تبحث هذه الدراسة صديق الامس وعدو اليوم، ونسأل هل انتهى زواج المتعة بين الشيطان الاكبر ومحور الشر؟ أم إن المصالح اختلقت أو السياسات؟ كما أنها تناقش تساؤلات كثيرة ومهمة منها: هل تلاشى الحلم الايراني بالعراق بعد ثورة تشرين؟ ما هو حجم التواجد العسكري لقوات التحالف الدولي والقوات الامريكية في العراق بعد عام2014،والذي استمر الى يومنا هذا ؟هل انتهت مبررات بقاء هذه القوات في نظر الشريك الشيعي؟ هل القوات الامنية العراقية قادرة على مواجهة التهديدات المحتملة بعد انسحاب القوات الامريكية ؟ولماذا تطالب ايران عن طريق وكلائها بخروج القوات الامريكية من العراق بعد مقتل سليماني؟ ولماذا لا تعمل هي بصورة مباشرة على مواجهة الولايات المتحدة الامريكية؟ ما هي الخيارات الايرانية وميليشياتها وحكومتها في بغداد فيما يخص مواجهة القوات الامريكية؟ ما هو الموقف الامريكي من قرار البرلمان بإخراج القوات الامريكية؟ لماذا تعمل القوات الامريكية على بناء القواعد العسكرية وزيادة القوات أذا كانت تريد الخروج؟ ما هي أهم تداعيات إخراج القوات الامريكية على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري؟ هل يمثل خروج القوات الامريكية مصلحة ايرانية؟ أم أنها مصلحة عراقية؟ ولماذا لا تكون المطالبة بإخراج القوات الامريكية والايرانية معاً؟ ما هي استنتاجات الدراسة.

المقدمة:

يبدو إن الحلم والنشوة الايرانية بالسيطرة على العراق قد تلاشت وأوشكت على نهايتها فما قاله ظريف وزير الخارجية الايراني في محافظة النجف في تاريخ16كانون الثاني عام2019،ذهب أدارج الرياح حيث قال: بأنهم يمضون “الامريكيين” ونحن نبقى لأننا أهل الارض ولدينا أرضية خصبة للتعاون مع العراق” وصف تواجدهم بأنهم أهل الارض ولكنهم استفاقوا من هذا الحلم على تطورات الوضع العراقي التي قلبت عليهم الطاولة وأحرقت الارض تحت أقدامهم فهناك انقلاب كامل على النفوذ والتواجد الايراني تشهده الساحة العراقية منذ انطلاق الحراك الشعبي في الاول من أكتوبر عام2019،ولا زال مستمراً الى يومنا هذا وهناك زلزال كبير يتعرض له المشروع الايراني في العراق والمنطقة ،فهناك حرق للقنصليات الايرانية وحرق لصور المرشد الاعلى وحرق للعلم الايراني وهناك رفض كامل للأدوات الايرانية السياسية والمسلحة في العراق ،وخاصة الميليشيات الولائية التي تقتل المتظاهرين بدم بارد، يضاف الى ذلك أن هناك تصعيد أمريكي –ايراني يجري على الاراضي العراقية خاصة بعد مقتل سليماني ،وأبو مهدي المهندس بضربات جوية امريكية الامر الذي جعل جميع قادة الميليشيات تتلمس رقابها ،وخاصة الذين وضعت اسمائهم على لوائح الارهاب الامريكية ،مما دعا هذه الميليشيات التي تديرها ايران وتسيطر وتهمين على المشهد السياسي والعسكري والاقتصادي بالعراق أن تدعو الى خروج القوات الامريكية في العراق بإيحاء وتوجيه من اسيادها في طهران.

التواجد العسكري الامريكي في العراق بعد عام2014:

لقد كان بقاء القوات الامريكية في العراق بعد عام2011،ضرورة أمريكية ملحة ولكنه يحتاج الى مظلة تؤطر هذا الوجود فأوجدا ذريعة تدريب القوات العراقية ،والسيطرة على المجال الجوي ،ومكافحة الارهاب ، فتم اتخاذ قرار من قبل الرئيس الامريكي بارك أوباما بالإبقاء على قوة مكونة من(1200)،جندي وحصل على موافقة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على ذلك، وبعد سيطرة تنظيم الدولة في حزيران عام2014،على العديد من المدن العراقية شرعنة عودتها للعراق بقوة بموجب (الفقرة الاولى) ،من (المادة الرابعة)، من اتفاقية التعاون الاستراتيجي (الاتفاقية الامنية مع بغداد)،حيث طلبت حكومة المالكي عودة القوات الامريكية للعراق لمساندتها في جهودها من أجل الحفاظ على الامن والاستقرار ومواجهة تنظيم الدولة والمساعدة في استعادة المدن التي تم السيطرة عليها من قبل تنظيم الدولة، فعملت الولايات المتحدة الامريكية على تشكيل التحالف الدولي والذي وصل الى(76)،دولة بالإضافة إلى الآلاف من المتعاقدين المدنيين حيث قادة الولايات المتحدة الامريكية هذا التحالف الذي قدم الدعم الجوي والاستخباري واللوجستي والاستشاري والتدريبي بالإضافة الى الدعم المالي (باستراتيجية غير مباشرة) دون الخوض في القتال الميداني وكان بداية التدخل الامريكي بالعراق هي بوصول قوات قليلة للدعم الجوي والاستشاري والتدريبي ثم بدأت اعدادهم تزداد مع استعادة المدن والاراضي بمقاربة عجيبة فالمفروض يكون تواجدهم كبير في بداية الحرب ثم يتقلص توجداهم بعد ذلك بسبب استعادة المدن وانتفاء الحاجة لهم ولكن الذي حصل بالعكس بداية تواجدهم قليلة ثم ازدادت بعد ذلك! حتى وصلت أعدادهم بعام 2016،الى (3800) ،جندي وبعد أن تم استعادة جميع المدن التي خرجت عن سيطرت الحكومة وصل عدد القوات الى(5200)،جندي امريكي  و(400) ،جندي بريطاني، و(200) ، جندي فرنسي، و(120)،جندياً ألماني، حيث تنتشر القوات الامريكية والتحالف الدولي في قواعد عسكرية وسط وشمال وغرب العراق ، وكما يلي: 

أولا: قاعدة الحبانية (التقدم)بمحافظة الانبار.

