نظير الكندوري

تداولت وسائل إعلامية أنباء انقلاب عسكري وشيك، يمكن حصوله بالعراق، بدعم أمريكي. رافق ذلك  تحركات غريبة يمكن أن تصب في تقوية مثل هذه الأنباء التي تتداولها وسائل الاعلام، وتنسبها لمصادر غير محددة. فيا ترى ما هي احتمالية وقوع مثل هذا السيناريو للتغيير في العراق؟ وهل من الممكن أن يحدث ذلك في ظل سيطرة المليشيات الموالية لإيران على المشهد الأمني في العراق؟

في يوم 22 أذار/ مارس من هذه السنة، نسبت صحيفة الجريدة الكويتية لمصدر لم تذكر اسمه، داخل “فيلق القدس” الإيراني قوله: بأن الحرس الثوري الإيراني والفصائل الموالية له في العراق، قد أعلنوا حالة التأهب تحسبا لانقلاب عسكري يدبّره ‏الأميركيون للسيطرة على السلطة في بغداد.‏ وأكد المصدر للصحيفة الكويتية، بأن حالة التأهب هذه، جاءت نتيجة معلومات استخباراتية حصلوا عليها، تفيد بأن الأمريكيين قد أبلغوا “حلفاءهم” في بغداد، أن الاعتماد على “منظمات المجتمع المدني” لم يعد مجديا، ولن ينجح، دون تحرك مواز للقوات المسلحة الموالية لواشنطن، للإجهاز على نفوذ إيران وحلفائها بالعراق.

من خلال هذه المعلومة الاستخباراتية التي يوردها المصدر من داخل فيلق القدس للصحيفة الكويتية، يريد الإيرانيون الإيحاء بأن الحراك الشعبي في العراق والرافض للتواجد الإيراني وميليشياته، هو من تدبير منظمات مجتمع مدني تدار من قبل أمريكيا، وأن للأمريكان تأثير قوي وأتباع داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية وحتى في العملية السياسية، وهؤلاء من سيقومون بتنفيذ خطة الانقلاب المزعومة داخل العراق. وعلى هذا الأساس، فإن الإيرانيين يعتزمون القيام بحركة استباقية ضد هذا الانقلاب المزعوم من خلال ادواتها بالعراق.

 

لماذا يتم تسريب هذه الانباء الان؟

من الواضح أن تسريب أنباء عن انقلاب عسكري وشيك الحدوث بالعراق، ومن مصدر داخل فيلق القدس، ولصحيفة عربية غير معروف عنها الاهتمام الكبير بالشأن الداخلي العراقي، له تفسيرات عديدة ويعطي انطباعات أخرى عديدة. أولها أن إيران وفي وضعها المتأزم الحالي، بدأت تشعر بفقدان السيطرة شيئا فشيئا على الوضع السياسي والأمني في العراق، وأكبر دليل على ذلك، هو تكليف شخصية لمنصب رئاسة الوزراء من خارج منظومتها السياسية الموالية لها داخل العراق، بل وتتهمه بالولاء للأمريكان، وأن وصوله إلى سدة رئاسة الوزراء في العراق، يعني تقويضا هائلا لنفوذها وسيطرتها الحالية على العراق. وانطلاقا من هذا، فهي تضغط الأن على الأحزاب والمليشيات الشيعية، لرفض المكلف الجديد وتنحيته، والمجيء بشخصية أخرى اكثر ولاءا لها، يحافظ على مكتسباتها في العراق.

يرافق ذلك، القيام بتحرك على قيادات سنيَّة وكردية داعمة للزرفي، كما جاء في تصريحات المصدر الإيراني، لإقناعهم بسحب دعمهم للزرفي، تزامنا مع تحرك قوي على تحالف سائرون بقيادة مقتدى الصدر ولنفس السبب. وعلى هذا الأساس، فإن تصريحات المصدر الإيراني المجهول، هي تصريحات مقصودة، تريد إيران منها، خلق حالة رعب عند المكون الشيعي العراقي، من انقلاب عسكري وشيك يأتي بنظام شبيه بنظام صدام حسين الرئيس العراقي السابق، ويكون مبررا لإجراءاتها التي تعتزم القيام بها من خلال غلق باب رئاسة الوزراء امام الزرفي.

