أ‌. د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

 

افتتح المجلس التأسيسي في 27 آذار 1924 بعد صدور الارادة الملكية، والتأم المجلس التأسيسي بجلسته الاولى وحضره أربعة وثمانون نائبا من مجموع مائة نائب.

ويعتبر افتتاحه من الأحداث المهمة في تاريخ العراق السياسي المعاصر. لأنه يعد أول مجلس منتخب يجتمع في بغداد، وأول خطوة نحو الحياة الديمقراطية رغم ما فيه من عيوب وما عليه من مآخذ.

وألقى الملك فيصل خطبته الافتتاحية “العرش”، وقد عبر فيها عن غبطته وسروره العظيم بافتتاح “أول مجلس شورى اجتمع ليؤسس دعائم المملكة”، وأضاف قائلا : ” ان الامة انتدبتكم – أيها النواب – الى النظر في امور جوهرية يشاد عليها بنيان نظامها واستقلالها …”.

وهذه الامور الأساسية :

أولا : ضرورة البت في المعاهدة العراقية – البريطانية لتثبيت سياسة العراق الخارجية.

ثانيا : اقرار الدستور العراقي لتأمين حقوق الأفراد والجماعات وتثبيت سياسة الدولة الخارجية.

ثالثا : سن قانون المجلس النيابي الذي يجتمع لينوب عن الشعب ويراقب سياسة الحكومة وأعمالها.

واعتبرها الملك على حد قوله : “المسائل الجوهرية التي يتوقف عليها مستقبل الامة”.

بعدها تم انتخاب عبد المحسن السعدون (رئيسا للمجلس التأسيسي) وكذلك تم انتخاب كل من داود الحيدري (اربيل) وياسين الهاشمي (بغداد) نائبين للرئيس.

لقد عد افتتاح المجلس التأسيسي حدثا تاريخيا مهما للعراقيين لأنه سيضع أول مرة اسس دولة عراقية تلتزم بالمفاهيم الدستورية التي تمثل روح العصر. وهو أول مجلس منتخب يجتمع في بغداد، في أواخر الدولة العثمانية حين كان السكان ينتخبون مبعوثين ويكون اجتماعهم في عاصمة الدولة العثمانية.

ففي الجلسة الاولى تحدث الدكتور حنا الزبوني (نائب الموصل) قائلا: ” ان الامة أرسلتنا الى هنا لإرساء أول حجر أساس في استقلالها الناجز وادارتها بنفسها”، وطالب قبل الشروع في المناقشات بوضع قانون داخلي للمجلس وأيده في ذلك عددا من النواب.

وفي الجلسة الثالثة التي عقدت في 31 اذار 1924، قدم عبد المحسن السعدون (رئيس المجلس) الى النواب مذكرة حكومة جعفر السعدي، المتضمنة عرض المعاهدة على المجلس لأجل التصديق عليها في أقرب وقت ممكن. وأهم ما جاء في هذه المذكرة المسوغات والدوافع التي تحتم ابرام هذه المعاهدة والتي تحددت بجملة امور هي : استقلال العراق، وتمكين بريطانيا من ادخال العراق الى عصبة الامم، دولة ذات سيادة، ثم حسم مسألة الحدود التي يتوقف عليها مستقبل العراق.

لقد أثارت اجراءات التصديق على المعاهدة مناقشات حامية داخل المجلس، ففي أول رد فعل على ما جاء في مذكرة رئيس الوزراء، وجّه أمجد العمري (نائب الموصل) انتقاده لخلوها من أي شيء يتعلق بولاية الموصل، وقال :

“… كنت أود أن ترد في تقرير رئيس الوزراء مادة عن الموصل، لأن الموصل هي رأس العراق ولا عراق بلا موصل، ولا أقصد الموصل المدينة نفسها بل وأقضيتها الستة مع السليمانية وكركوك وأربيل وملحقاتها، فإنها يجب أن تبقى عراقية، لأن أهل الموصل كافة اجتهدوا كثيرا، واشتركوا في كل شيء لخدمة الامة، ولهذا أرجوا أن يكون للموصل حظ في هذه المذكرات في هذا المجلس وتعطى لها أهمية …”.

وأيد جعفر العسكري – رئيس الوزراء- حديث العمري مؤكدا بالقول بأن : “العراق يمتد من الخليج الى جبال كردستان … وهناك رابطة وطنية تربط الجميع”.

لم يبدأ المجلس بمناقشة المعاهدة، بل قدمت عدة اقتراحات حول ذلك فقرر تأليف لجنة لدراسة المعاهدة لتقدم تقريرها عنها، يمثل من كل لواء عضوا فيها ما عدا لواء الموصل فيمثله عضوان باعتباره أوسع الألوية.