ثانيا: قاعدة عين الاسد في هيت: والتي قصفت بصواريخ ايرانية أرض-أرض.

ثالثا: قاعدة بلد الجوية(قاعدة البكر) في محافظة صلاح الدين.

رابعا: قاعدة القيارة في محافظة نينوى.

خامسا: قاعدة فكتوري(النصر)في مطار بغداد.

سادسا: قاعدة سبايكر في محافظة صلاح الدين.

ولديهم مواقع عسكرية أخرى في معسكر التاجي ،والبسماية، ومقر عمليات نينوى، وسد الموصل، وكي وان ، وحديثة ،والرطبة ،والقائم (موقع عسكري كبير في منطقة الرمانة)وهناك نية عن إقامة قاعدتين عسكرية أشبه بالمعسكرات المحصنة لقوات العمليات الخاصة بمنطقة عكاز قرب القائم ،ومنطقة الحميرة قرب الرمادي ،بالإضافة لتواجدها في خمسة قواعد عسكرية في كردستان العراق التي وقعت بروتوكولا للتعاون العسكري بين الجانبين ،وقعه وزير داخلية الإقليم وكالة كريم سنجاري مع مساعدة وزير الدفاع الأمريكي اليسا سلوتيكن في12،يوليو/تموز عام2016، بحضور رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني، والذي تم خارج إطار الدولة العراقية وقد تضمن اقامة القواعد العسكرية التالية :

أولا/ قاعدة حرير : التي قصفت بصواريخ ايرانية نوع أرض – أرض. 

ثانيا/ قاعدة منطقة التون كوبري في كركوك.

ثالثا/ قاعدة اتروش.

رابعا/ قاعدة حلبجة في السليمانية قرب الحدود الايرانية ويجري تطويرها الان.

خامسا/ قاعدة سنجار .

 علماً إن القوات العراقية التي تتواجد مع القوات الامريكية في قواعد مشتركة لا يسمح لها بالدخول الى المنطقة التي تتواجد فيها القوات الامريكية ،هذا مع هيمنة كاملة على الاجواء العراقية في حالة واضحة للسيادة العراقية التي تتغنى بها حكومة بغداد، وهذا يبين النوايا الامريكية للبقاء في العراق خلال الفترة المقبلة.

مطالبات ايرانية سابقة بخروج القوات الامريكية:

لقد طالب المرشد الاعلى في ايران علي خامنئي رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في لقاء جمعهم في6نيسان عام2019،بضرورة خروج القوات الأمريكية “بأسرع ما يمكن” واعتبر خامنئي أن تواجد العسكریین الأمريكيين في المنطقة يضر دولها وشعوبها ، مشيراً إلى أن هدف أمريكا في العراق “يتخطّى مجرّد التواجد العسكريوخاطب عبد المهدي بالقول ” ينبغي أن تقدموا على خطوة تدفع الأمريكان لسحب جنودهم من العراق في أسرع وقت ممكن، لأنّهم أينما مكثوا عسكريّاً لفترة طويلة في بلد ما، كانت عمليّة إخراجهم محفوفة بالمصاعب وبتاريخ15،يناير عام2020،طالب الرئيس الايراني حسن روحاني وشدد على وجوب مغادرة القوات الاجنبية الشرق الاوسط ،وقد مرر مجلس الشورى الإيراني بشكل طارئ قانوناً يعتبر القوات الأمريكية “إرهابية”، على خلفية اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني بضربة أميركية في بغداد ،وأقر النواب قانوناً يعتبر القوات الأمريكية المنتشرة في القرن الإفريقي إلى آسيا الوسطى مروراً بالشرق الأوسط “إرهابية” وأدرج النص وزارة الدفاع الأمريكية(البنتاغون) وكافة القوات الأمريكية وكل شخص مرتبط باغتيال سليماني في إطار هذا التصنيف ،وقد أثنى شمخاني في زيارته الاخيرة الى العراق على التشديد على المطالبة بإخراج القوات الامريكية من العراق ،علماً أنه يقوم بزيارة لإعادة تأهيل وترشيح عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء مع حكومته مرة أخرى ،الامر الذي يحظى بدعم الكرد له وبعض الكتل والاحزاب السياسية الاخرى الموالية لإيران، كما التقى مدير المخابرات العراقي الذي تتهمه ميليشيا حزب الله العراقي بالتورط في مقتل سليماني وأبو مهدي المهندس ،وهو مرشح ساخن الان لرئاسة الوزراء بعد فشل علاوي في تمرير تشكيلته الوزارية.

