شاهو القره داغي

 

تأسست أول حكومة في إقليم كردستان العراق عام 1992 من قبل برلمان الإقليم المنتخب لأول مرة بعد تأسيس منطقة (حظر الطيران) لحماية الإقليم. وبعد عامين على تأسيس أول حكومة كوردية اندلعت الحرب الاهلية في الإقليم بين الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يسيطر على أربيل، والاتحاد الوطني الكردستاني الذي يسيطر على السليمانية، واستمرت الحرب لأكثر من أربعة أعوام أدى الى إحداث شرخ سياسي و اجتماعي و مناطقي و تشكيل إدارتين في الإقليم الواحد.

وعلى الرغم من توقف القتال و عقد اتفاقية سلام في واشنطن بين (مسعود البارزاني) و (جلال طالباني) عام 1998 برعاية أمريكية لتأسيس سلام حقيقي في الإقليم، إلا ان الإدارات لم تتوحد وظل الانقسام موجودا حتى عام 2006 ، عندما تم الإعلان عن توحيد إدارتي كردستان و تشكيل الكابينة الخامسة لحكومة الإقليم بمشاركة الحزبين الحاكمين في الإقليم و البدء بخطوات إعادة توحيد الإقليم و إنهاء الانقسامات الموجودة لتحقيق السلام و الاستقرار و إغلاق كل الأبواب التي قد تؤدي لنشوء الحرب الاهلية مجددا.

ويبدو ان الخطوات لتوحيد الإقليم و تشكيل القوات المشتركة و إنها الانقسامات لم تكن جدية و لم تحقق أهدافها حتى الآن، حيث تؤكد الاحداث الجارية على أرض الواقع الشرخ الموجود لدى المنظومة الأمنية و العسكرية في الإقليم ، ووجود قناعة لدى الكثيرين من صناع القرار و النخبة داخل الحزبين الحاكمين بالحفاظ على المكاسب الحزبية وتقوية الحزب على حساب الحكومة و غياب الثقة الكافية بالمقابل.

أزمات مستمرة في ظل الجيل الجديد

أعلنت مديرية أمن أربيل (التابع للديمقراطي الكردستاني) يوم الخميس عن اعتقال الحارس الشخصي لوزير المالية في الحكومة السابقة بتهمة التجسس لصالح جهة أجنبية ضد مصلحة إقليم كردستان بالتعاون مع جهاز المعلومات التابع لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية.

تسبب هذا الإعلان ببدء تراشق اعلامي بين الأجهزة الأمنية للحزبين الحاكمين و التي تعتبر أكثر الأجهزة حساسية و أهمية في الإقليم . حيث أصدر جهاز المعلومات التابع للاتحاد الوطني الكردستاني بياناً يُكذب فيه مديرية امن أربيل و يعتبر معلوماتهم كاذبة و مدسوسة و عبارة عن معركة سياسية لا أساس لها، كما طالب بيان جهاز المعلومات رئيس الحكومة بالكف عن هذه الأكاذيب و الانشغال بقضية استلام رشوة بقيمة 250 مليون دولار تم تقديمها من قبل شركة روسية لأحد أبناء عائلة رئيس الحكومة.

وهذا الرد دفع مكتب رئيس الوزراء مسرور البارزاني لإصدار بيان شديد اللهجة للرد على جهاز المعلومات التابع للاتحاد الوطني الكردستاني وشخص (لاهور شيخ جنكي) الرئيس المشترك للاتحاد الوطني الكردستاني والمطالبة بمثوله أمام المحكمة بسبب وجود أدلة تدينه و تثبت تجاوزاته القانونية.

وبعدها بساعات خرج بيان من مجلس أمن إقليم كردستان يهاجم فيه (لاهور شيخ جنكي) و يوجه إليه العديد من التهم .

وبعد بيان مجلس الامن التابع للديمقراطي الكردستاني ، خرج المتحدث باسم الاتحاد الوطني الكردستاني ليُحذر من تدهور العلاقات بين الحزبين في حال استمرار التصعيد الإعلامي ، ما دفع مكتب رئيس الحكومة مسرور بارزاني لإصدار بيان ثاني يطالب الجميع بالتهدئة و يدعو لفتح تحقيق في قضية دفع 250 مليون دولار لشركة نفطية روسية.

