أ.د. عدنان القطان باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

 

بعد تتويج الأمير الفيصل بن الحسين ملكا على العراق في 23 آب 1921، عملت بريطانيا على تحديد علاقاتها مع العراق بموجب معاهدة بترم بين الطرفين تحل محل صك الانتداب وتنظيم العلاقات بين البلدان. وقد تم ابرام هذه المعاهدة في 10 تشرين الأول 1922، ومن خلال هذه المعاهدة حصل العراق ظاهريا على استقلال ذاتي، ومع ذلك استمرت السلطة الحقيقية في أيدي المندوب السامي البريطاني، لأن المعاهدة احتفظت لبريطانيا بالسيطرة على الشؤون الخارجية والمالية والقضائية والعسكرية، وصادق عليها المجلس التأسيسي في ليلة العاشر من حزيران 1924 – كما ذكرنا سابقا – بعد أن أوصى المجلس بإلغاء هذه المعاهدة اذا لم تحافظ حكومة بريطانيا على حقوق العراق في ولاية الموصل.

  • معاهدة 1926 :

في 16 كانون الأول 19225 صدر قرار عصبة الامم بابقاء (ولاية الموصل) ضمن الحدود العراقية، وقد دعت العصبة حكومة بريطانيا أيضا الى عرض معاهدة جديدة مع العراق تضمن تمديد الانتداب لمدة (25) سنة، الا في حالة قبوله في عضوية مجلس العصبة قبل انتهاء هذه المدة… وقد تلا هذا القرار عبد المحسن السعدون – رئيس الوزراء ووزير الخارجية- في مجلس النواب بجلسته المنعقدة في 31 كانون الأول 1925، وأوضح ان المفاوضات جارية بين الحكومتين العراقية والبريطانية بشأن المعاهدة الجديدة التي ستعرض على المجلس.

وتحدث ابراهيم كمال – نائب الموصل- قائلا : “… في الحقيقة لم أفهم القصد الذي توخاه رئيس الوزراء في قوله يريد أن يشرك المجلس التشريعي في مسؤولية القوة التنفيذية… يا فخامة الرئيس انك تقوم بما عهد اليك من الواجبات وان لم يوافق المجلس على عملك هذا فيجب أن تنسحب من مركزك ولا مسؤولية مشتركة بين المجلس التشريعي والقوة التنفيذية…”، وأضاف كمال موضحا: “ان الفقرة الرابعة من المادة (26) من القانون الأساسي (الدستور) تنص على (أن الملك يعقد المعاهدات بشرط ان لا يصدقها الا بعد موافقة مجلس الامة)… أنا أود من رئيس الوزراء أن يقوم بوظائفه ويوقع المعاهدة وياتي الى المجلس ويدافع عن خطته ليطلع المجلس على أمور كثيرة حتى يتمكن المجلس من ان يحصل على معاهدة تضمن لنا حقوقنا بصفتنا أحد الطرفين المتعاقدين…”. الا ان السعدون حاول أن يغلق المنافذ على هذه المسالة وطلب من النواب تأجيل المناقشات حتى انتهاء المفاوضات.

وعلى ما يبدو ان هذه المعاهدة الجديدة أوقعت مجلس الوزراء في الحرج، لكونها جاءت باختيارين لا ثالث لهما، بين فقدان الموصل اذا رفضت المعاهدة وبين الاحتفاظ بها وتحمل تبعات المعاهدة الثقيلة. فكان الاختيار من أنه لا مناص من توقيعها وان رفضها يعني فقدان الموصل. فقررت الحكومة العراقية قبولها في جلسة مجلس الوزراء المنعقدة في 11 كانون الثاني 1926.

تقدمت حكومة عبد المحسن السعدون الثانية الى مجلس النواب بلائحة المعاهدة الجديدة بجلسته المنعقدة في 18 كانون الثاني 1926، لمناقشتها واقرارها.