وكلاء ايران يطالبون بخروج القوات الامريكية بعد مقتل سليماني والمهندس:

إن الضربات الامريكية التي تسببت بقتل قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس جعلت الميليشيات تعيش أسوء أيامها بسبب عجزها عن حماية قادتها وقواتها ،فضلاً عن رد هذه الضربات حيث تمثل أحد أبرز التطورات على الصعيد الامني والسياسي في العراق والمنطقة ،مما دعا ايران أن تضغط بشدة على طريق وكلائها السياسيين والعسكريين للعمل على اخراج القوات الامريكية من العراق ،فقد طالب الصدر بأغلاق مقار الشركات الامنية الامريكية وإنهاء عملها في البلاد وإغلاق الاجواء العراقية أمام الطيران الحربي والاستخباراتي والغاء الاتفاقية الامنية مع واشنطن، كما إن هذه الدعوة جاءت متزامنة مع مطالبة أمين عام حزب الله اللبناني بضرورة خروج القوات الامريكية من المنطقة ،فيما صرح قائد فيلق القدس الايراني اسماعيل قاآني قائلاً: “نتعهد بالقتال حتى يتم إخراج الولايات المتحدة نهائياً من المنطقة” متعهداً بمواصلة مسيرة سليماني بنفس القوة والعزاء الوحيد لنا سيكون طرد أمريكا من المنطقة” ولكنه لم يقل لنا لماذا لا يد على الضربات الاسرائيلية على قواته في سوريا؟ وهذا يعكس التأثير الايراني الذي تمتلكه ايران في العراق ،والغريب بأنهم لا يطالبون بخروج النفوذ الايراني الذي تطالب به الجماهير الثائرة في العراق ،ويتجاهلون ذلك بتعمد واصرار على بقائه ،ويبدو بان الخوف الذي ينتاب قادة الميليشيات في العراق جعلهم يطالبون بشدة خروج القوات الامريكية التي بدا توجدهم يشكل تهديد حقيقي لنفوذهم وهيمنتهم في العراق.

الخيارات الايرانية ووكلائها ضد التواجد الامريكي في العراق:

لقد اتخذت الميليشيات المسلحة التابعة لإيران عدة قرارات تعبر عن الارتباك والقلق والخوف من القادم خصوصاً بعد أن أدرجت الولايات المتحدة الامريكية الكثير من قادة هذه الميليشيات على قوائم الارهاب الدولي ،وكان أخرهم الامين العام لميليشيا حزب الله العراقي أحمد الحميداوي (الخال) ،علماً إن خيارات المليشيات انحسرت وحددت بسلسلة من الاجراءات على المستوى السياسي ،واذا لم ينجح فيتم التحول للخيار العسكري ،لذا فقد تم الدفع باتجاه عقد جلسة للبرلمان العراقي لمناقشة هذا الموضوع ،خصوصاً بعد التصعيد العسكري الكبير والتطورات الخطيرة التي شهدها العراق بعد تبادل الضربات الصاروخية بين الولايات المتحدة الامريكية وايران ،وكان لا بد من العمل على ممارسة أقصى درجات الضغط على الادارة الامريكية ومطالبتها بسحب قواتها من العراق ومن أهم الخطوات التي عملوا عليها هي كما يلي: 

أولا/ على المستوى السياسي: لقد كانت الخيارات المطروحة على المستوى السياسي كما يلي :

  • تقديم طلب رسمي من قبل حكومة بغداد تطلب فيه خروج القوات الاجنبية (الامريكية) من العراق ،وقد قدمت حكومة عبد المهدي طلب رسمي بذلك وطلبت من الادارة الامريكية ارسال مندوبين لوضع الية الانسحاب الآمن لقواتها.
  • خروج مظاهرات تطالب بخروج القوات الامريكية أي استخدام الشارع العراقي للضغط على الادارة الامريكية من خلال الخروج بمظاهرات واسعة النطاق ،كالتي دعا اليها الصدر ودعمتها المليشيات والاحزاب السياسية التابعة لإيران خصوصاً بعد الاجتماعات التي جرت في مدينة قم الايرانية وبيروت.

ثانيا/ على المستوى العسكري: ويعتبر هذا الخيار مطروحاً قبل مقتل سليماني وأبو مهدي المهندس ، وكانت هناك العديد من الهجمات الصاروخية على القواعد العسكرية التي تتواجد فيها القوات الامريكية وكذلك على السفارة الامريكية في بغداد ،وهذا الخيار طالما هددت و لوحت به قيادات الميليشيات الولائية في العراق بعد أن اعتبرت القوات الامريكية بمثابة المحتجزين لديها ،وقد دعا الصدر الى تشكيل مليشيا جديدة من الداخل والخارج أطلق عليها تسمية “المقاومة الدولية” لمواجهة التواجد الامريكي في حال رفضت الادارة الامريكية الخروج من العراق ،علماً إن الميليشيات نفذت عدة هجمات صاروخية استهدفت السفارة الامريكية، وقاعدة القيارة في مدينة الموصل ،وقد صرح قيس الخزعلي قائلاً بأن السنة سيشاركون في استهداف القوات الامريكية ولكنه لم يفصح عن الجهات التي ستشاركهم في مواجهة القوات الامريكية ،وأعتقد أنه يحاول أن يرسل رسالة ضغط تقول بأن هناك اجماع على الانسحاب الامريكي من العراق ،وقد هدد الامين العام لميليشيا حزب الله العراق شركات النقل البري العراقية وشركات الامن التي تعمل مع القوات الامريكية بقطع صلتها وتعاملها مع القوات الامريكية ،وأن تمتنع عن اللقاء بقواعد الاحتلال الامريكي خلال فترة(15)،يوم.

خيارات حكومة تصريف الاعمال من وجود القوات الاجنبية:

لقد أختصر رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي خيارات حكومته في التعامل مع القوات الاجنبية العاملة في العراق، بعد أن قامت حسب تعبيره بتجاوزات متكررة وقرارات انفرادية تجريميه على شخصيات رسمية عراقية وأجنبية وأضاف بأننا “بدأنا نشعر بتراجع الثقة مع واشنطن لموقفنا الرافض للعقوبات ضد ايران “وإن الطائرات المسيرة الامريكية والمروحيات تجوب سماء بغداد دون أذن رسمي ،والتي كان أخراها مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ،حيث أعتبر مقتلهم بأنه اغتيال ،وقد طرح على البرلمان خيارين هما:

أولا/ إنهاء الوجود الامريكي الذي أعتبره الاصح والعملي لحماية جميع المتواجدين على الاراضي العراقية.

