شاهو القره داغي     

يعاني العالم من تفشي فيروس كورونا الذي صنفته منظمة الصحة العالمية وباءا عالميا وعبرت عن قلقها الشديد بسبب سرعة انتشار وتفشي الفيروس في العالم و عدم مكافحته بما يكفي لإيقاف انتشاره، حيث تجاوز عدد المصابين بالفيروس في أنحاء العالم نصف مليون شخص و الوفيات بلغت 27 ألف شخص مع ارتفاع مستمر في الإصابات على مستوى العالم. إضافة إلى تداعياته السلبية التي ألحقت أضرارا كبيرة بالاقتصاد العالمي ، حيث يتوقع مجلة (بلومبرغ) المتخصصة بالشؤون الاقتصادية أن يؤدي الوباء إلى حدوث ركود اقتصادي و انخفاض معدلات النمو الاقتصادي و تقدر حجم خسائر الاقتصاد العالمي بقرابة 2.7 تريليون دولار .

إن أصحاب المناعة الضعيفة و من لا يلتزمون بإجراءات الوقاية أكثر عرضة للإصابة بالفيروس وسيعانون من آثاره. وهذا ينطبق على الدول أيضا، حيث ستعاني الدول الفاشلة و الهشة من الكثير من المشاكل الاقتصادية و الصحية بسبب الفيروس و ستتعمق فيها الأزمات و لن تتعافى بسهولة بسبب غياب رجال الدولة ممن يحملون عقلية استراتيجية لديها قدرة فعالة على إدارة الأزمات.

أغلب الحكومات في العالم في حالة استنفار شديدة لمواجهة الفيروس بهدف إيقاف انتشاره السريع و تقليل الإصابات و خفض تداعياته السلبية على الدولة و المواطنين، بينما ينشغل العلماء و الأطباء بالبحوثات و الدراسات الطبية لفهم الفيروس و إنتاج اللقاح المضاد له بشكل عاجل، أما مراكز الدراسات الفكرية فهي منشغلة باستشراف المستقبل و تقديم التصورات حول شكل المنظومة الدولية و الدول الوطنية و الحكومات وطبيعة العلاقات بين الحكومات والشعوب وبين الدول بعد تجاوز وباء الكورونا .

في الجانب الآخر من المعادلة نرى حكومات و دول عديدة  فشلت في الاستجابة الفعلية لمخاطر وتهديدات الفيروس و تسببت بانتشاره و رفع مخاطره على المجتمع مثل الدولة العراقية ، التي من الممكن أن نطلق عليها لقب الدولة الهشة والضعيفة والفاشلة في نفس الوقت، بعدما شاهدنا طريقة تعامل مؤسسات الدولة مع هذا الوباء و تقاعس الأجهزة الرسمية عن فرض القانون و التحكم بالمعابر الحدودية و الرحلات الجوية و العجز الكامل عن توفير مستلزمات الوقاية للمواطنين.

 

محطات الفشل في مواجهة كورونا 

أولا: أعلنت طهران في 19 فبراير عن تسجيل أول حالتي إصابة بفيروس كورونا في مدينة قم ، وبعدها بساعات وفي اليوم ذاته ذكرت أن المصابين توفيا. هذا الخبر كان إشارة واضحة بأن الفيروس أصبح منتشرا في قم وغيرها من المدن الإيرانية. وبعد يوم واحد على الإعلان الإيراني، طالب العراقيون بإغلاق الحدود مع إيران و اتخاذ الإجراءات الصحية اللازمة لفحص القادمين منها و تعليق الرحلات بين إيران و المحافظات العراقية لمنع انتقال الفيروس إلى العراق ، وخاصة في ظل زيارة المئات من الزوار الإيرانيين إلى العراق وزيارة العراقيين إلى إيران لغرض السياحة، إلا أن  السلطات العراقية لم تستجب سريعا ولم تغلق المعابر الحدودية بسبب الضغوطات الإيرانية لاستمرار النشاط التجاري وتدفق الصادرات الإيرانية إلى العراق وتفضيل الأحزاب العراقية لمصالحها التجارية و الاقتصادية على مصالح وصحة المواطنين، ما أدى الى انتقال الفيروس إلى العراق وتسجيل أول حالة في 24 فبراير لطالب إيراني الجنسية.