 

هل واشنطن راغبة بانقلاب عسكري في العراق؟

لكن ألا يمكن أن تكون هناك نية أمريكية فعلية للقيام بانقلاب عسكري أو سياسي في العراق؟ لا سيما وأن من يراقب تصريحات القادة الامريكان، وتحركات قواتهم في العراق، يجد أن  مثل هذه النية ربما تكون غير غائبة على تفكير القادة الامريكان، سواء منهم السياسيين أو العسكريين. فقد أعرب مسؤول بالخارجية الأمريكية، عن خيبة أمل واشنطن إزاء العراق بما يخص حماية جنودها هناك، حيث أن بغداد تعهدت بمحاسبة المسؤولين عن الهجوم الصاروخي على قوات التحالف في قاعدة التاجي، لكنها لم تفعل.‏ من ناحيتها ذكرت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إنها لا تزال تبحث كيفية الرد على الهجوم. رافق ذلك إخلاء قوات التحالف الذي تقوده واشنطن، لثلاثة مواقع غير شديدة التحصين، لتعيد نشرهم في قواعدها المتواجدة في عين الأسد بالأنبار وقواعد في الموصل وأربيل شديدة التحصين. كما وأن تأخر الرد الأمريكي أو تأجيله ردا على الضربة الثانية لقواتها في قاعدة التاجي، ربما يأتي انتظارا لحلول الوقت المناسب، حينما تقدم على دعم انقلاب عسكري في العراق يكون لصالحها.

 

ما هو السيناريو الأقرب إلى التحقيق؟

ورغم كل تلك الأدلة من التصريحات ومن التحركات على الأرض، إلا أن تنفيذ انقلاب عسكري بالعراق وبدعم أمريكي، ربما يكون ضربا من الخيال حاليا، بسبب تكلفته المادية، واحتمالية عدم نجاحه، لا سيما وأن كثير من قطعات الجيش العراقي وقوى الامن الداخلي تدين بالولاء إلى إيران، وكثير من قادتها، بالأصل كانوا افرادا بالمليشيات الشيعية التي جاءت من إيران بعد عام 2003. وبالتالي فإن أمريكا لا تريد المغامرة بعملية عسكرية غير مضمونة النتائج وبشكل منفرد، كما إنها لا تريد الظهور للعالم، كدولة داعمة للانقلابات العسكرية ضد الديمقراطية التي هي من ساهمت ببنائها بالعراق. وعلى هذا الأساس فإن الولايات المتحدة تريد دعم تغيير سياسي في العراق، ومثل هذا التغيير ممكن الحدوث من خلال العملية السياسية نفسها.

 

حكومة الزرفي بداية التغيير بالعراق

بعد أن استغل الرئيس العراقي برهم صالح، حالة الانقسام التي تعاني منها الأحزاب الشيعية، وفشلهم في الاتفاق على شخصية توافقية يمكن تكليفها لمنصب رئيس الوزراء، وكذلك الدعوات التي تلقاها من كتل سياسية شيعية، لممارسة صلاحياته وتكليف شخصية يراها مناسبة لهذا المنصب، مثل كتلة سائرون وكتل شيعية أخرى، قام صالح سريعا بتكليف شخصية شيعية، هو عدنان الزرفي المعروف عنه بقربه للمحور الأمريكي وبعده عن المحور الإيراني.