ثانيا/ حصر وجود القوات الاجنبية على تدريب القوات العراقية ،وعدم توليها مهام قتالية ،ووضع جدول زمني لخروجها من العراق ،وهذا ما نفذته القوات الحكومية في عملية أبطال النصر والتي تمت بجهد عراقي خالص بما فيها استخدام طائرات (أف16)،أي لم يشارك فيها التحالف الدولي ،وهو ما يؤيد الخيارات التي طرحها رئيس الوزراء المستقيل وإن القوات العراقية قادرة على ملء الفراغ الذي ينتج عن انسحاب القوات الأجنبية وخاصة الامريكية.

الكتلة الشيعية تصوت على اخراج القوات الامريكية :

لقد صوت البرلمان العراقي في الخامس من يناير/كانون الثاني2020،على قرار يتضمن خروج جميع القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، وخول رئيس الوزراء باتخاذ الاجراءات اللازمة لتنفيذ هذا القرار وهذا يشمل التواجد الامريكي الذي يقدر بـ(5200)،جندي أمريكي يتواجدون في العراق منذ بداية عام2014،بدعوة من حكومة المالكي بعد أن سيطرة تنظيم الدولة على العديد من المدن في العراق وسوريا وقد جرى التصويت على هذا القرار رغم غياب الشركاء الكرد والسنة حيث تصاعدت الهتافات داخل قبة البرلمان” نعم ،نعم سليماني” كلا ،كلا أمريكا” وهذا يعطي دلالة واضحة على الانقسام الحاد بين الكتل السياسية وتباين وجهات النطر بينها فيما يخص التواجد العسكري لهذه القوات.

رسالة رسمية أمريكية بشأن الانسحاب تثير ضجة إعلامية:

لقد أثار خبر وكالة الانباء الفرنسية(فرنس بيرس)،بشأن انسحاب القوات الامريكية من العراق ضجة إعلامية كبيرة حيث تسلم العراق رسالة رسمية من الولايات المتحدة الامريكية تفيد بأنها ستعيد تمركز قواتها خارج العراق في الاسابيع المقبلة ،وقد نقلت رويترز نفى وزير الدفاع الامريكي مارك إسبر نية الولايات المتحدة الامريكية سحب قواتها من العراق ،وقال إنه “لا يوجد قرار على الإطلاق بالانسحاب من العراق”، وان الرسالة غير دقيقة وقد أعلنت عقب التوتر المتزايد مع ايران نشر(3500)،جندي أمريكي أضافي في المنطقة منهم(150)،جندي لحماية السفارة الامريكية في بغداد والتي تتعرض لهجمات صاروخية متكررة بصورة مستمرة فيما قال  رئيس الأركان الأميركي “مارك ما يلي: “إن الرسالة المتداولة مسودة هدفها التنسيق، وما كان ينبغي أن تنشر “.

الموقف الامريكي من قرار البرلمان العراقي بإخراج القوات الاجنبية:

لقد أعربت الخارجية الامريكية عن خيبة أملها إزاء قرار البرلمان بإخراج القوات الامريكية من العراق وطالبت الحكومة العراقية بإعادة النظر فيه ،كما أنها تنظر الى طلب حكومة تصريف الاعمال التي يقودها عادل عبد المهدي بأنها حكومة مضطربة ،وغير كاملة الصلاحيات ،ومستقيلة بسبب التظاهرات التي خرجت تندد بأداء النظام السياسي الفاسد، وتطالب بخروج التواجد الايراني ،وتغيير جميع الطبقة السياسية الحاكمة ،والتي فشلت في ادارة البلد منذ عام2003، والى يومنا هذا ،كما أن الادارة الأمريكية تعتبر الانسحاب الان من العراق يعد نصراً لإيران وادواتها السياسية والمسلحة في العراق ،وهذا قد يدفع الولايات المتحدة الى استخدام نفوذها السياسي لفرض مزيد من العزلة السياسية والدبلوماسية على الحكومة العراقية ،بما فيها ايقاف التعاملات الاقتصادية والمالية بين العراق والبنوك الاقتصادية ،بسبب عدم قدرة الطبقة السياسية على تبني سياسية مستقلة بعيدا عن النفوذ الايراني والامريكي ،وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت في وقت سابق أن واشنطن لا تعتزم بحث سحب قواتها مع العراق.

من يراقب الاجراءات الامريكية بعد28،ديسمبر /كانون الاول عام2019، يجد حالة من الجدية في التعامل الامريكي مع ايران وادواتها خاصة بعد مقتل سليماني وابو مهدي المهندس ويبين بأن الاجراءات الامريكية تميل الى البقاء في العراق وقد صرح ترامب قائلا: “لدينا قاعدة جوية هناك باهظة التكلفة بشكل استثنائي، لقد احتاجت مليارات الدولارات لبنائها منذ فترة طويلة قبل مجيئي، لن نغادر إلا إذا دفعوا لنا تكلفتها” وقال ترامب: وأوضح أنه إذا طالب العراق برحيل القوات الأمريكية ولم يتم ذلك على أساس ودي، سنفرض عليهم عقوبات لم يروا مثلها من قبل مطلقًا، وستكون عقوبات إيران بجوارها شيء صغير” وقد صرح عضو لجنة الامن والدفاع البرلمانية “كريم عليوي في16،فبراير/شباط الماضي” بأن واشنطن بدأت بنصب منظومة باتريوت في قاعدة عين الاسد بمحافظة الانبار دون موافقة الحكومة العراقية ،وكانت هذه القاعدة قد تعرضت لهجمات صاروخية ايرانية رداً على مقتل قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني ، وهذا يعني أن خيار الانسحاب من العراق غير وارد في هذه المرحلة.