قدم محمد سعيد عبد الواحد – نائب البصرة – وهو من أعضاء حزب التقدم الذي يرأسه عبد المحسن السعدون – رئيس الوزراء – اقتراحا يطلب الاستعجال بالمذكرة حول المعاهدة، دون تحويلها الى لجنة الادارة والسياسة، وكانت مسوغات النائب المذكور لذلك ان موضوع المعاهدة الجديدة هو فقط لاطالة أمد المعاهدة القديمة – أي معاهدة 1922-. وقد واجه مقترحه هذا احتجاجات شديدة من نواب المعارضة، وحدثت داخل المجلس (ضوضاء وضرب على المناضد)، وتساءل ابراهيم كمال – نائب الموصل – عن دوافع الاستعجال هذا، بقوله : “اناشد المجلس العالي بضميره النقي هل هناك أسباب موجبة للاستعجال”. في حين كان رد فعل ثابت عبد النور – نائب الموصل-  أكثر شدة حين تساءل باندهاش بقوله : “هل سبق أن عقدت معاهدة في الدنيا لمدة 25 سنة وتمر بخمسة دقائق في المجلس…”. وأيد كلام عبد النور النائب نصرة الفارسي – نائب ديالى – في حين رأى النائب يوسف غنيمة – بغداد – أن ما قاله رئيس الوزراء واضح جدا ولا يحتاج الى تفسير. كما تحدث النواب ياسين الهاشمي – نائب بغداد – طالبا من رئيس الوزراء توضيح التعابير والقيود الواردة في نص المعاهدة. أما النائبين رؤوف الجادرجي – نائب الحلة – وأحمد الداوود  – نائب بغداد – أن للمجلس الحق برفض المعاهدة أو قبولها بعد توقيعها من مجلس الوزراء.

لكن السعدون – رئيس الوزراء – أعلن أنه لا مناص من توقيع المعاهدة بطريقة الاستعجال وعند رفضها يعني فقدان الموصل، واقترح في الوقت ذاته أن تكون الجلسة سرية، معللا اقتراحه هذا بأنه ربما تؤثر  خطب بعض النواب على سياسة العراق الخارجية.

لكن النواب المعارضين، احتجوا على ذلك بشدة وقاموا بتمزيق ورمي نصوص المعاهدة والقانون الأساسي (الدستور) والنظام الداخلي على النواب الآخرين وغادروا القاعة محتجين وكان عددهم (18)نائبا لكن رئيس مجلس النواب خاطب “ما أفهم هذا … النظام الداخلي الذي وصفه المجلس أحكامه واضحة ولأن ما لدى رئيس الوزراء من الأسباب أوضحه لحضراتكم فما الذي يعمله…”.

ومع هذا فقد عقد امجلس جلسته السرية التي دامت ساعة ونصف، ومن ثم أصبح الاجتماع علنيا وجرى التصويت على هذه المعاهدة بطريقة تعيين الاسماء، وصادق المجلس على هذه المعاهدة بإجماع النواب الحاضرين الذين غادروا القاعة احتجاجا من المخالفين للمعاهدة والذين كان عددهم (18) نائبا.

أما الأعيان فقد أولوها اهتماما خاصا، وكانت آراء الأعيان تتفق أحيانا وتتناقض أحيانا اخرى بحسب تطور الوضع السياسي للعراق.

ففي اول اجتماع له في يوم الاثنين الموافق 18 كانون الثاني 1926، لتصديق عصبة الامم على معاهدة 1926 وملاحقها في عام 1924، والتي أقرها المجلس التأسيسي مع بريطانيا. وترأس الجلسة يوسف السويدي – رئيس مجلس الأعيان – وحضرها رئيس مجلس الوزراء ووزيري العدلية والمعارف.

وكما هو معلوم أن معاهدة 1922 قد حددت العلاقة مع بريطانيا لمدة أربع سنوات وحلت محل صك الانتداب، وقد رحبت الحكومة بهذا التصديق في خطاب.

وعلى الرغم من ان هذه المعاهدة تضمنت صك الانتداب، لكن الحكومة رأت ان المعاهدة قد جعلت العراق طرفا معترفا به واتباعا لسياسة “خذ وطالب” التي انتهجها الملك فيصل الأول في الحكم.

كانت أصداء هذه المعاهدة الرضا والقبول، فقد ألقى رئيس مجلس الأعيان يوسف السويدي خطابا أبدى الممنونية لبريطانيا وأعرب عن أمله أن تبر بوعودها كافة، وفي الاجابة عن خطاب العرش رحب المجلس بتصديق المعاهدة التي حلت محل صك الانتداب.