بعد انتشار الفيروس في أغلب المحافظات العراقية و ارتفاع عدد الإصابات و الوفيات ، وتحول العراق لإحدى الدول التي تمتلك معدلات وفاة عالية نتيجة الفيروس والتي بلغت 9.40 % وهي ضعف النسبة في الصين 4.05% – المركز الأول للفيروس – قررت السلطات العراقية إغلاق الحدود البرية و الجوية مع إيران لمكافحة الوباء ، ولكن ظلت الرحلات الجوية الإيرانية مع مطار النجف مستمرة و دون توقف ، بالإضافة الى استمرار ذهاب الميليشيات الإيرانية إلى سوريا مرورا بالعراق والتي أكدت مصادر عديدة لصحيفة جوراليزم بوست عن إصابة الميليشيات الإيرانية و العراقية في سوريا بالفيروس. وهذا يعني أن الحدود العراقية مع إيران وسوريا مازالت مفتوحة وتحت سيطرة الميليشيات وغير ملتزمة بالقرارات الحكومية او الإجراءات المتأخرة التي جاءت لمكافحة الفيروس.

 

ثانيا: رغم التعليمات و الدعوات المستمرة لوقف التجمعات البشرية و المناسبات و إغلاق المراقد و الأماكن المقدسة لمنع انتشار الوباء في العراق، إلا ان السلطات العراقية فشلت في السيطرة على التجمعات او إيقاف المنابر التي تدعوا المواطنين للاستمرار في الزيارات و التبرك بالأماكن المقدسة دون الاكتراث بمخاطر الفيروس. حيث زار مقتدى الصدر مرقد الامام علي في النجف وطالب بعدم إغلاقه أمام الزائرين، فيما أقام أنصاره صلوات الجمعة في الكوفة و مدينة الصدر و محافظة ميسان ، دون أي تدخل من السلطات الرسمية على الرغم من ان هذه التجمعات تهدد المجتمع العراقي و تشكل أكبر خطر لانتشار الفيروس. ولكن بسبب وقوف قيادات سياسية تملك ميليشيات واذرع مسلحة وراء هذه الدعوات و التجمعات فإن السلطات عاجزة عن التصرف او التدخل.

 

ثالثا: الحكومات المحترمة في العالم لديها رؤية و خطط واضحة لأكثر من 5 سنوات ، و هي جاهزة لأي حدث طارئ قد يقع بشكل مفاجئ ويشكل خطرا على الدولة او المواطنين، كما أعلنت العديد عدد من الحكومات عن مساعدات مالية للعوائل المحتاجة بعد فرض حظر التجوال. ولكن في العراق كشف كورونا أن الحكومات السابقة و الحالية لا تملك أي خطة لمواجهة المشاكل والأزمات، حيث رأينا منذ اليوم الأول لانتشار المرض في العراق، ان الأحزاب و الكتل السياسية منشغلة بالصراعات السياسية لكسب المغانم و المكاسب و الامتيازات في الحكومة المؤقتة القادمة ، وجعلوا موضوع كورونا أمرا ثانويا لم يحظ بتركيز او موقف مباشر من قبل قادة الأحزاب و الميليشيات. وهنا يشعر المواطن بشكل واضح أن الطبقة السياسية غارقة في مصالحها الضيقة وليست مؤهلة لقيادة العراق وخاصة في مرحلة الازمات لأنها تمنح الأولوية للمصالح الحزبية و الاجندة الخارجية و تضع مصالح العراقيين في نهاية سلم الأولويات وهذا ما يزيد الشرخ بين المواطنين والطبقة السياسية الحاكمة.

وعلى الرغم من تراكم الازمات في العراق بدءا بانتشار فيروس كورونا ، إلى انخفاض أسعار النفط و مرور العراق بأزمة سياسية واقتصادية، تقوم الميليشيات الموالية لإيران بتصرفات صبيانية تؤدي في نهاية المطاف لتحويل العراق لساحة حرب بين إيران والولايات المتحدة الامريكية، وتحاول إعلان الحرب على أمريكا عن طريق صواريخ الكاتيوشا بهدف إثبات صدقها و إخلاصها للطرف الإيراني الذي سيتخلى عنهم عند الضرورة. وهناك شواهد تاريخية تؤكد تخلي طهران عن وكلائها لأجل مصالحها ، ومنها ما ذكره مدير المخابرات العراقية الأسبق (السبعاوي إبراهيم الحسن) بأن المخابرات الإيرانية عرضت على العراق عام 1990 تسليم قادة المعارضة العراقية (المجلس الأعلى الإسلامي وحزب الدعوة) في إيران إلى السلطات العراقية ، مقابل قيام العراق تسليم قادة منظمة مجاهدي خلق الإيرانية إلى إيران!

رسوب العراق في امتحان الكورونا سيؤدي لتعميق المشاكل الاقتصادية و تصاعد الغضب الشعبي نحو الأحزاب السياسية المتحكمة بالمشهد السياسي ، ولكن السؤال الرئيسي: هل ستعترف الطبقة السياسية في العراق بهذا الرسوب و الفشل الكبير و يفتحون المجال أمام الجيل القادم لقيادة المرحلة القادمة قبل حدوث الانهيار ؟

 

خاص براسام