لقد خصص الكونغرس الامريكي موازنة كبيرة وصلت الى(71)،مليار دولار لتمكين وجود القوات الامريكية من تنفيذ استراتيجيتها في دول غير مستقرة بسبب الارهاب ومنها العراق ،والصومال ،وافغانستان ،وسوريا وقد خصص منها(1،5)،مليار دولار  للجهد المدني لتأمين الاندماج في غرب العراق وسهل نينوى ،كما إن أعمال البناء والصيانة والتوسع التي تجري في القواعد الامريكية التي تم انشائها في العراق وخاصة قاعدة حرير في اربيل ،وقاعدة القيارة في الموصل ،وقاعدة عين الاسد في هيت وحجم الانفاق الكبير عليها يعطي دلالة على عدم وجود نية للانسحاب الامريكي من العراق خاصة وإن تواجدهم ينحصر في شمال وغرب العراق التي يعتبرها الامريكان الان مناطق موثوق بها بسبب التغول الايراني وميليشياتها المسلحة. 

تداعيات إخراج القوات الامريكية من العراق:

لقد حمل القرار لبرلماني الذي صدر  في الخامس من يناير /كانون الثاني عا2020،الكثير من التداعيات على كافة المستويات الداخلية والخارجية ،وخاصة على المستوى السياسي ،والعسكري ،والاقتصادي ،وكان ترامب قد كتب على تويتر :”أنه أراد الإبقاء على القوات الأمريكية في العراق لأجل مراقبة إيران كما إنه أعتبر إن الوجود الامريكي في العراق هو أساسياً لاستقرار الشرق الأوسط ولحماية المصالح الأمريكية، على الاقل في المستقبل المنظور” بالإضافة الى إنه ضرورياً لمنع تنظيم الدولة من تشكيل تهديد جديد بمنعه من إعادة تنظيمه وتجميع قواته من خلال الاستمرار بمراقبة نشاطاته العسكرية بوسائل تكنلوجية متطورة ، وتوجيه الضربات الجوية ،ومنعه من التنقل والانتشار في المناطق التي يحتمل أن تشكل تهديد محتمل للقوات العسكرية والامنية.

التداعيات على المستوى الاقتصادي:

إن الولايات المتحدة الامريكية هددت العراق بفرض عقوبات اقتصادية لم يسبق لها مثيل من قبل في حال مضت حكومة بغداد في هذا الاجراء ،بضمنها تجميد الارصدة العراقية الموجودة في البنوك الامريكية ،والتي تقدر بـ(32)،مليار دولار كما ستمنع الحكومة العراقية من الوصول الى حسابتها البنكية في البنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك الذي يحتفظ بعائدات النفط العراقي فيه ،وهذا سيجعل العراق في حرج اقتصادي كبير جداً ولن تستطيع الحكومة دفع رواتب الموظفين والالتزامات التقاعدية ،خصوصاً وإن ترامب غرد قائلاً: “لن نغادر العراق ألا إذا دفعت الحكومة العراقية مقابل القاعدة الامريكية المتواجدة هناك” في اشارة الى قاعدة “عين الاسد” التي قال عنها لدينا قاعدة باهظة الثمن للغاية كلفتنا مليارات الدولارات.

إن دعوة العراق بخروج القوات الامريكية من العراق وتهديد الولايات المتحدة الامريكية بفرض عقوبات اقتصادية لم يسبق لها مثيل يعني تحويل العراق من شريك في مواجهة الارهاب الى عدو ،وهذا قد يوقف حماية الولايات المتحدة الامريكية للأصول العراقية من الدعاوى القضائية المقدمة ضده بما فيها عدم قدرة العراقيين على اجراء معاملات بالدولار الامريكي ،وقد يحرم العراق من تصديره نفطه بسبب العقوبات الامريكية التي ستفرض عليه ،وسيعاني من عزلة سياسية واقتصادية كبيرة بسبب الاصطفاف مع ايران ، علماً إن العراق يشهد حراك شعبي غير مسبوق منذ الاول من أكتوبر عام2019ولا زال مستمراً مما سيحول العراق الى فوضى عارمة.

أن خروج القوات الامريكية من العراق سيعطي ايران فرصة أخرى للسيطرة على جميع مقدرات الدولة العراقية بصورة كاملة ،وسيجبر العراق على الاعتماد على ايران خصوصاً وإن هناك تبادل تجاري قد يصل الى(20)، مليار دولار خلال هذا العام حسب تصريح روحاني مما يجعل المصالح الاقتصادية متشابكة بشكل لا يمكن للعراق أن ينفك منها بسهولة، وخاصة فيما يخص الغاز الايراني وتوريد الطاقة الكهربائية ، مما سيجعل العراق عرضة لعقوبات ستشكل وبالاً عليه بما فيها ألغاء الإعفاءات التي تتيح للعراق شراء الغاز الايراني الذي تعتمد عليه الدولة في تشغيل مولدات الكهرباء بالجنوب بسنبة لا قتل عن35% ،وفي حالة فرض حصار على العراق فأنه سيفقد ريع المنتجات النفطية التي تصل الى90% ،مما يجعل مصلحة العراق الوطنية والقومية في خطر كبير بسبب الاصطفاف مع ايران.

التداعيات على المستوى السياسي:

إن الطبقة السياسية في العراق تنظر الى مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بأنها حادثة خطيرة وتشكل انعطافه كبيرة أدت الى توتر العلاقات العراقية الامريكية بشكل كبير وغير مسبوق، كما أدت لحالة من الفتور وصلت لحد القطيعة ،وتدهور سريع في العلاقات على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والامنية ،بحيث صرحت الولايات المتحدة بأنها لا تجد في حكومة عبد المهدي شريكاً لها في العراق.

إن القرار البرلماني الذي صدر بأغلبية سياسية ينهي بصورة كاملة مبدأ التوافق الذي اعتمدته العملية السياسية في العراق بعد عام2003، والذي دأبت عليه الكتل السياسية في تمرير القرارات المهمة في البرلمان ، وقد صدر القرار بتخويل رئيس الوزراء متابعة إجراءات تنفيذ خروج القوات الاجنبية من العراق الامر الذي أعتبر قرار غير ملزم للحكومة، ولكنه يعكس حالة الفوضى التي يمر بها العراق وخاصة حكومته المستقيلة برئاسة عادل عبد المهدي الذي يرأس حكومة تصريف الاعمال.