كان للظروف المحيطة بالعراق وخاصة في مسألة مطالبة تركيا بالموصل دور في تحديد مواقف الأعيان من بريطانيا، فقد كان جل اعتماد العراق لحل هذه المشكلة على بريطانيا، لذلك تقدم الأعيان، يوسف عمانؤيل وعبد الله النقيب  و آصف أفندي وأحمد الفخري ومحمد على فاضل أفندي ومولود مخلص ومحمد سعيد أغا وحسين العطية وحسن الشبوط، بالشكر لبريطانيا لقيام المستر (ايمري) وزير المستعمرات في كلمته في مجلس عصبة الامم بالدفاع عن حقوق العراق بشأن الحدود مع تركيا. وقد وجه المجلس برقية شكر له – كذلك تضمن خطاب العرش وجوابه الشكر لبريطانيا -. وواقع  الحال ان بريطانيا كانت حريصة على مصلحتها بشأن مسألة الموصل وليس قصدها حب سواد عيون العراقيين، لأن اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916 قد جعلت ولاية الموصل ضمن حصة فرنسا، لكن بريطانيا بعد ثورة اكتوبر عام 1917 في روسيا وانسحاب روسيا، فقد كانت بريطانيا تحلم في تكوين امبراطورية في الشرق الأوسط وهكذا أصبحت ولاية الموصل مهمة لادخالها في هذه الامبراطورية. لذا بقيت مسألة الموصل من الامور الأساسية التي تدفع الى الاعتماد على بريطانيا في الدفاع عن حقوق العراق، وربما كانت بريطانيا هي التي تدفع بهذا الاتجاه لاجبار العراق على عقد المعاهدات وتصديقها. فعندما طرحت لائحة تصديق المعاهدة العراقية البريطانية عام 1926، قدم العينان أحمد أفندي وآصف أفندي، تقريرا طلبا فيه الاستعجال بالنظر لتصديق المعاهدة وأعلنا أن الدافع للاقتراح هو الحرص الشديد على مصلحة العراق ومن ضمنها ولاية الموصل وحصل الاقتراح على التأييد.

ولم يعارض المعاهدة أحدا عدا العين مولود مخلص، موضحا كره العراقيين للانتداب وان ما تم بالنسبة لتصديق معاهدة 1922 في المجلس التأسيسي كان للحفاظ على الموصل على الرغم من ثقل بنود المعاهدة وعلى شرط تعديلها…”. وكان رأيه “أن المعاهدة الجديدة أثقل من سابقتها وبيّن مساوءها حيث احتوت مقدمتها على رغبة الطرفين في تنفيذ شروط عصبة الامم كاملة، ومن جملة شروط عصبة الامم اعطاء حق الانتداب للجكومة البريطانية، ولم يدرج ما يناقضه في المعاهدة، ولم يرد في المعاهدة الجديدة حق التعديل سوى في مادتي الاتفاقيات العسكرية والمالية ولوقت معلوم”. لذلك أشار الى أن “المعاهدة أشد وأثقل من المعاهدة لأصلية عام 1922”.وهذا ما دعى العين آصف أفندي أن يدعوا لترك العواطف للحفاظ على حقوق العراق في الموصل.

وعلى الرغم من المعارضة القوية التي واجهتها هذه المعاهدة خلال التصديق عليها في مجلس النواب خاصة، فانها لم تكن بنفس قوة معارضة معاهدة 1922، في المجلس التأسيسي العراقي.

ومهما يكن من أمر فانه يمكن القول بأن احدى نتائج هذه المعاهدة هي ضمان بقاء (ولاية الموصل)جزءا متمما للعراق.

 

 

 

لمزيد من التفاصيل، ينظر المصادر أدناه:

 

  • أحمد رفيق البرقاوي، العلاقات السياسية بين العراق وبريطانيا 1922 – 1932 (بغداد،1980).
  • فاروق صالح العمر، المعاهدات العراقية البريطانية وأثرها في السياسة الداخلية 1922 – 1948، (بغداد،1977).
  • محاضر جلسات مجلس النواب، الدورة الانتخابية الاولى، مطبعة الحكومة، بغداد،1926).
  • محاضر جلسات مجلس الأعيان، (مطبعة الحكومة، بغداد، 1926)