شاهو القرةداغي

بعد يومين فقط من زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني (علي شمخاني) إلى العراق و إعلانه من بغداد عن ضرورة إخراج القوات الأمريكية من العراق و المنطقة  انطلاقا من العراق ، قامت ميليشيا كتائب حزب الله العراقي بشن هجوم صاروخي على قاعدة التاجي العراقية والتي تضم جنودا من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وتسبب الهجوم الذي تم شنه بصواريخ الكاتيوشا بمقتل جنديين أمريكيين و بريطاني و إصابة أكثر من 11 شخص بجروح حسب المسؤولين في التحالف الدولي ضد داعش.

بعد هجوم الميليشيات على قاعدة التاجي ، أعطى الرئيس الأمريكي (ترامب) البنتاغون سلطة الرد على الهجوم ، حيث نفذت الولايات المتحدة الامريكية ضربات انتقامية دقيقة ضد مقرات و مراكز الميليشيات الموالية لإيران في العراق، عن طريق استهداف خمسة مواقع لتخزين الأسلحة تستخدمها ميليشيا كتائب حزب الله المتورط الرئيسي بقصف قاعدة التاجي.

وعلى الرغم من أن الهجوم الأمريكي على مواقع الميليشيات الإيرانية في العراق جاءت كردة فعل على الهجمات المستمرة التي تستهدف المصالح و القوات الامريكية في العراق من قبل الميليشيات وخاصة بعد اندلاع مظاهرات تشرين/ أكتوبر الماضي ، كمحاولة من الميليشيات لحرف الأنظار عن المظاهرات و تحويل التركيز من الاحتجاجات الشعبية إلى الصراع الإيراني- الأمريكي داخل العراق، على الرغم من ذلك إلا أن الكثير من الأطراف السياسية في العراق نددت بالرد الأمريكي و اعتبرته انتهاكا لسيادة العراق و يستوجب الرد من قبل المؤسسات و السلطات الرسمية والفصائل المسلحة .

 

هل كان الهجوم الأمريكي انتهاكا لسيادة العراق؟

من الواضح أن الهجوم الأمريكي استهدف ميليشيات طائفية موالية لإيران تعمل على الأراضي العراقية و تستهدف القوات الامريكية و العراقية – بدليل وقوع ضحايا من القوات العراقية في الهجوم الثاني للميليشيات على معسكر التاجي – يعني أن العمليات الامريكية تستهدف ميليشيات مرتبطة بمحور ما يسمى (المقاومة) بقيادة إيران ، والعمليات الامريكية تشمل العراق و سوريا و تستهدف وكلاء إيران في المنطقة ممن يعملون على تحقيق (الهلال الشيعي) الذي يربط طهران بلبنان مرورا بالعراق و سوريا.

الطرف المعني بالرد على الهجمات الامريكية هي إيران ، لأنها تقف وراء إنشاء و تأسيس الميليشيات في العراق و تسليحها و توجيهها بشكل كامل، وبالتالي عليها ان تتحمل المسؤولية و تدافع عن وكلائها بدل استخدامهم كورقة ضغط ضد الولايات المتحدة الامريكية ضمن الصراع الدائر بين الطرفين. وعلى الرغم من الارتباط الوثيق بين الميليشيات العراقية و بين إيران، إلا ان ايران سارعت لنفي علاقتها باستهداف التاجي وتبرأت من العملية حتى لا تتورط ولا تتحمل المسؤولية، وهي بذلك تقوم باستخدام الميليشيات الإرهابية في العراق ثم تتخلى عنهم لاحقا .