إن تمرير هذا القرار يمثل أزمة سياسية وانقسام حاد في المواقف بين الكتل السياسية ،فالكثير من الاحزاب السياسية والميليشيات المسلحة تنظر الى الوجود الامريكي في العراق خاصة بعد مقتل سليماني وأبو مهدي المهندس بأنه تهديد حقيقي لها ولمكتسباتها في العراق والمنطقة ،بينما يمثل لأطراف سياسية أخرى كالكرد والسنة حالة من التوزان ضد النفوذ الايراني ،وحالة من الاستقرار ضد التهديدات التي تقول باحتمالية عودة تنظيم الدولة الذي لا يزال قائماً.

إن قرار أو قانون خروج القوات الامريكية كان يجب أن يقدم من قبل حكومة كاملة الصلاحيات ،أو من رئاسة الجمهورية ،ولكنه لم يقدم من أيً منها كون هذه الحكومة هي لتصريف الاعمال أي منقوصة الصلاحيات فلا يحق لها دستورياً أن تقدم مثل هذا القرار أو القانون الذي يتعلق بمصير ومستقبل العراق ، كما إن رئاسة الجمهورية لم تقدم أي قانون أو قرار بذلك ،لذا لا يحق لهذه الحكومة تقديم مثل هذا القرار ويجب أن يحال مثل هذا القرار للحكومة القادمة ،كما إن البرلمان يمثل جهة تشريعية وتنحصر صلاحياته في سن القوانين ومراقبة أداء الحكومة ،لذا فالقرار الذي صدر ليس له أثر قانوني وهو بمثابة توصية وليس قانون كي تكون الحكومة ملزمة بتنفيذه ،وهو لم يحدد زمن محدد لتنفيذه لذا فهو قرار سياسي أكثر مما هو قانوني وبرلماني.

لقد جاء قرار البرلمان والدعوة لخروج القوات الاجنبية وليس القوات الامريكية فقط أمر مخفف من وجهة الحكومة والميليشيات والاحزاب السياسية التابعة لطهران ،لأن خروج القوات الامريكية فقط أمر يثير الاستفزاز الطرف الاخر، ولكن الحقيقة هي دعوة واضحة بخروج القوات الامريكية التي أصبحت تشكل تهديد حقيقي للنفوذ الايراني في العراق بعد مقتل سليماني وأبو مهدي المهندس.

إن خروج القوات الامريكية من العراق في هذا الوقت ستجعل العراق أكثر ضعفاً أمام ايران التي تحاول السيطرة على العراق بشكل كامل، لذا فالولايات المتحدة الامريكية ترى في تواجدها في العراق بأنه يشكل حلقة مهمة في مواجهة التمدد الايراني ويشكل جزء اساسي من التوازن مع النفوذ الايراني الذي بات يهيمن فعلياً على العراق ،عسكرياً، وسياسياً ،واقتصادياً ،من خلال ميليشيات الحشد الشعبي ،كما إن الكثير من القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية تنظر الى الوجود الامريكي كضامن أكيد لها ولوجودها في العراق ،وخاصة مع وجود تهديد تنظيم الدولة الذي لا زال قائما بقوة في العراق، وهذا ما دعا الى عزوف بعض المكونات العراقية عن التصويت أو الحضور لدعم قرار خروج القوات الاجنبية من العراق.

التداعيات على المستوى العسكري والامني: 

لقد وفر التحالف الدولي للقوات العراقية دعم كبير في مختلف المجالات التي شملت برامج تدريبة ، ومعلومات استخبارية ،بالإضافة الى الاستطلاع العميق ،والمراقبة ،والدعم الجوي القتالي ،والاستشارة الميدانية ،بالإضافة الى تقديم اسلحة متطورة ضمن المنحة لبرنامج المبيعات الخارجية للأسلحة الامريكية ،وكذلك الخبرات الجديدة والمتطورة في بناء القدرات ،كما ساهم التحالف الدولي بشكل كبير في استعادة الاراضي وارساء الاستقرار فيها بعد إن خرجت عن سيطرة الحكومة العراقية بعد عام2014،وهذا يعني إن العراق سيخسر المعلومات الاستخبارية وعمليات الاستطلاع الجوي والمراقبة وسيجد صعوبة في تأمين هذه المعلومات والاسلحة و الطائرات الحديثة، بالإضافة إلى إمكانية فقدان العراق لعمليات التدريب والاستشارة على الأسلحة والمعدات الحديثة التي يوفرها التحالف الدولي.

لقد مثل إعلان التحالف الدولي بقيادة أمريكية التهيؤ لحماية القواعد العسكرية التي تستضيف القوات الامريكية لغرض مواجهة الرد الايراني على مقتل سليماني، من خلال قيامه بالعديد من الاجراءات ومنها وقف تدريب القوات العراقية ،وكذلك وقف العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة أمر مقلق للقوات الامنية العراقية ،وهو يمثل تصعيد جدي للمصالح الايرانية في العراق ،الامر الذي فسح المجال لبعض التحركات العسكرية لتنظيم الدولة في بعض المناطق الصحراوية ،وهذا يبين عدم جاهزية القوات الحكومية وقدرتها على فرض الامن وهيبة الدولة وسيادة القانون.