وانتخبت اللجنة ياسين الهاشمي (رئيسا لها)، وعقدت (29) جلسة نهارية و (20) جلسة مسائية، وعشر جلسات خاصة، وسمعت آراء الوزراء والحقوقيين والماليين، وتداولت مع المعتمد السامي البريطاني ومستشاريه في ثلاث جلسات متتابعة، فعقدت جلسات بحضور الملك فيصل وتبادلت معه الرأي بصدد الأوضاع الداخلية، واشترك ياسين الهاشمي (رئيس الوزراء) في جلستين من جلسات مجلس الوزراء، ووقف على وجهة نظر الحكومة بصدد استفسارات اللجنة. وبعد المشاورات والاتصالات وضعت اللجنة تقريرها في (65) صفحة، كان لياسين الهاشمي الدور الفعال في اعداده، وقد وصف هذا التقرير بأنه وثيقة تاريخية مهمة فهو يوضح رأي الوطنيين ورأي بريطانيا في بنود المعاهدة والاتفاقيات الملحقة بها.

قدم التقرير في 20 أيار 1924، وقد أظهرت اللجنة من خلاله موقفا جريئا في اقتراحاتها التي شملت المطالبة بالاستقلال التام للعراق، وتعديل بنود المعاهدة التي تضر بمصالح العراق قبل التصديق عليها وهو ما كانت ترفضه بريطانيا. ووصف المؤرخ عبد الرزاق الحسني، تقرير اللجنة بأنه “خير خدمة وطنية أسدتها للبلاد”.

وهنا طالب عدد من نواب بغداد والموصل بعدم التسرع في أمر المعاهدة بل اعادتها الى الوزارة للتفاوض مع بريطانيا بغية تعديلها.

” … جوبهنا بمعاهدة لا يحتمل عبئها الثقيل … المعاهدة لم تصرح بالاستقلال ولم تلغ “الانتداب”، وان ذيول المعاهدة “أثقل وأشد وطأة من المعاهدة نفسها”.

وذكر مزاحم الباجه جي (نائب بغداد) قائلا : ” ان الانشغال بأمر المعاهدة دون حل القضية الحيوية ضرب من العبث، لأن المعاهدة تصبح عديمة الجدوى ولا معنى لها اذا اقتطعت ولاية الموصل عن الجسد العراقي”. كما تكلم الشيخ عجيل الياور، مبينا ان الحكومة اذا لم توافق على التعديل فعلى الاعضاء ترك المجلس اذا لم توافق الحكومة على مطالبهم، وقال أيضا “ان أعطونا ما نريد والا فنقاومهم”.

وتصاعدت حدة المقاومة الشعبية والوطنية ضد المعاهدة، ففي الاجتماع الذي عقده المحامون في 17 نيسان 1924 والذي كرس لمناقشة المعاهدة حيث استقر الرأي على رفضها عند التصويت عليها في المجلس التأسيسي. كما شنت الصحف الوطنية حملة قوية ضد المعاهدة، مما أدى الى تعطيل جرائد (الاستقلال والشعب والناشئة) عن الصدور، واتخاذ تدابير احترازية ضد المعارضة بما فيها اعتقال (23) شخصا.

كما أقفلت غالبية أسواق بغداد، وتجمعت تظاهرة حول بناية المجلس التأسيسي في الوقت الذي كان فيه أعضاء لجنة المعاهدة يتناقشون وكان ذلك صبيحة 29 أيار 1924.

وعند المناقشة طالب عبد الغني النقيب أن يكون التصويت على المعاهدة بصورة انفرادية، حيث يقف كل عضو في المجلس على كرسي الخطابة ويدلي برأيه. من غير شك أن النقيب أراد من وراء ذلك اضافة الأعضاء المناصرين للمعاهدة واحراجهم.

وفي الوقت الذي كان فيه المجلس التأسيسي يواصل انعقاد جلساته لمناقشة المعاهدة، وقعت معاهدة الصلح النهائية بين الحلفاء وتركيا في لوزان، ونصت المادة الثالثة من المعاهدة على أن يعين خط الحدود بين تركيا والعراق بترتيب ودي بين تركيا وبريطانيا خلال تسعة أشهر، واذا لم يتوصل الطرفان الى اتفاق بينهما خلال تسعة شهور يرفع النزاع الى عصبة الامم.

في 19 أيار 1924 عقد مؤتمر القسطنطينية حضره ممثلون عن بريطانيا وتركيا ومثل العراق فيه طه الهاشمي – رئيس أركان الجيش العراقي-. ولم يتوصل الطرفان الى اتفاق، فلم يبق غير احالة المسألة الى عصبة الامم.

وفشل المؤتمر هذا كان قبل الانتهاء من التصويت على المعاهدة، مما جعل أعضاء المجلس أمام الأمر الواقع للتصديق على المعاهدة وملاحقها من غير معارضة من أجل ضمان بقاء الموصل ضمن سيادة العراق. لذا احتدم النقاش بين النواب، فظهرت أصوات من النواب تطالب بتأجيل البت في المعاهدة لحين حسم مشكلة الموصل، مما سبب انشقاقا في المعارضة داخل المجلس.

