو حاول التقليل من سطوة الأحزاب في كابينته الوزارية، لكنه لم ينجح في الحصول على الدعم الكافي من البرلمان”.
ويرى فاف أنه” على الرغم من التحديات، إلا أن هناك فرص لدعم العراق بالنظر إلى ضغوط الاحتجاجات الشعبية، تتمثل فيما يلي:
الفرصة الأولى: الحصول على مرشح لرئاسة الوزراء مدعوم من الجميع. في الماضي، كان هذا يعني ترشيح شخص ضعيف غير قادر على تشكيل أي تهديد لنفوذ الأحزاب.
لكن اليوم وفي ظل الاحتجاجات، قد يكون المحتجون يمتلكون القدرة على فرض ترشيح شخص ذي كفاءة على الأقل ومرتبط بالحركة الاحتجاجية الناشئة في العراق، أيا كانت صلاته بإيران.
الفرصة الثانية: بدء عملية إصلاح دستورية ذات مصداقية، فطالما أن ترشيحات رئيس الوزراء والحكومة تخضع لمصالح الأحزاب السياسية المختلفة في العراق، فسيظل من الصعب تشكيل حكومات ذات كفاءة وغير خاضعة لنفوذ القوى السياسية.
لكن الخبر السار هو أن الإصلاحات الدستورية شيء يمكن للجميع الحصول عليه، فبالرغم من صعوبة تحديد إصلاحات محددة، لكن الاحتجاجات المستمرة قد تجبر البرلمان على أخذ هذه الإصلاحات بجدية أكبر.
الفرصة الثالثة: أول فرصتين تتعلقان بالعراقيين أما الثالثة فهي للولايات المتحدة التي يجب عليها الابتعاد عن طريق المحتجين. وهذا يعني إيجاد طرق لمواجهة إيران خارج العراق، لأن القيام بذلك في العراق يؤدي ببساطة إلى تفاقم المشاعر الشعبية العراقية ضد أي تأثير خارجي ويصرف الانتباه عن الطابع المناهض لإيران في الاحتجاجات.
هذه النقطة لا تعني أن الولايات المتحدة يجب ألا تدافع عن نفسها، بل عليها التخلي عن الرد، أو إيجاد رد لا يشمل العراق، حسب التقرير.
وكذلك يجب أن تواصل واشنطن جهودها لفضح النفوذ الإيراني الخبيث، وخاصة استخدام الميليشيات لقتل المتظاهرين”.
وبقراءة هذه الاحتمالات يمكن القول بأن الفرضية الأولى بالحصول على مرشح ضعيف ممكن لكن بعيدا عن ساحات التظاهر.
أما أن يرشح المتظاهرون شخصية لمنصب رئيس الوزراء، فهذا الأمر لحد الآن لم تظهر ملامحها، حيث إن المتظاهرين لم يرشحوا أي شخصية حتى الساعة، وهم لم يوافقوا على الأسماء المطروحة لكون أن هؤلاء لا تنطبق عليهم الشروط التي سبق أن قيلت، ومنها أن يكون مستقلا، ولم يشارك في حكومة سابقة وغيرها من الشروط التي لا تنطبق على كافة المشاركين في العملية السياسية.
أما الفرضية الثانية فتنقل الواقع السياسي العراقي بلا رتوش، وبالذات القول بأن ” ترشيحات رئيس الوزراء والحكومة تخضع لمصالح الأحزاب السياسية المختلفة في العراق”.
وبالمحصلة لا يمكن تصور حصول إصلاحات من شخصيات ضعيفة وتدور في أفلاك خاصة، ومتهمة في العديد من الملفات الأمنية والسياسية والمالية، ومرفوضة من قبل المتظاهرين!
فكيف يمكن تصور أن يذهب هؤلاء لمرحلة الإصلاح الدستوري، والعام في الدولة العراقية؟
أما الفرصة الثالثة التي يتحدث عنها فاف، فهي خطوة يراد منها ترتيب قمع أمريكي لإيران بعيدا عن العراق، وتقطيع أذرعها، وهذه الخطوة في ظاهرها تساعد العراقيين للوصول إلى مرحلة الانتعاش الشعبي والسياسي للوصول إلى لحظة بناء دولة حقيقة تحترم فيها حقوق الإنسان وكرامته وقبلها حياته، ولكن يجب أن لا ننسى بأن أمريكا هي السبب الأول لكل مشاكل العراق.
العراق اليوم في حالة فوضى سياسية لأن غالبية الزعماء والكتل الحاكمة كانوا يتغنون بالدستور، واليوم هم أول من ضربوا الدستور عرض الحائط من أجل مصالحهم الحزبية والشخصية بعيدا عن مصلحة الوطن والمواطن!
الآن هنالك محاولات (جدية) لعودة عادل عبد المهدي إلى رئاسة الوزراء، وهي خطوة غير مدروسة، وتتجاهل دماء شهداء تشرين الذين قتلوا على يد عناصر من غالبية القوات الأمنية بكافة صنوفها، حينما كان عادل عبد المهدي رئيسا للوزراء، وقائدا عاما للقوات المسلحة قبل أن يضطر للاستقالة نتيجة وقوعه تحت ضغط القوى الشعبية في مظاهرات تشرين الحالية!
عودة عبد المهدي لا يمكن تمريرها بالسهولة التي تتصورها غالبية الكتل الحاكمة، وأتصور أن الوعي الشعبي في عموم العراق، وبالذات في سوح التظاهر ستجبرهم على تغيير هذا الخيار، ولو بعد حين!