سيعاني العراق من اشكالية كبيرة في الجانب الفني والتقني للطائرات(أف16)،والتي يبلغ عددها (36)،طائرة والتي يعتمد العراق على الجانب الامريكي بشكل كامل، كما أن تسليح الطائرات بعدد محدود من القذائف الصاروخية يجعل العراق يعتمد بشكل كامل على الولايات المتحدة الامريكية في تسليح هذه الطائرات وأدمتها ،حيث يوجد أكثر من(500)،مستشار وفني أمريكي لإدامة هذه الطائرات ،وبهذا سيفقد العراق هذا الدعم والذي يمكن أن يحول الطائرة الى كدس حديد لا فائدة منه ،علماً إن الدبابات الامريكية نوع أبرامز أيضاً تحتاج الى أدامة وقطع غيار بصورة مستمرة مما سيحد من استخدامها بشكل كبير.

قد يشكل خروج القوات الامريكية فرصة لعودة تهديد تنظيم الدولة مرة أخرى، الامر الذي يشكل أحد أكبر التحديات التي تواجهها القوات الحكومية ،بالإضافة للميليشيات المنفلتة التي تعمل خارج اطار الدولة وتدين بالولاء للولي الفقيه في ايران ،حيث قدمت واشنطن المساعدة والدعم الكبير للقوات الامنية لمواجهة التنظيم ومقاومته ،وقد أثبتت الاحداث بأن القوات الحكومية بدون الوجود الأمريكي وتامين الغطاء الجوي ستكون بغداد غير قادرة على مواجهة هذه التنظيمات المسلحة التي استطاعت السيطرة على ثلث مساحة العراق مع العديد من المدن الحضرية المهمة كالموصل ،والانبار ،وصلاح الدين رغم إن الوضع في العراق في تلك الفترة كانت أفضل بكثير مما وصل اليه العراق الان ،ولا يزال السنة يشككون ولا يثقون في قدرات قوات الامن على مواجهة تنظيم الدولة دون مساعدة قوات التحالف الدولي وخاصة القوات الامريكية التي تلعب دور كبير في مراقبة الاجواء بشكل كامل لغرض مواجهة التنظيم ليس في العراق ،وإنما في سوريا ،واليمن ،وليبيا ويعتبر الكثير من السنة بأن وجودها بمثابة حاجز بين إرهاب تنظيم الدولة ، وارهاب الميليشيات التابعة لإيران ،وتظن بأن بقائها قد يساعد على تعديل سلوك قوات الامن والحد من تجاوزتها على ابناء هذه المناطق.

إن الوجود الامريكي بالعراق يشكل عقبة كبيرة لمخططات ايران في العراق والمنطقة ،وخصوصاً الممر الايراني باتجاه سوريا ولبنان وصولاً الى البحر الابيض المتوسط ،والذي يعتبر ممر استراتيجي بري مهم وحيوي لدعم حلفاء ايران في سوريا ولبنان ،والذي يعتبر رخيص وغير مكلف قياساً بالنقل البحري والجوي وما يعتريه من مخاطر ،كما أن العراق يعتبر مخزن كبير للأسلحة الايرانية ،حيث يعتبر تواجد القوات الامريكية وخاصة في المنطقة الغربية يشكل عائق كبير أمام ايران ،ويجب أن تعمل الادوات الايرانية في العراق على تلافيه من خلال الدعوة بخروج القوات الامريكية من العراق.

لم يتطرق القرار الى الاتفاقية الامنية التي ابرمت بين العراق والولايات المتحدة الامريكية وما هو مصيرها ؟ علماً أنه في حالة تم تنفيذ هذا القرار في الفترة القادمة فأنه لن ينفذ ألا بعد مرور سنة كاملة من تاريخ الاخطار الذي تقدمه الحكومة العراقية وتطلب فيه خروج القوات العسكرية الامريكية من العراق، وهذا يعني أنه لن يلبي طلب طهران وادواتها في الوقت الحاضر ،وهذا ما يجعل التصعيد هو الخيار المرجح للطرفين مما يحول العراق لساحة صراع لا مصلحة له فيها .

هل خروج القوات الأمريكية يمثل مصلحة ايرانية فعلاً؟

السؤال المهم الذي يجب أن تجيب عليه طهران وحكومتها بالعراق هو: هل يمثل خروج القوات الامريكية من العراق مصلحة ايرانية؟ وهل يخدم مصالحها الاقتصادية في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها ايران؟ من عقوبات اقتصادية كبيرة تفرضها عليها الولايات المتحدة الامريكية بما فيها منع استيراد النفط الايراني ولكي نجيب بروية نقول :بأن ايران تعتبر العراق الرئة الاقتصادية التي تتنفس منها ايران الان ،علماً أنه تم استثناء العراق من العقوبات الامريكية التي فرضت على ايران طوال الفترة الماضية والى يومنا هذا  ،وقد هددت الولايات المتحدة الامريكية بفرض عقوبات قاسية بحال تم خروج القوات العسكرية الامريكية وبشكل غير مسبوق وليس له مثيل مما سيقوض فرص البلدين في مواجهة العقوبات الاقتصادية الامريكية، لذا فأنا أرى أنه ليس من مصلحة ايران على المستوى الاقتصادي خروج القوات الامريكية التي تعني فرض عقوبات اقتصادية على العراق، ولكن على المستوى السياسي والامني يشكل انتصار كبير لإيران في العراق والمنطقة ،لذا فأن المطالبة بخروج القوات الامريكية هو جزء من اوراق الضغط التي تستخدمها طهران في مواجهة واشنطن علماً أنه في حالة خروجها فستكون القوات الامريكية موجودة في كردستان ،وسوريا ،والكويت ،والسعودية، وقطر ،والبحرين، وعمان ،والامارات ،وتركيا ،وافغانستان وهي تطوق ايران من جميع الجهات وخروجها يجعلها أمام خيارات واسعة لمواجهة الميليشيات الايرانية الولائية والتي تم درج الكثير منها على قوائم الارهاب الامريكية لذا فالموازنة صعبة جداً.