فيما قال البعض رغم ان المعاهدة “ثقيلة في بعض بنودها لا يمكن قبولها” لأنها تؤثر على قضية الموصل لغير صالح العراق. لكن علي جودت الأيوبي – وزير الداخلية – رد على المعارضة مبينا أن غرض المعاهدة هو التخلص بصورة شريفة من الانتداب، ودخول العراق عصبة الامم، وقال مخاطبا أعضاء المجلس “ليس من المعقول أن نرفض المعاهدة وندع الموصل على مذبح السياسة”.

كما قابل الملك فيصل أعضاء المجلس التأسيسي في 9 حزيران 1924 فارتجل كلمة، جاء فيها :

” …أنا لا أقول لكم اقبلوا المعاهدة أو ارفضوها، اعملوا ما ترونه الأنفع لمصلحة البلاد، فان أردتم رفضها فلا تتركوا فيصلا معلقا بين السماء والأرض بل أوجدوا حلا للمعاهدة …”.

وعلق الشيخ عجيل الياور حين عد الانكليز هم وحدهم وراء هذا الموقف الصعب واصفا اياهم بالقول : ” وضعونا في مساومة البيع والشراء وخيرونا بإضاعة الموصل …”.

بلغ الأمر ذروته في 10 حزيران 1924، عندما هدد وكيل المندوب السامي البريطاني (هنري دوبس) أعضاء المجلس في حالة رفضهم التصديق على المعاهدة بحل المجلس. وابلغ هذا الطلب الى الملك فيصل الذي لم يجد مناصا من دعوة النواب للاجتماع والمصادقة على المعاهدة قبل منتصف الليل، فعقد المجلس جلسة طارئة ليلة 10/11 حزيران- 1924 وقدم في هذه الجلسة تقريران، الأول قدمه ياسين الهاشمي مع (23 نائبا) طالبوا فيه للدخول فورا في المفاوضات للحصول على التعديلات، وأن يؤخذ ضمان عن مدافعة العراق في ولاية الموصل بأجمعها، وعند التصويت على التقرير صوت (24) نائبا لصالح تقرير الهاشمي، ووقف (43) نائبا ضد التقرير من مجموع النواب الآخرين البالغ عددهم (68) نائبا وواحد امتنع عن التصويت فعد التقرير مرفوضا.

وقدم جعفر العسكري ومعه الأكثرية من النواب تقريرا طالب فيه بتصديق المعاهدة وملاحقها على أن تصبح لاغية لا حكم لها اذا لم تحافظ حكومة بريطانيا على حقوق العراق في ولاية الموصل بأجمعها.

فحصل على موافقة (37) نائبا وخالفه (24) نائب من مجموع (69) نائب وكان الممتنعين (8) نواب، ونتيجة لذلك عد قبول تقرير جعفر العسكري بمثابة الموافقة والبت في امور المعاهدة.

ولأهمية المعاهدة وشعور النواب بمسؤولياتهم التاريخية تجاهها، وما تشكله من خطورة على مستقبل العراق، نلحظ أن مناقشاتها دامت من 27 آذار وحتى 10 حزيران 1924.

وعلى الرغم من فشل المعارضة في الحيلولة دون التصديق على المعاهدة فإنها سجلت مواقف وطنية من خلال كلمات بليغة وخطب حماسية في الدفاع عن حقوق الوطن وفضح نيات الانكليز وأطماعهم التوسعية.

بعدها سيتفرغ أعضاء المجلي التأسيسي لإقرار القانون الاساسي للبلاد (الدستور) وقانون انتخاب النواب – كما سنرى –

للاستزادة والتفاصيل يمكن العودة للمصادر أدناه :

1 – للتفاصيل عن منهاج الاستقبال وخطاب الملك فيصل، ينظر: مذكرات المجلس التأسيسي العراقي، جزءان، (مطبعة دار السلام، بغداد، 1924).

2 – جريدة الوقائع العراقية الرسمية، العدد (151) في 31 آذار 1924.

3 – لطفي جعفر فرج، عبد المحسن السعدون ودوره في تاريخ العراق السياسي المعاصر، (بغداد، 1980).

4 – محمد مظفر الأدهمي، المجلس التأسيسي العراقي، جزءان، (بغداد،1989).

5 – عدنان الباجه جي، مزاحم الباجه جي، سيرة سياسي، ( لندن، مركز الوثائق والدراسات التاريخية، بدون تاريخ) .

6 – فاضل حسين، دراسة في الدبلوماسية العراقية – الانكليزية- التركية في الرأي العام، ط3، (بغداد، 1973).

7 – عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الجزء الأول، ط7، (بغداد،1988).