 

قراءة هادئة لخطابات مشتعلة

ظهر هذا التراشق الإعلامي بين الحزبين الحاكمين في الإقليم في ظل انتشار وباء عالمي و فيروس خطير نجح في توحيد العالم و إنهاء الخلافات السياسية للوصول إلى علاج سريع ينقذ البشرية ، بالإضافة إلى تزامن هذا التصعيد الإعلامي مع اليوم الأول لعيد نوروز و رأس السنة الكردية والتي تمثل رمزا ولها مكانة لدى المواطنين في كردستان. و كانوا بانتظار الخطابات و المواقف التي تؤكد الوحدة الداخلية و تعزز ثقة المواطنين ليشعروا بوجود إدارة و حكومة واحدة تتصدى للازمات الداخلية و الخارجية وتنتصر بالنهاية. ولكن هذا التراشق الإعلامي في هذا التوقيت يعطي إشارة سلبية للمواطنين مفاده أن هناك نخبة سياسية داخل الحزبين الحاكمين مازالوا يفكرون بعقلية قديمة ولديهم استعداد لإشعال الصراعات و الحروب دون أي اعتبار لحساسية الظروف و المشاكل التي تمر بها الإقليم و العراق.

خطورة التراشق الإعلامي هذه المرة انها جاءت من أجهزة الاستخبارات و المعلومات و الأجهزة الحساسة، و كانت تشمل اتهامات متبادلة بالقتل و الفساد و التهديد بفتح الملفات ، مما يزعزع من ثقة المواطنين بهذه الأجهزة الأمنية التي من المفترض ان تركز جهودها على حماية كيان الإقليم و المواطنين بغض النظر عن انتمائهم الحزبي و السياسي بدل الانشغال بالصراعات الحزبية الداخلية .

عدم توحيد الأجهزة الأمنية و غياب التعاون الاستخباري بالإضافة إلى محافظة كل حزب على قواته المسلحة (قوات البيشمركة) و غياب مشروع جديد لتوحيد هذه الأجهزة و الانصهار في مشروع وطني جامع يفضل مصالح الإقليم على المصالح الحزبية قد يؤدي إلى كوارث و حروب و صراعات حزبية جديدة في إقليم كردستان وضياع المكاسب التي تحققت على مدى السنوات الماضية.

من الواضح ان الإقليم مقبل على عدة سيناريوهات في ظل هذا التصعيد الإعلامي الخطير في هذه الظروف الحساسة الموجودة في الإقليم والعراق و المنطقة . فقد يستمر التراشق الإعلامي بين الطرفين مما سيزيد البرود و الشرخ بين الحزبين الحاكمين وسيؤثر بشكل سلبي على أداء الحكومة و إضعافه على المستوى الداخلي و الخارجي و خاصة انه يأتي مع انخفاض أسعار النفط و الحديث عن إمكانية عجز الحكومة عن دفع رواتب الموظفين .

العودة إلى نظام الادارتين قد تكون خيارا آخر لمنع الانجرار لحرب داخلية مجددا ، على الرغم من ان الأطراف الدولية وخاصة الولايات المتحدة الامريكية التي استثمرت كثيرا في الإقليم و تحاول توحيد المؤسسات الأمنية و العسكرية بشكل كامل تريد تقوية الإقليم وليس إضعافه عن طريق الذهاب إلى هذه الخيارات، بالإضافة إلى الإرادة الشعبية التي سئمت من الحروب و المشاكل والأزمات والتي تفضل الاستقرار و الأمان. إلا انه في حال إصرار القيادات الحزبية على تبني نهج تصادمي و تغييب صوت العقل فإنه سيكون خيارا ضروريا لمرحلة معينة.

من الواضح أن أي مشروع وطني لتوحيد الإقليم و تشكيل قوة مسلحة واحدة و جهاز أمني واحد قد لا يرى النور في ظل الأحزاب الحالية التي فشلت في البدء بهذا المشروع على مدى 28 عام من عمر الإقليم .

 

خاص براسام