وإذا عدنا الى تصريحات قادة الميليشيات نرى انها تعلن الولاء لإيران و تأخذ الأوامر من المرشد الإيراني او الحرس الثوري بشكل مباشر. حيث صرح جعفر الحسيني المتحدث العسكري لميليشيا كتائب حزب الله قبل أعوام “بأن الكتائب تتلقى الأوامر من إيران منذ أن بدأت عملياتها المسلحة لأول مرة عام 2006، ضد القوات الامريكية إبان الاحتلال الأمريكي وحتى عام 2011، بالإضافة إلى ان عملياتنا التفجيرية و المسلحة كانت بفتوى من المرشد الإيراني على خامنئي، باعتبارنا نتبع ولاية الفقيه وليس لنا أية علاقة بالمراجع الدينية في مدينة النجف العراقية “.

كما أعلن أكرم الكعبي زعيم ميليشيا “حركة النجباء” “بأن حركته تؤمن بأن اتباع ولاية الفقيه هو الطريق الصحيح نحو تحقيق وحدة الامة الإسلامية، وان الولاية الآن هي بيد خامنئي، الذي يوجه سياسة الدولة في إيران والعالم الإسلامي، ولذا يجب علينا طاعته – على حد زعمه -.

بينما أعلن علي الياسري الأمين العام لميليشيا “سرايا الخراساني”  إن (الولاء لخامنئي، والاتباع لولاية الفقيه في ايران وعدم اتباع الحكومة العراقية”.

هذه المواقف تؤكد ارتباط هذه الميليشيات الولائية بإيران ومحور (المقاومة) ، حيث كانت في إيران سابقا و الآن تقاتل وتنشط في العراق وسوريا، وغدا قد تتوجه إلى لبنان و اليمن حسب توجيهات المرشد الإيراني. وهذه السياسات هي تقويض أساسي لسيادة العراق وعدم احترام السلطات الدستورية من عدة نواحي:

أولا: الميليشيات الموالية لإيران لا تلتزم بأوامر الدولة العراقية و لا تخضع لأوامر رئيس الحكومة ، بل تلتزم بأوامر المرشد الإيراني خامنئي و قيادات الحرس الثوري التي تعتبر الميليشيات امتداد للحرس الثوري في العراق ، وظهر هذا الامر جليا عندما خرج قائد القوة الجوية للحرس الثوري الإيراني في مؤتمر صحافي بعد مقتل (قاسم سليماني) واضعا خلفه أعلام الميليشيات التي تتبع إيران في المنطقة و منها علم الحشد الشعبي العراقي.

ثانيا: الميليشيات تقاتل حاليا في الأراضي السورية إلى جانب النظام السوري بتوجيهات إيرانية مباشرة، وعلى الرغم من تأكيد الحكومة العراقية على عدم تدخل العراق في شؤون دول الجوار، إلا ان الميليشيات لا تلتزم بهذه التوجيهات ولديها عقيدة عابرة للحدود بسبب خضوعها لمحور المقاومة .

ثالثا: تمتلك الميليشيات أسلحة متوسطة و ثقيلة و لديها مخازن للعتاد. وقامت – في الفترة الأخيرة – ببناء مصانع لصنع الصواريخ. وهذه الإجراءات تضعف الدولة العراقية الهشة أساسا و تساهم في المزيد من الفوضى وتعطي صورة واضحة للعالم الخارجي بتسلط الميليشيات على حساب أفول وتراجع قوة وسلطة الدولة.

وبالنتيجة لا يمكن للميليشيات التي ساهمت في انتهاك السيادة العراقية منذ تأسيسها أن ترفع شعار حماية السيادة الغائبة أصلا في العراق الحالي في ظل تواجد وكلاء إيران، وخاصة بعدما تورطت هذه الميليشيات بقتل العشرات من الشباب خلال الأشهر الماضية في ساحات التظاهر و إصابة الآلاف بأوامر إيرانية مباشرة. وبالطبع من المهم أن لا ننسى أن الميليشيات وصلت إلى هرم السلطة في العراق فوق الدبابة الأمريكية في عام 2003 ، قبل أن تقرر التحول إلى وكيل إيراني في العراق، وتتغلغل في المناطق المحررة من تنظيم داعش.