الاستنتاجات:

أن القرار الذي أصدره البرلمان يعكس بصورة جلية الهيمنة الايرانية في العراق ،من خلال أدواتها السياسية والمسلحة والتي تعمل لإرضاء طهران وخدمة مشروعها في المنطقة ،وكذلك التصريحات التي صدرت من أمين العام لحزب الله اللبناني ودعوته بخروج القوات الامريكية يعطي دلالة واضحة على التدخل في الشأن الداخلي العراقي، كما إن الامر الذي صدر من طهران كان بالاتفاق مع لبنان والعراق ،وما يجرى من حراك هو تنفيذ لما تم الاتفاق عليه.

لاشك إن تقيد صلاحيات الرئيس الامريكي من قبل الكونغرس الامريكي فيما يتعلق بالحرب على ايران أعطى رسالة خاطئة الى القيادة الايرانية ،مفادها بأن ترامب لن يمضي بعيداً باستخدام القوة ضد ايران ،ولكن الضربة الامريكية ضد قائد فيلق الحرس الثوري الايراني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق قلبت الموازين والحسابات الايرانية في معرفة طبيعة ردة الفعل الامريكية في حال كان الرد الايراني قوياً ،لذا جاء الرد الايراني باهتاً ولم يصل الى مستوى التهديدات الايرانية.

ايران تستغل ادواتها السياسية والمسلحة في العراق والمنطقة لإخراج القوات الامريكية ،ورأينا كيف عرض الناطق الرسمي للحرس الثوري الرايات التابعة للأدوات الايرانية في المنطقة خلفه وهو يبين تطورات الاحداث والرد الايراني، وهذا يعطي دلالة واضحة على النفوذ والتواجد الايراني وخاصة بالعراق الذي يعتبر أي تغير سياسي في العراق يمثل ضربة كبيرة وضربة أخرى للمشروع الايراني في المنطقة ،الذي بدأ يعاني من صعوبات كبيرة في المحافظة على هيمنته بسبب المظاهرات التي خرجت تنادي بخروج النفوذ الايراني في العراق ولبنان.

إن الولايات المتحدة الامريكية تدرك بشكل جيد بأن انسحاب قواتها العسكرية من العراق سيحقق أهداف أيران الرئيسية في العراق والمنطقة ،مما يمكنها من ممارسة نفوذها دون عوائق أو تهديدات تذكر وتهمين بصورة كاملة على القدرات العراقية ،بما فيها تأمين الممر الاستراتيجي للوصول الى البحر الابيض المتوسط ودعم حلفائها في سوريا والعراق ،لذا نراها تراجعت عن الرسالة التي ارسلتها الى قيادة العمليات المشتركة والتي تفيد بانسحاب قواتها من العراق.

الولايات المتحدة تنتظر تشكيل الحكومة العراقية القادمة وهل ستكون شريكاً حقيقياً لها؟ أم لا ! في مواجهة الارهاب سواءً كان تنظيم الدولة أو الميليشيات التابعة لإيران، لأنها لا ترى في حكومة عادل عبد المهدي شريكاً لها ،وعلى هذا الاساس ستتحدد خياراتها في العراق بشكل دقيق خصوصاً مع الانقسام الحاد في الشارع العراقي بين مؤيد ورافض للتواجد الامريكي في العراق ،وهذا يعني إن هناك ثمت أزمة حقيقة قد تكون سبب في انقسام جغرافي قد يؤدي الى التقسيم ،كما إن وضع الامين العام لميليشيا حزب الله العراقي على لوائح الإرهاب الامريكية يعني بأن الامور تسير نحن تعقيد المشهد السياسي والعسكري بشكل كبير كون الاخير لديه نواب في البرلمان العراقي ،وهو من يهدد بضرب القوات الامريكية ومصالحها في العراق وهذا الامر لن يستقيم أبداً.

الخاتمة:

يبدو بان صديق الامس أصبح عدو اليوم بعد أن تقاطعت المصالح واختلفت النوايا والاهداف ،فقد أطلقت الاحزاب والميليشيات الشيعة على القوات الامريكية المحتلة تسمية القوات الصديقة بعد عام2003، وهي من عملت على إيصالهم الى سدة الحكم في العراق ،حيث امتنعت الحوزات الدينية الشيعية عن اصدار فتوى بجهاد القوات الامريكية والبريطانية التي أعلنت نفسها بانها قوات احتلال حسب قرار مجلس الامن الرقم(1483)في 22/ أيار عام 2003،م ومع دخول ايران للعراق والمنطقة ودورها التخريبي الذي مارسته في العراق ،وسوريا ،ولبنان ،واليمن ،وقيامها بتقويض هذه الدول وبناء دولة تابعة لها داخل الدولة من خلال أحزاب وميليشيات مسلحة تعمل خارج اطار الدولة ،حيث قدمت الطبقة السياسية المصالح الايرانية على المصالح العليا للبلاد ،كما إن تصاعد الخلاف الايراني- الامريكي حول العراق لساحة صراع مفتوحة، خصوصاً بعد تبادل الضربات الصاروخية بين الجانبين ،وهذا يجري على الاراضي العراقية بسبب التدخلات الخارجية وضعف وطائفية الحكومات التي حكمت العراق بعد عام 2003، والتي اتسمت بالضعف وتبعية قرارها السياسي للخارج ،حتى وصلت الامور الى خروج الشعب بثورة عارمة تطالب بخروج جميع القوات الاجنبية من العراق ،بما فيها النفوذ والتواجد الايراني الذي يعتبر السبب الرئيسي في الفساد والتخلف الذي يعاني منه العراق لذا فهناك تحديدات كثيرة تواجه الطبقة السياسية التي حكمت العراق لمدة(17)،عاماً منها ثورة تشرين التي تهدد بزول حكمهم بصورة شاملة، واحتمالية عودة تنظيم الدولة ،واحتمالية التصعيد بين الولايات المتحدة الامريكية وهذه الميليشيات المدفوعة من ايران وسننظر من يخرج من العراق أولاً ؟.