دعمت بعض الكتل السياسية الشيعية المهمة هذه الشخصية، مثل كتلة النصر بزعامة حيدر العبادي، وكتلة سائرون بزعامة مقتدى الصدر، بالإضافة إلى دعم الكتل السنيَّة الكردية، ولكل كتلة أسبابها الخاصة لدعم الزرفي. الأمر الذي رفع حظوظ الزرفي بنجاحه بتشكيل وزارته الجديدة عبر أغلبية برلمانية مريحة.

لكن هل تبقى الكتل الشيعية والمليشيات الولائية الرافضة لهذه الشخصية مكتوفة الايدي؟ – خاصة بعد أن رفضته إيران وأبدت تشاؤمها منه -. بالتأكيد لا. إذ قامت بتوجيه طعن بدستورية تكليف برهم صالح لعدنان الزرفي للمحكمة الاتحادية، لكن رد المحكمة جاء بغير ما تهوى تلك الأحزاب، وأقرت دستورية التكليف. ثم قاموا بتشكيل وفد يمثل تلك الكتل السياسية لتلتقي ببرهم صالح لإبداء رفضها للزرفي، واقناعه بالعدول عن تكليفه، لكن من غير المؤمل أن يستجيب صالح لضغوطهم، لا سيما وأن التراجع عن هذا التكليف، إجراء غير دستوري، ولا يمكن تنحية الزرفي عن هذا التكليف إلا بحالة اعتذاره هو شخصيا، أو عدم حصول كابينته الوزارية على الثقة داخل البرلمان. وهذين الاحتمالين ربما يكونان مستحيلان في ظل إصرار الزرفي على المضي بتشكيل الحكومة، وثقته بالحصول على الأغلبية النيابية المطلوبة لتمرير حكومته.

ومن هذا، لم يبق للنظام الإيراني ومواليه في العراق، إلا الانتقال إلى الخطة “ب” – إذا جاز التعبير -، وهو دعم تغيير لصالحها بالقوة، معتمدة على ميليشياتها المتواجدة بالعراق، لخلق فوضى عسكرية بحجة قمع انقلاب عسكري وشيك بقيادة الولايات المتحدة، تسترجع فيه سيطرتها على العراق، والحيلولة دون حدوث تغيير من شأنه الحد من نفوذها فيه.

لكن المليشيات لا تبدوا على قلب رجل واحد بعد غياب الشخص الذي كان يوحدهم. فقد شهدت الأيام القليلة السابقة لقاء ممثلي أربع مليشيات تسمي نفسها “فصائل المرجعية”، مع وزير الدفاع العراقي نجاح الشمري، الامر الذي فسره عدد من المراقبين، بأنه انشقاق حقيقي بين المليشيات ذات الولاء العراقي، والمليشيات ذات الولاء الإيراني.

إن ما نراه، للحيلولة دون تنفيذ إيران مخططها الفوضوي ردا على خسارة نفوذها الوشيك في العراق، هو الإسراع بتقديم الزرفي تشكيلته الوزارية للبرلمان للحصول على الثقة، واستباق أي خطوة حمقاء يمكن أن تقترفها إيران في العراق. ونجاح الزرفي بتشكيل حكومته، سيجعله مدعوما من قبل واشنطن، ربما يصل إلى مرحلة التدخل العسكري دفاعا عنه، بحجة دعم الشرعية السياسية في العراق، وواشنطن بهذه الحالة ستكون ممثلة عن المجتمع الدولي الذي لا يدعم الانقلابات العسكرية ويدعم الحكومات الشرعية.

هذا ما ألمح إليه وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، حينما قال بمناسبة تكليف الزرفي:  “ما على رئيس الوزراء المكلف القيام به كي يحظى بدعم واشنطن، هو دعم ‏سيادة العراق، والنأي بنفسه عن الفساد، وحماية حقوق الإنسان”. وهو بذلك، يحثه على تشكيل حكومة بعيدة عن إيران، داعمه لمطالب المتظاهرين، وتعمل على تطهير جهاز الدولة من موالي إيران الفاسدين.