يبدو ان إيران مُصرة على السيطرة الكاملة على الشؤون الاقتصادية و السياسية و الأمنية و العسكرية في العراق ، دون الاستجابة للمطالب الشعبية التي خرجت بالآلاف و طالبت بإنهاء النفوذ الإيراني و تحجيمه و عودة العلاقات الإيرانية العراقية إلى علاقات صداقة طبيعية بناءً على المصالح المشتركة بدل الاستمرار في استنزاف و اخضاع العراق لصالح الاجندة الإيرانية في المنطقة .

زيارة الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني (علي شمخاني) إلى بغداد كأول مسؤول وقيادي أمني إيراني كبير بعد مقتل الجنرال في الحرس الثوري (قاسم سليماني) في بغداد على يد القوات الامريكية، تؤكد أن طهران لن تتخلى أو تتراجع عن قيادة إدارة الملف السياسي العراقي ، وخاصة أن الزيارة تأتي في ظل الخلافات السياسية بين الأطراف الشيعية التي فشلت في اختيار بديل للرئيس الوزراء المستقيل (عادل عبد المهدي) بعدما انسحب (محمد توفيق علاوي) واعتذر عن تشكيل الحكومة المؤقتة بسبب عمق الخلافات داخل البيت الشيعي من جهة ومع باقي المكونات من جهة أخرى .

تعاني إيران من العديد من المشاكل و الأزمات الداخلية و الخارجية والتي قد تؤدي لتراجع نفوذها السياسي والعسكري في المنطقة، فهي تعاني من أزمة اقتصادية بسبب العقوبات الاقتصادية الامريكية القاسية و مازالت عاجزة عن ملء الفراغ الذي تسبب به مقتل (قاسم سليماني) ،بالإضافة إلى المشاركة القليلة في الانتخابات الأخيرة التي تطعن في شرعية النظام السياسي ، بالإضافة إلى التحدي الأبرز الحالي وهو (الكورونا) الذي تسبب بمقتل العديد من القيادات السياسية و الدينية في إيران، وهذه التحديات تدفع طهران للتمسك بالعراق لضمان بقاء النفوذ السياسي و السيطرة على السوق العراقية و التي توفر لإيران أرباحاً بالمليارات و تؤدي لتخفيف تأثير العقوبات الامريكية عليها.

تحرص طهران على إبقاء العراق كخزينة مفتوحة لتوفير الدعم المالي لوكلاء إيران في المنطقة و المساعدة المالية للأنشطة التخريبية، حيث أكدت المعلومات أن النظام العراقي في فترة (نوري المالكي) نقل إلى سوريا أكثر من (460) مليون دولار منذ عام 2012 وبعد الازمة السورية على الرغم من العلاقات المتوترة بين المالكي و بشار الأسد إلا ان طهران وجهت بتحويل المساعدات العراقية إلى سوريا، بالإضافة إلى تحول العراق لمركز اقتصادي لميليشيات حزب الله اللبناني ، حيث يتلقى الحزب ما يُقارب 300 مليون دولار سنوياً من نشاطاته الاقتصادية في العراق من خلال الشركات التي تعمل في مجال النفط و النقل و الاتصالات و غسيل الأموال، ومن المؤكد ان الأموال الحقيقية التي تم إرسالها لتمويل الأنشطة التخريبية في المنطقة من خزينة العراق أكبر من هذه الأرقام وهذه من الأسباب الرئيسية لتعرض العراق للازمات الاقتصادية و فشل الحكومة في استخدام مواردها لبناء البنى التحتية و تطوير المجال الخدمي.

جاءت زيارة (شمخاني ) إلى العراق بالتزامن مع تصريحات لرئيس الحكومة اللبنانية التي أعلن فيها عن عدم قدرة لبنان عن سداد الديون المستحقة عليها في الظروف الحالية وتبلغ 92 مليار دولار والتي تشكل أكثر من 170% من الناتج المحلي الإجمالي ، ما يعني أن البلاد على وشك أن تكون الدولة الأكثر مديونية في العالم ، مع خسارة الليرة اللبنانية نحو 40% من قيمتها والتي يُهدد بانهيار اقتصادي شامل.

الشعب اللبناني يدفع ثمن سيطرة ميليشيات حزب الله على الدولة اللبنانية ، حيث ترفض الولايات المتحدة الامريكية و العديد من الدول العربية أن تساهم في مساعدة لبنان لتخطي الأزمة الاقتصادية في ظل سيطرة حزب الله على الحكومة الحالية والتي تستخدم المساعدات الدولية لتمويل الأنشطة الإرهابية في لبنان و المنطقة وتساعد في زعزعة الاستقرار الإقليمي و المحلي .

فهل من الممكن ان يواجه العراق السنوات العجاف و تشهد الانهيار الاقتصادي مثل لبنان لأنها داخلة في نفس المحور الإيراني؟

يواجه العراق حالياً التحدي الأبرز وهو تشكيل الحكومة المؤقتة التي من المطلوب أن تُمهد للانتخابات المبكرة ، وهي تعاني من غياب الحكومة ، مع اضطرابات ومشاكل امنية و مظاهرات شعبية مستمرة ، بالإضافة إلى تراجع كبير في إيرادات صادرات النفط بعد تراجع أسعار النفط والتي قد تسبب بعجز العراق عن تأمين رواتب الموظفين وحدوث انهيار اقتصادي في العراق كما نرى في لبنان، وخاصة أن الميليشيات باتت تسيطر على معظم النشاطات الاقتصادية للدولة لتوفير الدعم المالي لنشاطاتها التخريبية في العراق دون أي اعتبار لمستقبل العراق السياسي او الاقتصادي.

لا يمتلك وكلاء إيران في العراق ولبنان أو في دول المنطقة أي استراتيجية او رؤية سياسية او اقتصادية لتحقيق مطالب الشعوب التي خرجت بالملايين إلى الشوارع مطالبين بالإصلاح و التغيير، وعلى الرغم من هذا العجز عن الاستجابة لمتطلبات الواقع، إلا انهم يرفضون التخلي عن السلطة و لديهم إصرار للبقاء في الحكم للذهاب بالبلدان نحو المجهول و الانهيار السياسي و الاقتصادي بضغوطات إيرانية ، حيث تحلم إيران بتحقيق الهلال الشيعي في المنطقة على حساب شعوب المنطقة ومصالح الدول التي يتم استنزافها وتتوجه نحو الانهيار لتحقيق هذا المشروع الأيديولوجي .